منقول …
أن ستة عميان تناهى إلى سمعهم أن فيلاً كبيراً سوف يؤتى به إلى بلدتهم بمناسبة الاحتفال السنوي ، فذهبوا الستة إلى حاكم البلدة وطلبوا منه أن يسمح لهم بلمس الفيل لأول مرة في حياتهم ، فهم دائماً ما يسمعون على الفيل ومدى ضخامته لكنهم لم يتصورا شكله قط .
لم يمانع الحاكم إطلاقاً إلا أنه أشطرت في سبيل ذلك أن يصف كل واحد منهم الفيل في جملة واحدة ، وفي يوم الاحتفال وبحضور أهل البلدة أحاط الستة رجال بالفيل وبدأ كل واحد فيهم بلمسه ، وبعد ما انتهوا من معاينة الفيل قام كل واحد بوصف الفيل أمام الحاكم وبحضور حشد كبير من والعامة ، فجاء الوصف كالتالي :
الأول قال : الفيل أقرب ما يكون إلى الحبل
قال الثاني متعجباً : أين الفيل وأين الحبل .؟
بل هو مثل الحائط تماماً
ضحك الثالث ثم قال : يا لها من سخافة ، حبل وحائط .!!
كيف هذا والفيل لا يخرج عن كونه خنجر كبير .
وقال الرابع متهكماً : ما تقولنه هراء وما يقوله الناس عن ضخامة الفيل هراء أيضاً ، فقد كنت أشتاق لمعرفة الفيل وصدمت حينما وجدته مجرد ثعبان بدين غير سام .
وقال الخامس ساخراً : ما كل هذا الهذيان ، الفيل عبارة عن مروحة يدوية مصنوعة من الجلد .!!
وقال السادس مقهقهاً : يا لسماء .. هل مسكم طائف من الجن .؟!
يبدو أنكم لمستم شيء آخر غير الفيل ، فالفيل ما هو إلا جذع شجرة .
أثناء وصف كل شخص من الستة للفيل ، كان كل من في المكان يقهقه بصوت عال ساخراً من الأوصاف العجيبة للفيل إلا الحاكم فقد كان يسمع بإصغاء كامل ووقار شديد وبعد أن انتهى الستة من وصفهم للفيل .
وقف الحاكم وأشار لجموع الحاضرين بأن يكفوا عن الضحك ، وبعد أن هدأ الجميع قال الحاكم موجهاً كلامه للجميع :
لماذا تسخرون من العميان الستة .؟!
فكلهم صادق في وصفه للجزء الذي لمسه من الفيل ، فلأول قال أن الفيل يشبه الحبل لأنه لمس الذيل فقط ، والثاني قال أن الفيل كالحائط لأنه لمس الجسم فقط ، والثالث قال أن الفيل كالخنجر لأنه لمس الناب ، والرابع قال أن الفيل كالثعبان لأنه لمس الخرطوم ، والخامس قال أن الفيل يشبه المروحة لأنه لمس أحدى الأذنين ، والأخير قال أن الفيل كجذع الشجرة لأنه لمس القدم .
بذلك فقد أصاب كل شخص من الستة جزء من الحقيقة ۰
والخطأ الوحيد الذي ارتكبوه هو أنهم لم يتريثوا ليعرفوا الحقيقة كاملة .
ولو أن كل منهم قد تخلى عن تعصبه لرأيه وعملوا معا كفريق واحد لأستطاعوا أن يضعوا أجزاء الصورة بجوار بعضها البعض ومن ثم يمكنهم جميعا أن يروا الصورة الكاملة .
وماحدث لهؤلاء الرجال يحدث لغيرهم من المبصرين ، ونحن أيضاً بلا استثناء نقع في هذا الخطأ كثيراً ، نتحدث عن جزء من الحقيقة ونعتقد أن هذا الجزء هو الحقيقة الكاملة ، فنتمسك به ونتعصب من أجله ، نهاجم من يعارضه ونحارب الآراء الأخرى ، وذلك ببساطة لأننا لم نحيط الحقيقة من كافة جوانبها .
