في صيف عام (2014) لم يكن ما جرى على الإيزيديين حدثا عابرا في سجلّ العنف بالشرق الأوسط بل كان جريمة إبادة جماعية هزت الضمير الإنساني وكشفت هشاشة المنظومة الدولية حين تترك الأقليات وحدها في مواجهة الموت.
اجتاح تنظيم داعش مناطق الإيزيديين بوحشية غير مسبوقة وارتكبت أبشع الجرائم من قتل وسبي للنساء وتجنيد قسري للأطفال وتدمير ممنهج للوجود والذاكرة ولم تكن الجريمة موجهة ضد الإيزيديين وحدهم بل ضد مبدأ التنوّع والعيش المشترك وضد فكرة الإنسان الحر في هذا الشرق المنهك.
وفي قلب هذه المأساة يبرز سؤال لا يقلّ أهمية عن الأسئلة السياسية والعسكرية :
أين كانت أصوات رجال الدين المسلمين في الإقليم عام 2014 حين خرج التكفير من المنابر ليصبح رصاصًا وسكاكين عندما نزح أكثر من نصف مليون ايزيدي الى إقليم كردستان؟
وأين هي هذه الأصوات اليوم بعد كل ماكشف من فظائع وجرائم موثقة ؟
لماذا لم نشهد موقفا دينيا شجاعا يجرم فتاوى القتل والسبي وخطابات الكراهية بوصفها جريمة أخلاقية ودينية قبل أن تكون جريمة إنسانية؟
إن الصمت الذي رافق تلك اللحظة المفصلية لم يكن حيادا بل شكل غطاء معنويا سمح للإبادة أن تتم وللجريمة أن تستكمل فصولها دون رادع أخلاقي واضح.
واليوم وبعد سنوات من تلك الفاجعة تعود المخاوف من جديد مع ما يجري في سوريا ومع طرح مشاريع وتفاهمات سياسية برعاية دولية لا تزال غامضة المعالم .
هذه الرعاية إن لم تبن على أسس العدالة والتمثيل الحقيقي وحماية الحقوق قد تتحول من مظلة أمان إلى عامل هش يعيد إنتاج المأساة بشكل آخر وهنا يتجدد السؤال ذاته بصيغة أكثر إلحاحا : أليس الأجدر برجال الدين الاكراد الذين التزموا الصمت بالأمس أن يرفعوا صوتهم اليوم بوضوح ضد الجماعات المتطرفة وعلى رأسها عصابات الجولاني التي لا تقتل الإيزيديين فحسب بل تستهدف الكرد دفاعًا عن مشروع إقصائي يضرب القومية الكردية وحقها في الوجود والهوية ؟
ولكن للأسف العكس مانراه فمعظم خطابات الكراهية الدينية ضد الأقليات الدينية صدرت من افواههم منذ 2003 والى يومنا هذا .
إن أي مشروع سياسي في سوريا أو في عموم المنطقة مهما حمل من عناوين إنسانية لن يكون ناجحا ما لم يضع أمن المكوّنات الأصيلة في صلب أولوياته وما لم يرفق بموقف ديني وأخلاقي واضح يجرم القتل والتكفير دون مراوغه أو ازدواجية.
فالإيزيديون في كل بقاع العالم لا يطالبون بامتيازات بل بحقهم الطبيعي في الحياة والكرامة وبضمانات حقيقية تمنع تكرار الإبادة وتؤسس لمستقبل آمن لاجيال عانت ما لا يمكن محوه من الذاكرة.
مصير الإيزيديين اليوم هو قضية عدالة مؤجلة لا يجوز التعامل معها كملف ثانوي أو ورقة تفاوض .
والعدالة الحقيقية لا تعني مجرد اعتراف متأخر بالجريمة بل محاسبة الجناة وتجفيف منابع التكفير وإنصاف الضحايا وإعادة إعمار الإنسان قبل المكان.
أما الكرد في الشرق الأوسط عموما عليهم أن يدركوا بأنهم ما زالوا يواجهون المصير ذاته: بين مشاريع دولية متضاربة وصراعات إقليمية وخطابات دينية وحدود سياسية لا تعكس حقائق التاريخ ولا تطلعات الشعوب.
لقد آن الأوان لكسر دائرة الصمت فالحياد أمام الجرائم موقف منحاز للجريمة والتجاهل ليس سياسة بل شراكة غير معلنة في المأساة.
إن الدفاع عن الإيزيديين والكرد اليوم هو دفاع عن قيم العدالة الإنسانية جمعاء.
لن تتكرر إبادات الايزيديون ولن تتكرر إبادة الاكراد إذا وجد القرار ولن يترك الإيزيديون والكرد وحدهم إن كان للعالم ضمير حي فالتاريخ لا ينسى والشعوب لا تغفر لمن خذلها في لحظات الألم المصيري ….
الاشتراك
0 Comments
الأقدم





