الإثنين, فبراير 16, 2026
Homeمقالاتالحق بين سطوة الجهل وجرأة الوعي : خالد الياس رفو

الحق بين سطوة الجهل وجرأة الوعي : خالد الياس رفو

 

انطلاقاً من مقولة ( الثائر من أجل مجتمع جاهل كمن أشعل النار في جسده ليضيء الطريق لرجل أعمى) يمكن القول إن الثائر من أجل شعب يفتقر إلى الوعي ليس ظاهرة عاطفية بل حالة فكرية حقوقية تكشف عمق الخلل بين الفرد والدولة وبين الضمير العام وبنية السلطة .
حين يصبح الدفاع عن الحق مخاطرة وحين يتحول السعي نحو العدالة إلى عبء على صاحبه .

تتجلى هذه المعضلة في صورتها الأوضح في العراق حيث يدفع كل من يحاول ممارسة حقه في التعبير أو المساءلة ثمناً باهظاً في بيئة لا تزال تنظر إلى الوعي بوصفه تهديداً لا ضرورة .

في التجربة العراقية لم يكن النقص في التضحيات .. بل في الاعتراف بها فالدولة والمجتمع معاً فشلا في تحويل التضحيات إلى التزامات سياسية وقانونية واضحة فكم من مواطن حرم من حقه في الأمن أو الحياة أو الرأي بسبب مواقفه وكم من صاحب فكر أو رأي تعرض للتهميش أو الإقصاء أو التصفية لأنه تجاوز الخطوط غير المعلنة التي تفرضها ، المناطقية .. الطائفية .. الحزبية .. العشائرية والمصالح الضيقة ، في مثل هذا السياق يصبح الثائر خارج الحماية وتفقد الحقوق معناها العملي .

الأزمة في العراق ليست أزمة بصر بل أزمة بصيرة فالمشكلة لا تكمن في غياب الحقائق بل في غياب الإرادة للاعتراف بها ومع ذلك يستمر من يحمل الوعي في المطالبة بحقوق أساسية كحرية التعبير والكرامة والمساواة أمام القانون لا بدافع البطولة بل التزاماً بمبدأ أن الحقوق غير قابلة للتجزئة أو التأجيل غير أن المطالبة وحدها لا تكفي إذا لم تقترن بنظام يحميها ومجتمع يدافع عنها .

في حالة الأيزيديين تتخذ هذه المعضلة بعداً أكثر خطورة حيث لم يقتصر الانتهاك على الحقوق الفردية بل طال الوجود المجتمعي ذاته فجرائم ، الإبادة .. التهجير القسري .. الاستعباد الجنسي .. التجار بالبشر ، لم تكن فقط مأساة إنسانية بل خرقاً جسيماً للقانون الدولي وللالتزامات الدولة في حماية مواطنيها .

الشعب الأيزيدي وجد نفسه بعد الكارثة مطالباً بالثبات والدفاع عن ذاته بدلاً من أن يكون محمياً ومنصفاً وحين طالب بالعدالة .. قوبل بالتسويف وحين تمسك بحقه في الهوية والعودة والأمان .. واجه الإنكار أو التقليل من حجم الجريمة.

المدافع الأيزيدي عن حقوق شعبه لم يعامل بوصفه مطالباً بالحق بل كثيراً ما صنف كعنصر إزعاج للسرديات السياسية السائدة فصار استحضار الذاكرة عملاً مرفوضاً وتأجيل العدالة سياسة معلنة في حين أن العدالة المؤجلة تشكل انتهاكاً مستمراً لحقوق الضحايا وتقوي ثقافة الإفلات من العقاب. الطريق الذي يضيئه هذا الصوت الحقوقي لا يزال شبه مهجور لأن الاعتراف بالجريمة يستلزم تحمل المسؤولية وهو ما لم تنضج إرادته بعد .

الشعب الذي لا يوفر الحماية لأصواته النقدية ولا يضمن حقوق ضحاياه يفقد أسس الاستقرار الحقيقي فالدفاع عن الحقوق ليس تهديداً للنظام بل شرطاً لشرعيته غير أن استمرار الجهالة القانونية وتطبيع الخوف يجعل من التضحية الفردية بديلاً خطيراً عن المسؤولية المؤسسية .. وهنا تتجسد المعضلة العراقية حيث تتكرر الانتهاكات لأن أسبابها لم تعالج ولأن الوعي لم يتحول إلى سياسات ملزمة .

ومع ذلك يبقى الثائر سواء كان عراقياً أو أيزيدياً فاعلاً حقوقياً قبل أن يكون رمزاً أخلاقياً لأنه يتمسك بمبدأ أن الكرامة لا تمنح بل تصان وأن الحقوق لا تسقط بالتقادم وأن التاريخ في نهاية المطاف يسجل لصالح من طالب بالعدالة لا لمن أدار ظهره لها .

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

Most Popular

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x