Homeمقالاتقسد بين المشروع الوطني الضائع وصعود سلطة الأمر الواقع : حسين سينو

قسد بين المشروع الوطني الضائع وصعود سلطة الأمر الواقع : حسين سينو

شكّلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مرحلة من مراحل الصراع السوري حالةً مختلفة نسبيًا عن بقية القوى العسكرية التي نشأت في سياق الحرب، فقد قدّمت نفسها بوصفها إطارًا جامعًا لمكوّنات منطقة الجزيرة السورية، ضمّ الكرد والعرب والسريان والآشوريين، وطرحت نموذجًا إداريًا يقوم على الشراكة، والاعتراف بالتعدد، وبناء إدارة مدنية بعيدة عن منطق الإقصاء والطائفية، ومن هذا المنطلق، رأى كثيرون أن تمدّد هذا النموذج إلى بقية الجغرافيا السورية كان يمكن أن يفتح أفقًا لمشروع وطني مدني ديمقراطي، قائم على الانتماء إلى الوطن لا إلى العرق أو الدين أو الفصيل إلا أن هذا الاحتمال تلاشى مع التحولات السياسية والعسكرية الأخيرة، ولا سيما بعد استلام هيئة تحرير الشام السلطة في دمشق، في سياق تفاهمات إقليمية ودولية معقّدة، فهذه الهيئة، رغم محاولاتها إعادة تقديم نفسها بلباس “الواقعية السياسية”، ما تزال تحمل إرثًا ثقيلًا من العنف والتطرّف، إذ تضم في صفوفها جماعات وشخصيات ارتكبت جرائم جسيمة بحق الشعبين السوري والعراقي، ولا يزال العديد من قادتها أو كانوا حتى وقت قريب على قوائم الإرهاب الدولية إن رفع بعض الأسماء من تلك القوائم، سواء بفعل صفقات سياسية أو بدعم مالي إقليمي، لا يعني بالضرورة أن المجتمع الدولي بات يثق بهذه الجماعات أو يسلّم بتحوّلها الحقيقي، فالتجربة السورية أثبتت أن تغيير الخطاب لا يساوي تغيير الفكر، وأن التخلي عن بعض الشعارات لا يعني التخلي عن البنية العقائدية التكفيرية التي تقوم على إقصاء الآخر، وشرعنة النهب، واعتبار الممتلكات العامة والخاصة غنائم حرب، وما تنتشره وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من فيديوهات توثّق ممارسات هذه الفصائل بعد دخولها مناطق كانت خاضعة لسيطرة قسد، يعزّز هذا الشك ويعيد طرح الأسئلة نفسها حول طبيعة “السلطة الجديدة وفي هذا السياق، تبرز إشكالية أخطر تتعلّق بمفهوم الجيش والدولة،فما يُسمّى اليوم “الجيش” الخاضع لقيادة أحمد الشرع، يفتقر إلى أبسط مقومات الجيش الوطني: عقيدة عسكرية جامعة، تسلسل مهني واضح، ومهمة أساسية تتمثل في حماية المواطن والأرض، لا حماية الأشخاص أو الفصائل. فحين يُعيَّن أشخاص بلا أي خلفية أكاديمية أو مهنية عسكرية في مواقع قيادية عليا، وحين تُمنح رتب عسكرية رفيعة لمقاتلين أجانب لا تربطهم بسوريا سوى ساحة القتال، فإننا لا نكون أمام جيش دولة، بل أمام ميليشيا موسّعة بغطاء رسمي
إن أخطر ما في المشهد الراهن ليس فقط سقوط مشروع وطني كان يمكن تطويره، ولا صعود قوى ذات سجل دموي معروف، بل تكريس منطق استبدال استبداد بآخر، وتطرّف بواجهة سياسية جديدة، فالدولة لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا تُختصر في السيطرة على العاصمة، بل تقوم على عقد اجتماعي، ومؤسسات، وعدالة، وجيش وطني محترف يخضع للسلطة المدنية ويعمل لحماية جميع المواطنين دون تمييز من هنا، فإن مستقبل سوريا سيبقى معلّقًا ما دامت السلطة تُمنح لمن يملك السلاح لا لمن يملك مشروعًا وطنيًا جامعًا، وما دام مفهوم “الدولة” يُفرغ من مضمونه لصالح أشخاص وتنظيمات لم تتصالح بعد مع فكرة الوطن نفسه.

برلين، 26.01.2026

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular