الإثنين, فبراير 16, 2026
Homeاراءعيد خدر إلياس : سيروان سليم شرو

عيد خدر إلياس : سيروان سليم شرو

تجلي الحب، فيض البركة، وسر الباطن
​حسب تعاليم “شيخادي الهكاري” (قدس الله سره)، يؤمن
أبناء الديانة الئيزيدية بأن مقادير الخير والسعادة، وما يُظن أنه شر، إنما هي أحكام ربانية تصدر عن مشيئة الله المطلقة. وفي العمق الروحاني، يُنظر إلى “عدل الله” بوصفه الحقيقة التي تُبشر بسقوط الظلم وقيام الحق؛ فالله هو الملجأ في يوم الضيق، وهو الحاضن للأرواح التي تلوذ بفيضه الإلهي.

​في المفهوم العام والباطني للديانة الئيزيدية، يُعد “خدر إلياس” من كبار أولياء الله الصالحين، وقد خُلّد ذكره في السَّبقات الدينية (المرويات المقدسة) كرمزٍ للمعرفة اللدنية.

​ژ قەولێ خدر الیاس:
ئەز خدرێ زەندی مە
ژ ئەنزەلدا خودێ دایی مە
ئەز سورا یارێ بێری مە.

​وتقول الحكمة الباطنية على لسان الحق:

​پەدشا دبێژت:
ژ علمێ خۆ یێ باتنێ
من هندەک دا ڤێ دنێ
من هندەک دا خدر لیاس بتنێ.

​إن خدر وإلياس هما “الدراويش القلندرية” الطوافون في ملكوت الله، هائمون في عشقه، قلوبهم مرايا تعكس أنوار الحقيقة، وعِرفانهم بيانٌ لمن أراد الاستقامة في طريق الحق.

​في معبد “لالش” النوراني، يرتكز مقام “خدر إلياس” كمنارة يقصدها الئيزيديون للتبرك. ويُعد الشعب الإيزيدي المتفرد بصيام ثلاثة أيام تسبق العيد، في طقسٍ يجمع بين تزكية النفس والسمو الروحي. إن الديانة الإيزيدية، بوصفها ديناً إنسانياً عريقاً، ترتبط أعيادها بنبض الطبيعة وفصول السنة، حيث يلتقي الموت والحياة في وحدة كونية شاملة.
​تتعدد الروايات حول شخصية “خضر إلياس” عبر الأديان (اليهودية، المسيحية، الإسلام، الصابئة، الدروز، والكاكاية)، لكن الئيزيدية ينظرون إليهما بوصفهما من “الأپيار” والأولياء الخالدين في الأرض إلى يوم الدين.

​تقول الرواية الئيزيدية الباطنية إن “خدر وإلياس” أخوان من “أپيار طاووسي ملك”، يجتمعان في شهر شباط من كل عام في معبد لالش، ليغتسلا بماء “كاني سبي” (العين البيضاء) المقدسة، ويتبركا بماء زمزم وعين “جل ميران”. ثم يطوفان بين الناس، يوزعان البركة في الزرع والنسل، وتُعرف خطاهما بفيض الخير أينما حلا.
​وفي مأثور آخر، يُقال إنهما كانا راعيين من أبناء الملك (خوندكار) “پير بان الخورزي”، وبفضل “العلم الباطني” والكرامات الإلهية، نزلت البركة على مالهما، وحملا سر “كشكول نبي نوح”؛ فكان صيامهم تجسيداً للشكر، وحلاقة شعورهما لبعضهما رمزاً للتواضع والمحبة

​يتميز عيد “خدر إلياس” بقدسية خاصة؛ حيث يُحرم فيه ذبح الأضاحي، أو السفر، أو الصيد، تعبيراً عن السلام المطلق مع الطبيعة.

​القلاتك والبيخون: تقوم العائلات بتهيئة حبات القمح والشعير (القلاتك) وتحويلها إلى (بيخون)، وهو طعام مبارك يُخلط بالسكر أو الدبس.

​بركة الأرض: تُنثر ذرات “البيخون” في الحقول، في طقسٍ
يربط رزق الإنسان بقدسية الخالق.

​عيد الحب والبشارة: ليلة العيد هي ليلة “الرؤى الصادقة”، حيث يعتقد الشبان والشابات أن من يسقيهم الماء في منامهم هو شريك العمر المرتقب، مما يجعل العيد مناسبة للفرح، والأمل، والتعايش الإنساني.​..حيث يعد عيد (خدرلياس) أحد أقدس الأعياد في الديانة الإيزيدية، فهو ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو تجسيد حي لارتباط الإنسان الإيزيدي بالطبيعة والأرض، وامتداد لفلسفة إيمانية غائرة في القدم، تمجد الخصوبة والوفاء للأولياء الصالحين.

​يقع العيد في يوم الخميس الأول من شهر شباط (حسب لتقويم الشرقي)، يسبق العيد صيام مقدس لمدة ثلاثة أيام، وهو صيام تطوعي يعبر عن الزهد والامتنان للخالق، ويُعد فرضاً على كل من يحمل اسم (خدر) أو (الياس).
​في المنظور الروحي الإيزيدي، يُنظر إلى “خدر الياس” و “خدر نبي” كرموز للخلود والبركة. فمن شرب من “ماء الحياة” (ئاڤا هيوانى) لا يموت ذكره، بل يظل حاضراً في كل حقل يزهر وفي كل قلب يستغيث به في المحن.

​تتميز مراسيم هذا العيد بصبغة روحانية فريدة، حيث تمتزج فيها العبادة بالعادات الفلكلورية الأصيلة:

​يُحرم في أيام الصيام والعيد ذبح الأضاحي أو الصيد. هو موسم “الإخصاب” وتجدد الحياة، لذا يجب أن يسود السلام بين الإنسان.. يعمل (البيخون) من سبعة أنواع من الحبوب المحمصة، تيمناً بالملائكة السبعة. تُطحن هذه الحبوب وتُعجن بالدبس أو العسل لتشكل “حلاوة العيد”. وضع صحن من هذا الدقيق في مكان منعزل هو دعوة روحية لـ (خدرلياس) ليزور البيت ويترك بركته فيه.
والفتيات “القرص المالح” ويمتنعون عن شرب الماء، بانتظار رؤيا منامية يسقيهم فيها الولي (خدرلياس) الماء، ليكون ذلك إشارة إلى “النصيب” وتحقيق الأمنيات

​إن عظمة هذه الشخصية تتجاوز الحدود، فهي (الخضر) عند المسلمين، و(مار كوركيس) عند المسيحيين، و(إيليا) عند اليهود. هذا التعدد في الأسماء والوحدة في الجوهر تؤكد أن “خدرلياس” هو رمز كوني للحكمة الخالدة التي تجمع البشرية على قيم الخير.

​”خدرلياس سال خلاس”
مقولة إيزيدية خالدة تعلن نهاية الشتاء وبداية موسم النماء، حيث تكتسي الأرض بالخضرة التي استُمدت من طُهر الولي الصالح.

​نبارك لجميع الإخوة الإيزيديين بهذا العيد المبارك، سائلين الله أن يجعله عيد خير وسلام ووئام

​ختاماً، يبقى عيد “خدر إلياس” في الوجدان الإيزيدي رمزاً للإيمان المطلق والبركة الدائمة.
خودێ تمامى (والله أعلم).
.

 

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

Most Popular

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x