مضى عام على سقوط نظام الحكم في سوريا، وهو الحدث الذي جاء نتيجة تداخل العديد من العوامل الإقليمية والدولية. في
هذا السياق، يمكننا طرح تساؤل أساسي: هل سقط النظام بالفعل، أم أن سوريا هي من سقطت؟
منذ استلام هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا) للسيطرة على دمشق، أصبح واضحًا أن الدولة السورية بكل مؤسساتها
قد انهارت، هذا التغيير في السلطة لا يمكن اعتباره مجرد استبدال قيادة، بل يمثل انهيارًا كاملاً للبنية التي كانت تُحكم البلاد
بها لعقود.
سقوط الدولة: تغيير الوجوه لا يعيد بناء المؤسسات
في الواقع، بعد سقوط النظام، لم نشهد سوى استبدال للقيادة فقط، فقد ذهب بشار الأسد ومن معه وأتى أحمد الشرع وحاشيته.
وجاؤوا بأشخاص آخرين، كشقيق أحمد الشرع، ماهر الشرع الذي تولى بعض المناصب بعد ذهاب ماهر الأسد، فذهب
ماهر وجاء ماهر جديد، وهي تغييرات لم تُحدث فارقًا حقيقيًا في بنية السلطة، بل على العكس، فإن السلطة التي كانت
مركزية ومتمثلة في شخص الرئيس أصبحت موزعة بين العديد من القوى والجماعات، بما في ذلك الجماعات المسلحة التي
تمتلك نفوذًا كبيرًا.
مع هذا التغيير، نجد أن الدولة نفسها قد سقطت، لم يتم الحفاظ على المؤسسات الحكومية التي كانت تدير شؤون البلاد، بل
أصبحت سوريا دولةً منقسمة، فقد انتقلت الصراعات من المعركة ضد النظام إلى معركة حول النفوذ بين الجماعات
المسلحة، فهل يمكن اعتبار سوريا دولة إذا كانت مؤسساتها في حالة انهيار؟
أين هو "التحرير"؟
من النقاط المثيرة للتساؤل في هذا السياق هو الحديث المستمر عن "التحرير"، حيث تروج هيئة تحرير الشام ذلك ليلاً
ونهاراً، فالسؤوال هل حررت هذه الهيئة عفرين والرأس العين ولواء إسكندرونة من تركيا، وهل حررت الجولان من
الاسرائيل؟
السؤال هنا: ما هو المعنى الحقيقي للتحرير؟ هل هو مجرد تغيير في القيادات، أم أن التحرير الحقيقي يتطلب إعادة بناء
الدولة بشكل كامل، بما يشمل تحرير الأرض واستعادة السيادة؟ في حالة سوريا، يبدو أن مفهوم "التحرير" أصبح مجرد
شعار يستخدمه الجميع لتبرير تصرفاتهم وأفعالهم.
الإعلام في عصر ما بعد الأسد
أما على صعيد الإعلام، فكما كان النظام السابق يمتلك آلة إعلامية ضخمة تروج له وتبرر له جميع أفعاله، فإن هذه الآلة
الإعلامية لم تتغير هي الأخرى بعد سقوط الأسد. ولكن، على الرغم من تغيير الوجوه، فإن الخطاب الإعلامي لم يتغير
كثيرًا، فبدلاً من تبرير أعمال الأسد، أصبح الإعلام الجديد يروج للقيادات الجديدة بنفس الطريقة، مجملاً أفعالهم وكأنهم
ملائكة.
وفي بعض الحالات، زادت آلة الإعلام الجديدة من التبريرات، ربما لتخفي القبح المستمر في التعامل مع المواطنين
السوريين، التغيير في وجوه الإعلام لم يعنِ تغييرًا حقيقيًا في الهدف أو في مهنية العمل الإعلامي، بل أضحى مجرد إعادة
إنتاج نفس الأيديولوجيات والمواقف بطريقة مختلفة.
هل يمكن لسوريا أن تتوحد مجددًا؟
الآن، بعد مرور عام على سقوط النظام، يمكننا أن نطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن لسوريا أن تتوحد مجددًا تحت مظلة
دولة واحدة؟ هل من الممكن أن يتم بناء دولة جديدة بعيدة عن الصراعات الإقليمية والدولية التي تهيمن عليها القوى
الكبرى؟
إن الإجابة على هذا السؤال ليست واضحة، خاصة في ظل التحديات الضخمة التي تواجهها البلاد، فالانقسامات الحالية بين
الجماعات المختلفة والوجود العسكري الأجنبي في البلاد يعقدان الأمور أكثر، ولكن في الوقت نفسه، يبقى الأمل في إمكانية
بناء سوريا جديدة تحترم حقوق المواطنين وتعيد بناء مؤسسات الدولة، إلى أن يتحقق ذلك ستظل سوريا في حالة فوضى
وأنقسام.



