لا يمكن الحديث عن بعشيقة وبحزاني دون استحضار هيبة جبل مقلوب المقدس؛ فهاتان المدينتان اللتان تغفوان على سفوحه ليستا مجرد تجمع سكاني، بل هما “حارستا التراث الإيزيدي” ومنبعه الروحي. هنا، حيث يختلط تراب الأرض بقدسية التاريخ، نجد أنفسنا في حضرة “مدينة القوالين”، حفظة الأقوال والنصوص الدينية (السبقات) التي توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل.
تنفرد بعشيقة وبحزاني بكونهما المستودع الأمين لـ “برشبياك الشيخ آدي” (المنشور الروحي أو العهد)، حيث تُحفظ في صدور أبنائها أعمق أسرار الفلسفة الإيزيدية. وهي المدينة التي لا يغيب عن أزقتها صدى “الدف والشباب” (الناي)، الآلات المقدسة التي ترافق الطقوس الدينية، فترتقي بالأرواح في رحلة باطنية واسرار مخفية، تبدأ من سفوح الجبل لتصل إلى ملكوت الحق.
تاريخياً، ارتبط اسم المدينتين بـ إمارة داسن العريقة، (باشيك وبارزان) التي كانت تشكل كياناً جغرافياً وسياسياً قوياً للإيزيديين. وفي قلب هذا التاريخ، يبرز اسم القائد الروحاني والعسكري الفذ “ئيزدي ميرزا باشا”، الذي جسد بشخصيته صمود الإنسان الإيزيدي وقدرته على القيادة وحماية الهوية. إن ذكره في الموروث الغنائي والقصصي لبعشيقة وبحزاني ليس مجرد سرد لتاريخ، بل هو استذكار لزمن كانت فيه المدينة رقماً صعباً في موازين القوى.
ومما يزيد هذه الأرض تشريفاً وقيمة معنوية، وجود بيت الأمير شرفدين بن شيخسن المقدس في اراضيها.. الأمير شرفدين الذي يمثل رمزاً للخلاص والعدالة في الفكر الإيزيدي، ارتبطت سيرته بهذه المنطقة، مما جعل لبعشيقة وبحزاني مكانة “الدار المضيئة” التي يقصدها المريدون طلباً للبركة واستذكاراً لسيرة الأولياء لالش القديسين .
صوت الدف في بحزاني.. صدى لكل زمانِ”: إشارة إلى استمرارية الطقوس الروحية وقدمها.
إن بعشيقة وبحزاني ليستا مجرد مدينتين للزيتون والراشي، بل هما “أرشيف حي” للديانة الإيزيدية. بين جبل مقلوب المقدس وبيوت الأمراء والمشايخ، تُنسج قصة صمود دامت آلاف السنين، لتبقى صرخة “الدف والشباب” تنادي بالسلام والمحبة من قلب إمارة داسن القديمة إلى عراق اليوم.
في الذاكرة الروحية للإيزيديين، تحتل بعشيقة وبحزاني مكانة مقدسة وفريدة. فهي ليست مجرد امتداد للسهول الداسنيين، بل هي المدينة التي استقبلت عبق القداسة حين وطئتها قدما المقدس الشيخ آدي (شيخادي) عند خروجه من الموصل. كانت بحزاني أول قرية إيزيدية يزورها الشيخ آدي، حيث استقبله بفيض من الإيمان والمودة كل من بير كمال وحسن فردوس
هذا اللقاء التاريخي منح المدينة هالة من الروحانية، إذ تزدان اليوم بقبابها البيضاء المخروطية التي تشق عنان السماء، مثل مزارات الشيخ مهمد (محمد)، وملك ميران، والشيخ شمس، وناسردين، وسجادين، وهم الأركان الذين ثبتوا دعائم الإيمان في قلوب الساكنين.
تتعدد الروايات حول أصل اسم المدينة، لكنها جميعاً تصب في نهر الحضارة السومرية والاشورية والسريانية. فالبادئة “با” تعني “البيت” أو “المكان”.
فمنهم من يراها “بيث شحيقي” أي بيت المسحوقين أو المنكوبين، وكأنها كانت الملاذ الآمن لكل من جار عليه الزمن.