علينا أن نعلم أن لكل منا دوره فى الحياة ، كل واحد يرى جزءا من الصورة بطريقته الخاصة ولكى نرى الصورة كاملة ، علينا أن نعمل سويا بروح الفريق لنرى الصورة التى لايمكن أن نراها لو عمل كل منا منفردا .
هنا انتهى النقل …
تعليق …
هذه الحكاية ليست مجرد أسطورة تروى ، بل هي مرآة جلية لواقع نعيشه نحن الأيزيديين في العراق عامة وفي الإقليم خاصةً .
كما وقف أولئك العميان حول الفيل ، يلمس كل منهم جزءاً ضئيلاً ثم يعلن بثقة أنه امتلك الحقيقة كلها ، كذلك تفعل الحكومتان في بغداد و أربيل حين تتعاملان مع قضيتنا : يقترب كل طرف من زاوية ضيقة ويغض الطرف عن بقية الصورة ، ثم يتصرف كأنه أدرك جوهر المسألة وبلغ منتهاها .
إنهم ينظرون إلينا بعيون تبصر ما تشاء وتعرض عما تشاء . يرون جزءاً صغيراً من معاناتنا فيحسبونه كل الحكاية . يلمسون طرفاً من المأساة فيظنون أن الجرح قد التأم ، بينما تبقى بقية الجراح مفتوحة تنزف صمتاً .
يتظاهرون بالمعرفة ، يوزعون الوعود ، يكررون الشعارات ، لكنهم ينسون ( أو يتناسون ) أن خلف كل كلمة تقال هناك نساء ما زلن مختطفات وقرى ما زالت مدمرة ومقابر لم تحصر وأجيال تعيش بلا ضمانات ولا عدالة ولا مستقبل واضح .
كما ضحك أهل البلدة على أوصاف العميان ، يضحك بعض المسؤولين على آلام الإيزيديين :
يسخرون من مطالبتنا ، يستخفون بحقوقنا ، ويتهربون من الاعتراف بجذور المأساة التي لم تنته بعد ، لا في سنجار ولا في المخيمات ولا في النفوس المحطمة التي تنتظر بريق أمل .
إنهم يرفضون رؤية الفيل كله ويرفضون رؤية الحقيقة كما هي :
حقيقة أن الإيزيديين ليسوا هامشاً يمكن إهماله ولا جرحاً يمكن تغطيته بخطابات سياسية ، بل هم أساس من أسس استقرار العراق وأمانه وأن أي دولة تتعمد تجاهل هذه الحقيقة تسير بثبات نحو إعادة إنتاج الكارثة .
الحقيقة لا ترى بالانتقاء ولا تفهم بالتجاهل ، الحقيقة تحتاج عيناً عادلة وضميراً لا يخاف وشجاعة تعترف بأن ما جرى للأيزيديين لم يكن صفحة وطويت ، بل مأساة ما تزال مستمرة بفعل الإهمال والتقصير وازدواجية المعايير .
ولو أن الحكومتين في بغداد و أربيل تخلتا عن ضيق رؤيتهما وتوقفتا عن التعامل مع الأيزيديين كملف يفتح عند الحاجة ويغلق عند المصلحة ولو أنهما قررتا أن تنظر كل منهما إلى المشهد كاملاً بلا إنكار ولا تبرير ، لأدركتا أن قضية هذا الشعب ليست مشكلة محلية صغيرة ، بل لها تداعيات اقليمية وحتى دولية ، بل هي امتحان أخلاقي وسياسي للدولة العراقية ولحكومتي المركز و الإقليم .
ما لم يجتمع أصحاب القرار على رؤية الصورة بكامل تفاصيلها ، فسوف يظل الفيل مجهولاً بالنسبة إليهم .
وتبقى الحقيقة ناقصة ، ويبقى الأيزيديين يدفعون ثمن العمى السياسي الذي يرفض أن يرى ما يجب رؤيته .
إن العدالة ليست هدية تمنح ، بل حق يجب استعادته وإن مستقبل العراق لن يبنى على جراح تطمس ولا على شعب يعامل كظل في أرضه .



