لم تكن الكلمة في تاريخ الهوية الأيزيدية أداة تعبير محايدة بل كانت دوماً ساحة صراع مفتوحة على الوعي .. الشرعية والسلطة ، فكل قراءة سياسية لتاريخ هذا الشعب تكشف أن المعركة على السردية لا تقل خطورة عن المعركة على الأرض ، لأن السردية هي التي تحدد كيفية فهم التاريخ .. تعريف الهوية ورسم حدود الشرعية وحين تخضع هذه السردية لمنطق المصالح السياسية والايديولوجية تتحول الكلمة من أداة معرفة إلى وسيلة هيمنة وينتج عن ذلك تاريخ مكتوب بوعي منحاز يخلق صوراً مشوهة ونمطيات مغلوطة لا تسيء إلى الشعب الأيزيدي فحسب بل تمتد لتطال ديانته .. هويته .. تاريخه .. ثقافته وجغرافيته ، وتعيد تقديمه خارج سياقه الحقيقي بما يخدم مشاريع الإقصاء ونزع الشرعية وتبرير تغييب أيزيدخان عن الوعي السياسي والتاريخي .
الكتابة الحرة في هذا السياق ليست فعلاً ثقافياً مجرداً بل فعل سياسي بامتياز ، لأنها تسعى إلى كشف الحقيقة وتصحيح الخلل في وعي الرأي العام وإعادة التوازن إلى فهم الواقع ، فالتاريخ يثبت أن الشعوب لا تهمش بسبب ضعفها الفكري أو الثقافي بقدر ما تهمش بسبب رفضها الاندماج القسري في مشاريع الهيمنة السياسية والدينية .
فالشعوب التي تمتلك وعياً مستقلاً وسردية ذاتية تشكل دائماً عائقاً أمام السلطات المركزية التي تسعى إلى توحيد الهوية بالقوة .. ومن هذا المنظور يمكن قراءة حالة الشعب الأيزيدي بوصفها نموذجاً واضحاً للتهميش المنهجي القائم على الاستهداف السياسي ، الثقافي ، الديني .
يعد الشعب الأيزيدي من أقدم شعوب ميزوبوتاميا المستمرة تاريخياً وترتبط هويته ارتباطاً عضوياً بديانة حية ضاربة في عمق التاريخ ، ديانة توحيدية سبقت الأديان الإبراهيمية في مفهوم التوحيد وتطورت ضمن سياق حضاري ميزوبوتامي يسبق نموذج الدولة الدينية المركزية .
هذا البعد التاريخي والعقائدي كان من الأسباب الرئيسية لاستهداف الأيزيديين عبر قرون لأنه يمثل نموذجاً لهوية دينية مستقلة غير خاضعة لمنظومات التبشير أو الإكراه العقائدي .
إن التعامل مع الديانة الأيزيدية بوصفها ظاهرة هامشية أو انشقاقاً دينياً ليس قراءة علمية بل قراءة سياسية موجهة تخدم مشاريع نزع الشرعية التاريخية عن الأيزيديين وتبرر إقصاءهم من السرديات الرسمية ، كما تسهم في تحويلهم من شعب أصيل إلى جماعة معزولة بلا عمق تاريخي وهو ما ينعكس مباشرة على حقوقهم السياسية والقانونية في الحاضر .
في السياق ذاته جرى تغييب جغرافية أيزيدخان عمداً من الخطاب السياسي والتدوين الرسمي ، لا بوصفه خطأً معرفياً ، بل كجزء من سياسة تفكيك الهوية ، فطمس الأسماء وتغيير الجغرافيا يمثلان أدوات كلاسيكية في إدارة الصراع على الأرض والذاكرة ، لأن الاعتراف بالجغرافيا يعني الاعتراف بالحق التاريخي .. وهو ما سعت قوى متعددة إلى تفاديه عبر إعادة تعريف المكان وتسويقه بهويات مفروضة .
هذا التزييف لم يمارس فقط من قبل سلطات معادية صريحة بل ساهم فيه أيضاً بعض المحسوبين على الأيزيديين ممن قدموا أنفسهم بوصفهم مثقفين أو باحثين واستخدموا اللغة الأكاديمية لتسويق قراءات مشوهة للديانة والهوية تتماهى مع سرديات السلطة وتخدم مصالح سياسية أو شخصية .. وهنا تكمن خطورة التزييف الداخلي لأنه يمنح الخطاب المهيمن غطاءً معرفياً ويضعف القدرة الجماعية على مقاومة النمطية المفروضة .
إن اختزال الهوية الأيزيدية في تعريفات وظيفية أو تفريغ الديانة من بعدها التاريخي أو التعامل مع أيزيدخان بوصفها مساحة وجدانية لا جغرافيا تاريخية ، هي ممارسات ذات أثر سياسي مباشر لأنها تعيد إنتاج علاقة التبعية وتشرعن الإقصاء وتضعف المطالب الحقوقية المشروعة .
من هنا تبرز مسؤولية النخب الفكرية والإعلامية الأيزيدية الحرة بوصفها فاعلاً سياسياً لا مجرد ناقل للمعلومة ، مسؤولية تقوم على إنتاج خطاب معرفي مستقل يعيد الاعتبار للتاريخ الأيزيدي ويفكك السرديات النمطية المفروضة ويؤسس لوعي جمعي قائم على الحق لا على التكيف القسري .
فالكلمة في هذا السياق ليست ترفاً ثقافياً بل أداة دفاع سياسي عن الوجود والهوية وشكلاً من أشكال المقاومة السلمية في مواجهة التزييف والإنكار ، والتاريخ يثبت أن السرديات التي تكتب بضمير معرفي حي هي وحدها القادرة على الصمود بينما تسقط الخطابات المصنوعة مهما طال عمرها .
إن استعادة الحقيقة الأيزيدية ليست شأناً ماضوياً بل شرطاً أساسياً لأي مشروع سياسي عادل في الحاضر والمستقبل ، لأن الشعوب التي تفقد سرديتها تفقد قدرتها على الدفاع عن حقوقها ، أما الشعوب التي تمتلك وعياً بتاريخها فتمتلك أدوات البقاء مهما تغيرت موازين القوة .