ومنهم من يراها “بيث عشيقا” أي “بيت العشاق”، وهو اسم يليق بجمال بساتينها وعذوبة هوائها.
أما جغرافياً، فيراها البعض “با شيقا” أي المدينة التي تقع عند “شق” أو فتحة الجبل، حيث تنبثق عيون الماء لتروي الأرض الظمأى.
وقد خلدها ياقوت الحموي في “معجم البلدان” بوصفها مدينة ذات بساتين زيتون ونارنج، يشقها نهر جارٍ وتزينها
ارتبط اسم المدينة بـ “شجرة المباركة” (الزيتون). فبساتينها ليست مجرد مورد اقتصادي، بل هي هوية بصرية. اشتهرت بعشيقة بصناعة أجود أنواع زيت الزيتون، وصابون الغار، والمخللات الشهيرة. ولا يكتمل الحديث عن اقتصادها دون ذكر “راشي بعشيقة” (الطحينة) الذي يتربع على عرش الموائد العراقية كالأفضل دون منازع، إضافة إلى معاصر السمسم والمشروبات الروحية المحلية التي تُصنع في بيوتها
لم تسلم هذه المدينة الوادعة من براثن “داعش” في عام 2014، حيث شهدت كوارث إنسانية من قتل وسبي وتدمير للمقدسات
لا تتوقف عظمة المدينة عند حاضرها، بل تمتد لآلاف السنين تحت الأرض. تضم المنطقة تلالاً أثرية مثل “تل بلا” (مدينة شيبانييا القديمة) و”سي دري” (الأبواب الثلاثة)، وآثاراً تعود للعصر الآشوري مثل مدينة “مك نبو” التي سبقت خورساباد. إنها أرض تختزن في طياتها أكثر من 7000 سنة من الحضارة البشرية.
تحت ظلال جبل “مقلوب” وفي حضن السهل الفسيح الممتد نحو دجلة، تربض مدينة بعشيقة كأنها حارسة للتاريخ.
لا ينفصل اسم بعشيقة عن عراقة أصولها؛ ففي الموروث الآرامي والسرياني، تعددت التفسيرات لاسمها، فبينما يرى المؤرخ “عبد الرزاق الحسني” أنها تعني “بيت المسحوقين” أو المنكوبين (بيث شحيقي)، يذهب باحثون آخرون إلى تسمية أكثر شاعرية وهي “بيت العشاق”، تيمناً بجمال طبيعتها وبساتينها.
تاريخياً، ذكرها ياقوت الحموي في القرن الثالث عشر بوصفها مدينة غناء بالزيتون والنارنج، تشقها الأنهار وتزدهر بأسواقها وقيسارياتها. إلا أن الآثار تخبرنا بما هو أبعد؛ فالمنطقة المحيطة بها تضم تلالاً أثرية يعود تاريخها إلى 7000 سنة قبل الميلاد، حيث تختبئ تحت ثراها مدن آشورية قديمة مثل “شيبانييا”، وتقف بالقرب منها أطلال “خورساباد” عاصمة الملك سرجون الآشوري.
ما يميز بعشيقة ليس فقط جغرافيتها، بل نسيجها البشري الفريد؛ إذ تضم ست ثقافات فرعية تشمل الإيزيديين (الأغلبية)، والمسيحيين، والشبك، والمسلمين من عرب وكرد وتركمان. هذا الانصهار أنتج “لهجة بعشيقية” خاصة، هي مزيج عبقري يجمع العربية والكردية والسريانية والتركمانية، في تناغم يعكس روح التعايش التي ميزت المدينة عبر تاريخ
رغم الوادعة التي تعيشها، لم تسلم المدينة من أهوال إرهاب “داعش” عام 2014، الذي حاول تمزيق نسيجها وتهجير أهلها وتدمير معابدها وكنائسها. لكن بعشيقة أثبتت أن جذورها أعمق من المعاول؛ فكانت من أسرع المدن المحررة التي عاد إليها سكانها، ليعيدوا بناء القباب البيضاء المخروطية والمآذن والكنائس، معلنين انتصار الحياة والتعايش على الكراهية.
. سيروان سليم شرو



