هذه ليست سلسلة مقالات للجدل ولا لتسجيل موقف ولا لمناكفة طرف كردي أو غير كردي. هذه محاولة أخيرة للكلام بعقل بارد في لحظة ساخنة جدًا. ما سأكتبه هنا ليس ما يريد الناس سماعه بل ما يجب قوله. لا أدّعي امتلاك الحقيقة ولا أبحث عن شعبية ولا أمثل حزبًا ولا جهة. أكتب لأن الصمت في هذه المرحلة نوع من المشاركة في الوهم. هذه السلسلة موجهة أولًا للكرد، ثم لكل من يحيط بنا، لأن ما نعيشه اليوم لم يعد شأنًا داخليًا يمكن عزله عن الإقليم. من لا يحتمل النقد لا يكمل القراءة. ومن يبحث عن خطاب تعبوي أو عاطفي سيشعر بالانزعاج. الهدف ليس التخويف بل الإفاقة، وليس الهدم بل منع الانهيار القادم إن كان ما زال ممكنًا منعه.
المقالة الأولى
ما جرى ليس انهيارًا عسكريًا ولا هزيمة مفاجئة كما يُروّج له. ما جرى هو نتيجة منطقية لمسار طويل من الأخطاء السياسية المغلّفة بالشعارات. من يختصر ما حدث بالخيانة أو بالمؤامرة وحدها يريح نفسه من التفكير، لكنه لا يفسر شيئًا. القوى لا تسقط فجأة، بل تفرغ من الداخل ثم يأتي الدفع الأخير.
نحن كشعب تعوّدنا أن نخلط بين عدالة القضية وصحة الإدارة. نعتقد أن المظلومية تمنح حصانة وأن التاريخ يقف تلقائيًا معنا. هذا التفكير خطير لأنه يعفينا من المحاسبة. السياسة لا تعمل بهذه الطريقة. السياسة تعاقب الغبي قبل الظالم أحيانًا.
حين تُبنى القرارات على أيديولوجيا جامدة لا تتغير مع الواقع، تتحول القيادة إلى جماعة تكرر نفسها بينما العالم من حولها يتبدل. الخطاب الذي لا يفهمه الجار لا يحميك من الجار. واللغة التي لا تُطمئن المحيط تُستخدم لاحقًا ذريعة لضربك.
الانسحابات التي جرت، والصمت الذي رافقها، وغياب المعارك الكبيرة، كلها إشارات على أن القرار لم يكن عسكريًا في الأساس. من لا يريد أن يرى هذا سيبقى يسأل عن السلاح الثقيل وعن الصواريخ التي لم تُطلق، بينما السؤال الحقيقي هو لماذا لم يعد استخدام القوة خيارًا سياسيًا أصلًا.
أخطر ما نفعله اليوم أننا نكرر نفس الخطاب وكأن شيئًا لم يتغير، ونطلب من الناس الصمود بينما لا نملك رؤية واضحة لما بعد الصمود. الصمود بلا أفق يتحول إلى استنزاف، والاستنزاف يتحول إلى كسر بطيء.
هذه المقالة ليست نهاية الكلام بل بدايته. ما سيأتي أصعب وأوضح، ومن لا يريد سماعه الآن سيسمعه لاحقًا من واقع أقسى.
روجافا على حافة الصدمة: من انهيار قسد إلى المخاطر القادمة : عبدالجبار رشيد
الاشتراك
0 Comments
الأقدم



