رحل عن دنيانا يوم الاثنين المصادف 12 كانون الثاني 2026، فقير خدر بركات كسو، أحد كبار المراجع الدينية الايزيدية عن عمر ناهز 85 عاماً، كرّس جلّ حياته زاهداً وخادماً لديانته. بهذه المناسبة الحزينة ندعو لروحه الطاهرة الرحمة والسكينة الأبدية، ولأهله وذويه ومحبيه أعمق التعازي وبقية الحياة.
كان لي، وزملائي في مركز الايزيدية خارج الوطن ÊziA الشرف بدعوة رجل الدين الكبير (فقير خدر بركات كسو) إلى أول مؤتمر علمي عالمي ايزيدي ينظمه مركزنا أعلاه في مدينة هانوفر في كانون الثاني 2000، مع مراجع دينية أفاضل كل من المرحومين: (الأمير تحسين بك، سماحة البابا شيخ خرتو شيخ حاجي، فقير حجي بن فقير شمو، الشيخ حسين بريمو، القوال حاجي بكر) ومن الباقين على قيد الحياة (القوال حسين سلمان، والقوال حسين زيتو، والشيخ ممي من جورجيا)، أولئك الأفاضل الذين منحوا المؤتمر عمقاً وبعداً روحياً، وتأثيراً معنوياً على المجتمع الايزيدي في الداخل والمهجر، خاصة في ألمانيا.
يعد الراحل فقير خدر بركات كسو، من أحد أبرز المراجع الدينية، وعالم دين ايزيدي من الجيل القديم إلى جانب الراحلين: فقير حجي فقير شمو، قوال قوال، بير عبو الختاري، إلى جانب الفقير جندو. وينتمي الفقير خدر بركات إلى فقراء جبل شنكال/سنجار الذين يتوزعون على ثلاث أفخاذ، وهم: فقراء بيت حمو شرو، فقراء بيت جندو، وفقراء بيت زرو.
ولد الفقير خدر بركات عام 1931 في جبل شنكال الأشم، وكما رواه لي بنفسه، أنه أنهل علومه ومعارفه الدينية على يد والده الفقير بركات، وأعمامه الاثنين: الفقير حجي كسو، والفقير شمو كسو. وذكر لي في اللقاء الذي نظمنا له أنا والبروفيسور فيليب كراينبروك في القسم الإيراني بجامعة غيورغ- أوغست- غوتنغن في كانون الثاني عام 2000، أنه يحفظ عن ظهر قلب أكثر من (200) مائتين نص ديني بين (قول، بيت، قصيدة، أدعية، قصص). وقد تكرّم تزويدي بعدد من النصوص والقصص الدينية مع تفسيراتها. أذكر من تلك النصوص: (ق. علمى نادر= القول النادر- ق. سرا= قول الأسرار- ق. كاسا= قول الكؤوس- ق. ئيزيدو مه ده هي- ق. قه دىبلبان= قول قضيب البان- به يتا دنى= بيت الكون- به يتا نه سيحه تا= بيت النصائح- قصيدة بير سين البحري- قصيدة عبدالرحمن الجوزي- قصيدة اسمحوا جماعة الحاضرين- قصة/أو ما يشبه اسطورة نبو خذ نصر- قصة الشيخ صنعان) إضافة إلى نصوص أخرى.
كما أشرنا اليه في أعلاه، يأتي فقير خدر بركات في الصف الأمامي من علماء الدين الايزيدي، ومن بين أهم المراجع الدينية، كان يحمل في صدره وعقله كنزاً لا يقدر بثمن من النصوص والمعارف الدينية التي تبنى عليها أسس الهوية الايزيدية، إلى جانب ذلك كانت سيمائه تشع نوراً ومحبةً وهدوءً، وكأنه كاهن جالس على أبواب خلوة يحاكي عالمه الباطني. وكان يملك اسلوباً خطابياً هادئاً وشيقاً بالكاد أن تسمع صوته عندما يروي ويفسر لك النصوص والقصص الدينية.
أعيد وبكل فخر، كان لي الشرف أن أدعو هذا الرمز والمرجع الديني الكبير إلى مؤتمر مركزنا في مدينة هانوفر/ألمانيا عام 2000، وأتعرف عليه، وعلى المرجعين الكبيرين معه (فقير حجي والشيخ حسين بريمو من عفرين). وفخور جداً أن أتمكن حينها اللقاء به في مدينة غوتنغن، واجري معه حديثاً وأطرح عليه أسئلة عن خفايا الدين وتفسيرات بعض النصوص، فلم يبخل في الإجابة عن أسئلتي وتزويدي بالعديد من النصوص الدينية، علماً كان الفقيد فقير خدر يرفض فيما سبق أن ينقل معارفه الدينية على الورق، أو يسجلها على أشرطة، إلاّ أنه في لقائه هذا معي، كسر جدار الحظر، وسمح لي من تسجيل قسم ليس بالقليل من النصوص والقصص الدينية اللواتي وجدن طريقهم إلى النشر في ثنايا كتابي: Perin ji Edebê Dînê Êzidiyan = صفحات من الأدب الديني الايزيدي، والذي طبع ونشر لأول مرة على مجلدين الأول والثاني عام 2004 من دار سبيريز/دهوك، والطبعة الثانية من نفس الدار بمجلد واحد (1172 صفحة).
رحلت عنا وعن مجتمعك الايزيدي بابا فقير خدر بركات كسو، إلاّ أنك تركت ميراثاً وكنزاً ثميناً، تحافظ على استمرارية الهوية الايزيدية. وتركت ورائك إرثاً من المحبة والكلمة الطيبة، والأخلاق الفاضلة، وكنت انساناً زاهداً بكل معنى الكلمة. ألف رحمة على روحك الطيبة.
خليل جندي
Bovenden-Germany
14.01.2026

