مقدمة
على مدى العقود الأخيرة، طُرح مفهوم “اللوبي الإيزيدي” كحلمٍ قادر على نقل قضية الإيزيديين إلى الفضاء الدولي والدفاع عن حقوقهم وهويتهم. غير أنّ الواقع يكشف فجوةً واضحة بين الفكرة والتطبيق. فبدلاً من تشكّل قوة ضغط فاعلة، بقي المشروع في حدود التمنّي، محاطاً بعوائق داخلية وخارجية، وبصراعات أضعفت قدرته على التأثير. إنّ فهم هذه الإشكالية يتطلب قراءة نقدية هادئة، بعيدة عن الاتهام، وقريبة من تشخيص الواقع.
وهنا استثني تجربة السيدة ” نادية مراد” إذ لولا ودجود إرادة دولية حقيقية التي دعمت قضيتها، لما تمكن الايزيديون، رغم جمعياتهم وكل جهودهم، من إيصال صوتها إلى المستوى الدولي الذي وصلت إليه، والذي توج بحصولها على جائرة نوبل للسلام.
أولاً: اللوبي الإيزيدي بين الطموح والواقع
لا يمكن إنكار أنّ الحراك الثقافي والاجتماعي الإيزيدي، في الداخل والخارج، لم ينجح في تسويق قضيته بالشكل المطلوب. فقد تراجع تأثيره، وتحوّل في بعض الحالات إلى ساحة تنافس وصراع، بدل أن يكون إطاراً جامعاً.
ومن أبرز مظاهر هذا الإخفاق:
• غياب الرؤية المشتركة.
• ضعف التنسيق بين الجمعيات والبيوتات والمراكز الموجودة والتي في اغلبها شكلية.
• ارتهان العديد منها الى اجندات سياسية خارجية.
• تشتت الجهود وانشغال كل مجموعة بذاتها.
ورغم الخسارات، ما زالت بعض الجهات تحاول فرض نفسها ممثلاً للمجتمع، دون امتلاك مشروع حقيقي، الأمر الذي أدى إلى تراجع الثقة، وإلى شعور عام بأن “اللوبي الإيزيدي” بقي فكرة وليس واقعاً او حلم يجب تحقيقه.
ثانياً: لماذا فشل مشروع اللوبي الإيزيدي في أوروبا؟
محاولات تأسيس لوبي إيزيدي في أوروبا لم تتوقف، لكنها لم تنجح في التحول إلى قوة مؤثرة، ويمكن تلخيص أسباب ذلك في النقاط التالية:
1. مصادرة القرار، معظم الجمعيات والبيوتات الإيزيدية في أوروبا لم تكن مستقلة، بل خضعت لتأثيرات سياسية، ما أفقدها القدرة على تمثيل المجتمع بحرية.
2. ضعف الكفاءة القيادية، عدد كبير من القائمين على هذه المؤسسات لا يمتلكون الخبرة الثقافية والاجتماعية والتنظيمية اللازمة.
3. ظاهرة الأنا والانقسام، النزعة الفردية والصراعات الشخصية أضعفت العمل الجماعي.
4. عائق اللغة والتواصل، ضعف إتقان لغات البلدان المضيفة حدّ من القدرة على التأثير السياسي والإعلامي.
5. تغييب المرجعية الدينية الجامعة، غياب دور المجلس الروحاني الأعلى، وعلى رأسه البابا شيخ والأمير تحسين بك، و”رجال الدين” خلق فراغاً رمزياً ومعنوياً أثّر على وحدة المجتمع.
ثالثاً: هجرة الإيزيديين إلى أوروبا — الأسباب والتداعيات
الهجرة الإيزيدية لم تكن خياراً سهلاً، بل نتيجة جملة من العوامل:
الأسباب
• دينية: الشعور بعدم الأمان والاضطهاد.
• اجتماعية: القيود والعادات والتقاليد والانقسام المجتمعي.
• اقتصادية: الفقر وغياب فرص العمل.
• سياسية: الحروب والصراعات وعدم الاستقرار.
التداعيات
• تفكك جزئي في البنية الاجتماعية.
• صراع بين الحفاظ على الهوية ومتطلبات الاندماج.
• بروز مشكلات اجتماعية وثقافية داخل الجاليات.
• تحديات في نقل التراث واللغة للأجيال الجديدة.
رابعاً: دور الجمعيات والبيوتات الإيزيدية
رغم وجود عدد كبير من الجمعيات، إلا أنّ تأثيرها بقي محدوداً بسبب:
• غياب العمل المؤسسي الحقيقي.
• ضعف التخطيط الاستراتيجي.
• التركيز على النشاطات الشكلية بدل المشاريع طويلة الأمد.
• الانقسام والتنافس بدل التكامل.
ومع ذلك، تبقى هذه المؤسسات قاعدة يمكن البناء عليها إذا توفرت الإرادة والإصلاح.
خامساً: بين الإخفاق والمراجعة — قراءة مختصرة في التجربة التنظيمية
إنّ تعثّر التجارب التنظيمية الإيزيدية لم يكن نتيجة عامل واحد، بل تراكمات داخلية وخارجية، منها:
• غياب المرجعية الجامعة.
• ضعف الخطاب الديني وتعدد التفاسير.
• تأثير البنية العشائرية على العمل المؤسسي.
• الظواهر الاجتماعية المعيقة للتطور.
• الارتهان السياسي وفقدان الاستقلالية.
• نقص الكوادر المؤهلة.
• ضعف القاعدة الاقتصادية.
غير أنّ النقد الذاتي لا يعني جلد الذات، بل هو خطوة أولى نحو الإصلاح.
سادساً: الحلول الممكنة وآفاق المستقبل
لكي يتحول “اللوبي الإيزيدي” من فكرة إلى واقع، لا بد من:
• العمل الجاد على استقلالية القرار الإيزيدي.
• تطوير الكادر الثقافي والسياسي.
• تعزيز التعليم والبحث العلمي.
• توثيق التراث وحماية الهوية.
• إصلاح الخطاب الديني بروح معرفية.
• تجاوز الانقسامات والعمل بروح جماعية.
• تمكين الجاليات في أوروبا لغوياً ومؤسساتيا.
• بناء قاعدة اقتصادية تدعم الاستقرار والعمل المؤسساتي.
إنّ الحديث عن لوبي إيزيدي قوي لا يزال ممكناً، لكنه مشروط بوعي جديد يقوم على المراجعة، والاستقلالية، والعمل الجماعي. فالمجتمعات لا تنهض بالشعارات، بل ببناء الإنسان والمؤسسة والفكرة. وما بين الحقيقة والخيال، يبقى المستقبل مفتوحاً أمام من يملك الشجاعة لإعادة البناء.
كلمة أخيرة
لم يكن الإخفاق قدراً، بل تجربة. والمجتمع الذي يملك الجرأة على مراجعة ذاته، قادر على النهوض من جديد. فاللوبي الحقيقي لا يُصنع بالإعلام، بل بالوعي، والمعرفة، ووحدة الهدف.



