يُعد محمد باشا الجليلي (المعروف بـ “بك الأفندي”) أحد أقوى حكام الموصل في العهد العثماني واخطر قائد ووالي مر في تاريخ إبادة الإيزيديين. ينتمي إلى “الأسرة الجليلية” التي حكمت الموصل لأكثر من قرن، واتسم عهده بالرغبة في بسط السلطة المركزية وإخضاع المناطق الجبلية التي كانت تتمتع باستقلالية ذاتية، وعلى رأسها منطقة شنكال والشيخان.وقسم من أراضي إمارة بهدينان
في فترة ولاية محمد باشا الجليلي على الموصل، كان يحكم بغداد الوالي القوي سليمان باشا الكبير (1780-1802م)، وبعده علي باشا (1802-1807م).
رغم التنافس، كان الطرفان يتحالفان عسكرياً عند الشعور بخطر “التمرد” أو الرغبة في شن حملات كبرى (فرمانات) ضد الإيزيديين، حيث كان والي بغداد يمد محمد باشا الجليلي أحياناً بالمدفعية والجنود النظاميين.
اعتمد محمد باشا الجليلي في حروبه اوحملاته على أبناء الديانة الإيزيدية على العشائر العربية وخاصة على
عشيرة شمر (الجربا): كان للشيخ فارس الجربا دور محوري، حيث كان يحرض الولاة ضد الإيزيديين لضمان سيطرة قبيلة شمر على مناطق الجزيرة العليا (جنوب جبل شنكال). طبعا مع قبائل العبيد وطي وبو حمدان: كانت هذه العشائر تشكل “القوات غير النظامية” (الخيالة) في جيش الباشا، حيث كانت تشارك في الغزوات طمعاً في الغنائم والسبايا الايزيديات مع التوسيع مناطق نفوذها الرعوي.
عشيرة العبيد: برز دورها في حملة عام 1798م عندما هاجمت قرى الشيخان بطلب من الباشا محمد جليلي
كانت حملات محمد باشا الجليلي، التي يُطلق عليها الإيزيديون “فرمانات”، تهدف إلى كسر شوكة المقاومة الإيزيدية وتغيير معتقداتهم قسراً في بعض الأحيان. ومن هذه الحملات نختار البعض منها
1. حصار شنكال المرير (1792 – 1794م)
شن الباشا ثلاث حملات متتالية. في البداية، فشل بسبب وعورة الجبال وصمود المقاتلين الإيزيديين في الكهوف. لكن في عام 1794م، قاد حملة انتقامية دموية استخدم فيها المدافع الثقيلة التي حصل عليها من بغداد، مما أدى لقتل المئات، وقام بإرسال رؤوس القتلى إلى بغداد كدليل على “النصر”.
2. حملة الشيخان (1798م)
لم يكتفِ بشنكال، بل هاجم إمارة الشيخان الإيزيدية. تحالف في هذه الحملة مع عبد العزيز بك الشاوي (من أعيان بغداد) وبدعم من خيالة قبائل طي والعبيد. أدت الحملة إلى تهجير “مير حسن بك” (أمير الشيخان آنذاك) وسبي الكثير من النساء والأطفال من قرى الشيخان وخاصة من باعدرا ومن ضمنهم نساء وبنات من بيت الإمارة. وتوثق المصادر الإيزيدية أن 45 رأساً من رجالهم أُرسلت إلى بغداد في مشهد مأساوي.
3. حملة وباء الطاعون (1800 – 1801م)
استغل الباشا ضعف المنطقة نتيجة انتشار وباء الطاعون ليشن هجوماً جديداً على شنكال، مدمراً القرى التي كانت تعاني أصلاً من المرض والجوع، مما جعل هذه الحملة واحدة من أقسى الفرمانات في ذاكرة الشعب الإيزيدي
يرى المؤرخون الموصليون محمد باشا الجليلي كقائد حافظ على أمن المدينة وسورها، بينما تسجله الذاكرة الإيزيدية كقائد لفرمانات إبادة استخدم التحالفات القبلية والدينية لتبرير العنف المفرط ضد سكان القرى الأيزيدية
بعد وفاة محمد باشا الجليلي عام 1806م، لم يتغير النهج العام تجاه الإيزيديين كثيراً، بل استمر خلفاؤه من آل الجليلي في سياسة “الفرمانات” والإخضاع، لكن القوة العسكرية لأسرة الجليلي بدأت تضعف تدريجياً أمام صعود قوى أخرى، مما جعل التعامل يأخذ أشكالاً مختلفة.
تولى الحكم بعده عدد من أقاربه، وأبرزهم نعمان باشا الجليلي وأحمد باشا الجليلي. ساروا على خطى محمد باشا في شن الحملات على أبناء الديانة الأيزيدية وحتى على بعض العشائر الكوردية المعارضة للحكم والمعارض لسياسة أمراء إمارة بهدينان
نعمان باشا الجليلي (1807-1808م): شن حملات عنيفة على شنكال والشيخان . ومن بعده قادة
أحمد باشا الجليلي (1819م) فرمانًا جديدًا على جبل شنكال بهدف السلب والنهب، مما يؤكد أن السياسة الجليلية كانت تعتبر الإيزيديين مصدراً للغنائم الحربية والضرائب القسرية.
في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وبعد ضعف الجليليين، ظهر خطر جديد وأشد فتكاً بالإيزيديين، وهو أمير راوندوز الملقب بـ “ميري كور” (الأمير الأعور).قام بشن حملات إبادة شاملة في منطقة الشيخان وشنكال عام 1832م.تميزت حملاته بالتعصب الديني الشديد، حيث خير الإيزيديين بين الإسلام أو القتل، وارتكب مجازر كبرى في “كلي علي بك”
في عام 1835م، أرسلت الدولة العثمانية محمد باشا إينجة بيرقدار للقضاء على نفوذ الأمراء المحليين (بمن فيهم الجليليون).إينجة بيرقدار لم يكن أفضل حالاً تجاه الإيزيديين؛ بل شن فرمانات وحشية على أبناء الديانة الئيزيدية
بعد سقوط حكم أسرة الجليلي نهائياً عام 1848م، بدأت مرحلة “الإدارة المركزية المباشرة” من إسطنبول.
تحسن الوضع “نظرياً” بسبب إصدار قوانين المساواة، لكن على أرض الواقع استمرت محاولات التجنيد الإجباري (السفربرلك) وفرض الضرائب، مما أدى لفرمانات أخرى مثل فرمان الفريق عمر وهبي باشا عام 1892م. .
. بقلم سيروان سليم شرو



