كالعادة، حينما أشرع في الكتابة عن الديانة الإيزيدية، أتجنب الاعتماد على مصادر “الغرباء”؛ فنحن أبناء هذه الديانة أدرى بتفاصيل “الإيزيدياتي” من مؤرخي الأديان الأخرى. ومع تقديري لجهود مؤرخين كبار أمثال زهير كاظم، محمد عبد المحسن، الدملوجي، أحمد تيمور، وعبد الرزاق الحسني وغيرهم، إلا أن للإيزيدية خصوصية لا يدركها إلا من عاشها.
عقيدة الكتمان والسر المقدّس
أيها الإيزيدي، نحن جماعة دينية نعتبر “السرية” ركناً أساسياً في عقيدتنا. لقد أصرّ الآباء والأجداد وحكماء الدين على أن كشف الحقائق قد يعرض الديانة للإساءة، ويجر أبناءها إلى التهلكة. وما نُقل إلينا عبر الأجيال، ومن خلال “سبقات” علم الصدر المتواترة عن أولياء “لالش” الأولين، يؤكد أن طاووسي ملك ليس كائناً بشرياً، ولا ملاكاً من الملائكة السبعة المذكورين في الكتب الإبراهيمية.
استناداً إلى النصوص الدينية (السبقات)، فإن طاووسي ملك هو مسمى “صاحب الشمس”، وهو قدرة إلهية لا تُحدّ بوصف. أما “رب العالمين” في المفهوم الإيزيدي، فهو يتجلى في الوجود كله؛ الطبيعة بكل ما فيها من شمس وقمر ونجوم وبحار وجبال وشجر هي من صنع الخالق وتجلّياته، بينما يُعتبر الإنسان بعقله هو “كلام الله” الحي.
الشريعة الباطنية والتأويل
حسب تعاليم “شيخادي” المقدسة، فإن الأنبياء في الأديان الإبراهيمية أصحاب شريعة ظاهرية تكليفية، أما الإيزيدية فهي صاحبة فكرة وشريعة باطنية تأويلية. نحن نعتقد أن أول ما خُلق هو “العقل”، ومن بعده “النفس”، ثم تدرج الخلق في حدود الروحانية (الحد، السد، السابق، والتالي).
تزخر “سبقات” علم الصدر بالرموز والألغاز والصور التي لا يدرك كنهها إلا المطلعون على الأسرار والممارسون للباطنية؛ فالحروف والأرقام هنا تحمل دلالات تختلف تماماً عن معانيها المتداولة. أما الجانب الظاهري من الدين، فهدفه نشر المعرفة ومكارم الأخلاق، ليكون الحق والخير في متناول الجميع.
صراع الذات والحقيقة المخفية
لقد واجهتُ في حياتي تحدياً خطيراً؛ فعند تعمقي في علم الصدر، وجدتُ أسراراً دفينة حاولتُ مراراً كشفها لتعريف الأجيال بها، لكنني كنت أتراجع دائماً. إن الدخول في “حرم الذات الإلهية” أمر بالغ الخطورة، وأنا أقدّر موقف أسلافنا الذين كتموا هذه الأسرار لأكثر من ألف عام لحماية الوجود الإيزيدي من كوارث الإبادة.
أجد نفسي اليوم في صراع مرير مع الضمير: هل يحق لي كشف أسرار أراد لها الأقدمون أن تبقى مصونة؟ هل لي الحق في إعلان سرٍّ دفين لا ينبغي للعامة معرفته بل للخاصة فقط؟ أنا إنسان أصارع نفسي بين إجلال “الكتمان” وبين إلحاح المعرفة التي تدفعني لإشراك عامة الإيزيديين في حقيقتها.
مفهوم الوحدانية والاختلاف
ختاماً، إن وحدانية الله في المفهوم الإيزيدي تتجسد في الزهد وضبط النفس وصيانة “النظام الطبقي البشري” في الزواج واحترامه، والتشديد على محبة الأخوة البشرية.
بصريح العبارة، مفهومنا للخالق يختلف عن التصورات الموجودة في الكتب الإبراهيمية؛ فنحن لا نؤمن بالمعجزات المادية كما وردت فيها، كعصا موسى التي شقت البحر، أو تجسد الإله في المسيح، أو انشقاق القمر. إيماننا يقوم على جوهر مختلف تماماً، يتصل بالعقل والطبيعة والسر الكامن في الوجود.
طاووسي ملك: بين أسرار الباطن وظاهر المعرفة : سيروان سليم شرو
الاشتراك
0 Comments
الأقدم



