مر الايزيديون بتجارب ماساوية تركت جراحا عميقة في الذاكرة والوجدان جراح لم تلمس الجسد فحسب بل امتد اثرها الى الروح والعلاقات الاجتماعية والمجتمعية باكملها لقد شهدوا فقدان احباء واهل واصدقاء وتعرضوا للتهجير والاختطاف والقتل الجماعي ما ترك آثارا نفسية واجتماعية طويلة المدى ومن الطبيعي ان تولد هذه التجارب مشاعر غضب والام ورفض عميق فهي رد فعل انساني طبيعي امام الظلم والفقدان لكن التحدي الاكبر يكمن في ان يتحول هذا الغضب الطبيعي الى تعميم اعمى او حكم جماعي لا يميز بين المذنب والبريء فيصبح غضبنا وسيلة لاعادة انتاج الظلم ذاته الذي عانيناه اذ حين يفقد المجتمع القدرة على التمييز لا يظلم الاخر فحسب بل يظلم الواقع نفسه وقيم العدالة التي يقوم عليها ويصبح من الصعب الدفاع عن قضيتنا بموضوعية ومصداقية امام العالم .
تنظيم داعش لا يمثل جميع المسلمين بل كان فكرا اجراميا متطرفا انتمى اليه افراد من خلفيات متعددة عربا وكردا وغيرهم من مناطق وطبقات مختلفة وقد استغل الدين والمذهب لتبرير اعماله الاجرامية وكان هدفه نشر الرعب والفوضى والدمار في المجتمعات وتهديد الابرياء وقتل الابرياء ونشر الانقسام بين المكونات الدينية والعرقية لكن في المقابل كان هناك مسلمون من مختلف الاطياف والاعراق وقفوا مع الايزيديين وساندوهم في احلك الظروف وضحوا بارواحهم وساعدوا المختطفات على النجاة وقدموا الطعام والملبس والمأوى دون انتظار مقابل او شكر وكانوا يعملون بدافع انساني واخلاقي بحت ان تجاهل هذه الحقيقة او انكارها يشكل ظلما جديدا للقضية نفسها ويطعن في مصداقيتها امام العالم ويقلل من قيمة التضامن الانساني الذي وقف الى جانب الضحايا.
تتمتع شنكال بخصوصية اجتماعية وتاريخية واضحة فهي ليست مجرد منطقة جغرافية بل نسيج انساني متماسك تشكل عبر قرون طويلة من العيش المشترك والعمل والتعاون بين سكانها في السراء والضراء لقد تعلم اهل شنكال منذ القدم كيف يبنون مجتمعهم على اساس الاحترام المتبادل والتضامن الاجتماعي وكانوا دائما يدركون قيمة التعايش السلمي بين مختلف المكونات الدينية والعرقية يربط الايزيديين والمسلمين في شنكال روابط الدم والعشيرة والجوار قبل ان يفرقهم الاختلاف الديني وكان هذا النسيج الاجتماعي هو الدرع الحامي للمجتمع ضد محاولات الفوضى والانقسام ولذلك فان اسقاط خطاب الكراهية العام على شنكال خطأ فادح لانه يتجاهل تاريخا طويلا من التعايش والاحترام المتبادل ويقلل من قيمة الروابط الانسانية والاجتماعية التي حافظت على هذا المجتمع متحدا رغم كل التحديات والازمات.
ومن اخطر ما خلفه داعش هو محاولته المنهجية لتمزيق المجتمعات من الداخل وزرع الشك والكراهية بين مكوناتها وتحريض الناس على بعضهم البعض وتشويه الصورة الحقيقية للمجتمع الواحد وبث الخوف والريبة بين السكان اذا وقعنا في فخ هذا المنطق فاننا نحقق اهدافه دون ان نشعر ونصبح اداة في يده لتحقيق الانقسام والفتنة وقد ادرك الايزيديون عبر تاريخهم الطويل ان القوة الحقيقية للمجتمع لا تكمن في ردود الفعل العاطفية والانفعالات العابرة بل في الوعي والفهم والقدرة على التمييز بين العدو الحقيقي والصديق الحقيقي بين من يسعى للدمار ومن يسعى للحماية والبناء وبين من يسيء عمدا ومن يحاول المساعدة بصدق لذلك حافظوا على تماسكهم ووحدتهم رغم كل المحن والاضطرابات.
العيش المشترك لا يقوم على النسيان أو التنازل عن الحقوق بل على العدالة والمساءلة الحقيقية فالمجتمعات التي تحافظ على توازنها وقيمها لا تسمح بتجاوز القانون او السكوت عن الظلم الممارس المجرم يجب أن يحاسب والمتعاون مع الارهاب يجب أن يكشف ويعاقب دون مجاملة او تحيز وفي الوقت نفسه يجب حفظ كرامة الابرياء واحترامهم والتعامل معهم بانسانية دون تشويه الديمقراطية ليست شعارا يرفع في المناسبات بل سلوك يمارس يوميا في كل قرار وتصرف وقبول الاخر لا يعني تبرير الاساءة بل يعني استخدام القانون وسيلة لاسترداد الحقوق وضمان العدالة دون تشويه السمعة أو الانزلاق في خطاب الكراهية أو التعميم الذي يضر بالنسيج الاجتماعي ويضعف الثقة بين المكونات ويجعل المجتمع اكثر هشاشة أمام الازمات.
لقد خسرنا اشخاصا كانوا من اشد المدافعين عنا وكانوا صوتا صادقا لقضيتنا في أوساط مختلفة ليسوا من نفس خلفيتنا الدينية او العرقية لكنهم وقفوا إلى جانبنا باخلاص وشجاعة ودافعوا عن حقنا في البقاء والكرامة الانسانية هذه الخسارة كانت كبيرة أخلاقيا ومعنويا وليس بسبب تقصيرهم بل بسبب ضعفنا أحيانا في التعامل الصحيح مع الاخرين وعدم ادراكنا قيمة التحالفات الانسانية الحقيقية اذا اردنا ان نظل شعبا مسالما وقضيتنا عادلة فعلينا تحويل هذه المبادئ الى افعال يومية عملية ملموسة تحترم الاخر قولا وفعلا لا شعارا فقط ونعمل على الحفاظ على هؤلاء الحلفاء ودعمهم وتقدير جهودهم لانهم جزء من صمودنا وقوة قضيتنا في وجه الصعاب.
هناك كثيرون وقفوا معنا ولا يزالون يقفون من مختلف المكونات الدينية والعرقية في العراق من مسلمي شنكال من الكرد والعرب من السنة والشيعة إلى أاهالي تلعفر من التركمان السنة والشيعة إلى ابناء الموصل وسائر محافظات العراق هؤلاء لم يقفوا معنا فقط بالكلمة بل بالفعل بكل ما يملكون من امكانات ونفوذ اجتماعي واخلاقية يقدمون الدعم المادي والمعنوي يساندوننا في أصعب الظروف ويدافعون عن حقوقنا دون انتظار مقابل او مصلحة شخصية هؤلاء يشكلون سندا حقيقيا لقضيتنا ويجسدون معاني التضامن والوفاء والخير وخسارتهم لا تعني فقط فقدان شخص او مجموعة بل تعني اضعاف صوت الحق وتقليل فرص نشر العدالة والوعي بقضيتنا امام العالم لذلك يجب الاعتراف بمواقفهم وحفظ مكانتهم والدفاع عن حقوقهم كما ندافع عن حقوقنا.
اليوم يقف الى جانب الايزيديين كثير من المثقفين والناشطين من مختلف المكونات العراقية من الجنوب والوسط والاقليم من السنة والشيعة والكرد مدفوعين بدافع انساني وأخلاقي خالص هؤلاء لم يكتفوا بالكلام أو التصريحات بل شاركوا في رفع الوعي بقضيتنا ونشر الحقيقة عن معاناتنا وتقديم الدعم المعنوي لمساندتنا في كل مرحلة من مراحل الصمود والبناء والاعمار لقد كان لهم دور بارز في الدفاع عن حقوق الايزيديين واظهار صوتهم للعالم وهم يمثلون جسرا من الثقة والتفاهم بين المجتمعات المختلفة هؤلاء يستحقون الاحترام والتقدير كما نطالب باحترام رموزهم الدينية والثقافية واعترافا بمواقفهم النبيلة وتقديرا لجهودهم المستمرة في حماية القيم الانسانية ومبادئ العدالة.
عدالة القضية الإيزيدية تفرض علينا أن نكون أكثر حرصًا على الانصاف والدقة وأن نمتنع عن الانفعال أو التعميم السريع الذي قد يضر بالقضية قبل أن يفهم الآخرون الحقائق توثيق الخيانة والاساءات واجب أخلاقي وتاريخي للحفاظ على الذاكرة ومنع تكرار الظلم لكن توثيق المواقف النبيلة والبطولية لهؤلاء الذين وقفوا إلى جانبنا واجب لا يقل أهمية فهو يعكس وجهنا الانساني ويسلط الضوء على التضامن والوفاء ويشكل نموذجًا يحتذى به ويظهر أن قضيتنا ليست مجرد صراع بل قضية قيم وعدالة هذا التوازن يحمي كرامتنا ويصون سمعتنا ويكسب دعم الاخرين ويجعل قضيتنا قضية انسانية بحتة يتعاطف معها العالم ويستطيع الناس فهمها واحترامها.
حافظ الإيزيديون على وجودهم عبر قرون طويلة لانهم تمسكوا بانسانيتهم وسط القسوة وبالعقل وسط الفوضى لقد واجهوا محنا لا تحصى من الحروب والاضطهاد ومحاولات محو هويتهم لكنهم لم يفرطوا في قيمهم ولم يسمحوا للخوف والكراهية بأن تحطم نسيج مجتمعهم اليوم التحدي الحقيقي لا يقتصر على استعادة الأرض والحقوق بل يمتد إلى الحفاظ على القيم والمعنى والعمل على ترسيخ مبادئ العدالة والإنصاف والتعاطف مع الآخر أن نكون عادلين رغم الجراح عقلاء رغم الألم قادرين على بناء جسور الثقة بدل توسيع الهوة والانقسام وأن نحافظ على الروابط الانسانية والاجتماعية التي تشكلت عبر التاريخ والتي يمكن أن تكون الدرع الحقيقي أمام أي تهديد مستقبلي فالقوة الحقيقية لا تكمن في الانتقام بل في الصمود والحكمة في التعامل مع الاخرين وفي القدرة على تحويل الألم إلى درس وعبرة تعزز صمود المجتمع وتضمن استمراره.
إنه الامل والعمل معا والوعي والانصاف والالتزام بالقيم الإنسانية النبيلة ما سيحمي قضيتنا ويصون هويتنا ويضمن استمرارها عبر الاجيال القادمة الطريق قد يكون صعبا وملئًا بالتحديات والمحن لكنه الطريق الأاصدق والأكثر استقامة والأبقى والاكثر وفاءً لدماء الضحايا ولتضحيات من سبقونا ومن وقفوا معنا في اصعب الظروف هذا الطريق هو الذي يحفظ كرامتنا ويجعل قضيتنا حية في ذاكرة العالم ويحول الم الماضي إلى قوة وارادة لمستقبل أفضل ويدعو الجميع للعمل معًا بروح التضامن والحكمة لتحقيق العدالة والانصاف دون الانجرار إلى الكراهية أو الانتقام.



