الذاكرة الحضارية المشتركة بين الكرد والإغريق: من الإسكندر المقدوني إلى شريف باشا : عبدالعزيز قاسم

قبل وصول الشعوب التركية إلى الأناضول في القرن الحادي عشر الميلادي، ولا سيما قبل التحولات التي أعقبت معركة ملاذكرد، كانت هضبة الأناضول وكردستان وتحديدا شمال مابين الرافدين فضاءً حضاريا مفتوحا تعايشت فيه شعوب عديدة، من بينها أسلاف الكرد كالحوريين والحثيين من جهة، والأرمن والإغريق وغيرهم من شعوب المنطقة القديمة من جهة أخرى. وقد أدى هذا التعايش الطويل إلى نشوء شبكة واسعة من التأثيرات الثقافية والدينية المتبادلة، انعكست في الأساطير والمفاهيم الدينية والرموز الحضارية المشتركة، ومن أبرزها أسطورة بروميثيوس اليونانية وأسطورتي كوردومتيوس وكاوا الحداد الكرديتين.
وكانت حدود كردستان الطبيعية تتصل بالمجال اليوناني الطبيعي، وهو ما أشار إليه أكثر من مسؤول يوناني في حديثه عن الروابط التاريخية والثقافية بين الشعبين. وقد أفضى هذا التداخل الجغرافي والتواصل الحضاري إلى نشوء إرث ثقافي مشترك استمر تأثيره عبر قرون طويلة.
وتشير دراسات تاريخ الأديان المقارن إلى أن شعوب غرب كردستان والأناضول واليونان عرفت أنظمة دينية متعددة الآلهة قبل ظهور الديانات التوحيدية. كما أن بعض التقاليد الدينية الكردية القديمة، ومنها التقاليد الميترائية والدين الحوري، حافظت على مفاهيم تتعلق بقدسية النور والنار والقوى الكونية، وهي مفاهيم نجد ما يقابلها وإن بصيغ مختلفة، في الميثولوجيا اليونانية القديمة. ويعكس هذا التشابه وجود إرث ثقافي مشترك بين شعوب المنطقة أكثر مما يعكس وحدة دينية كاملة أو أصلًا أسطوريا واحدا.
وربما لهذا السبب أو لأسباب تتعلق بالتاريخ المشترك، لم تبد سكان المناطق الكردية، بحسب بعض الروايات التاريخية، مقاومة كبيرة عند مرور جيش الإسكندر المقدوني في طريقه للقضاء على الإمبراطورية الأخمينية، بل تشير بعض المصادر إلى وجود أشكال من التعاون بين اسكندر المكدوني والقائد الميدي اتروبات في هذا المجال، إذ أعلن الاسكندر المكدوني اتروبات حاكما على ميديا بعد هزيمة الفرس، إلا أن العلاقات أيضا لم تخل من التوتر لاحقا، إذ تذكر بعض الروايات القديمة وقوع مناوشات بين مرتزقة يونانيين كانوا يعملون تحت إمرة ملوك الفرس وبعض المجموعات الكردية في منطقة زاخو وما جاورها، كما أشار إلى ذلك المؤرخ اليوناني زينفون.
ولا يشترك الكرد والإغريق في الجغرافيا فحسب، بل في جانب من الذاكرة الميثولوجية أيضا. ومن أبرز الرموز المشتركة في هذا الإرث الحضاري رمز النار. ففي الأسطورة اليونانية يحتل بروميثيوس مكانة استثنائية بوصفه البطل الذي سرق النار المقدسة من الإله زيوس ومنحها للبشر وتمثل النار في هذه الرواية المعرفة والحضارة والعقل الإنساني؛ فهي الشرارة التي نقلت الإنسان من حالة البدائية إلى عالم الثقافة والفنون والعلوم. ولهذا تعرض بروميثيوس لعقاب قاس بسبب تحديه إرادة الآلهة ومنحه البشر سر التقدم والتمدن.
أما في بعض الروايات والأساطير المتداولة في التراث الشعبي الكردي، فتظهر صورة مختلفة لشخصية بروميثيوس، الذي يشار إليه أحيانا باسم «برامتيوس». وتروي بعض الحكايات أنه كان مقربا من زيوس أو خادما لإرادته، وأن زيوس طلب منه خلق امرأة جميلة تدعى «برادورا» لإشعال صراع كردي – كردي. ويستحضر هذا التصور الأسطوري فكرة الانقسام والتفكك الداخلي، وهو ما يذكر بما ينسب إلى الفيلسوف اليوناني أرسطو من نصيحة للإسكندر المقدوني باتباع سياسة «فرّق تسد» تجاه شعوب شرق الأناضول والإبقاء عليها في كيانات وإمارات صغيرة ومتفرقة لتسهيل التحكم بها. ومع ذلك، كان الإسكندر المقدوني يميل، بحسب بعض الروايات، إلى دمج الثقافات بين شعوب شرق الأناضول وغربها، وشهدت كردستان في العهد السلوقي مزيدا من الحريات والتمتع بحكم محلي واسع النطاق.
بينما في الميثولوجيا الكردية؛ تحولت النار في الذاكرة الكردية إلى رمز للهوية الجماعية والصمود والانبعاث والحرية، وهو ما يتجلى بصورة واضحة في أسطورة البطل الكردي كاوا الحداد. وتروي الأسطورة أن الملك الظالم ضحاك (بيوراسب) فرض حكما قائما على القتل والاستبداد، حتى نهض كاوا، وهو حداد من عامة الناس، وقاد ثورة ضد الطغيان. وبعد انتصاره أشعل النيران على قمم الجبال إعلانا لسقوط عهد الظلم وبداية عهد جديد من الحرية والكرامة.
ومنذ ذلك الحين اكتسبت النار مكانة رمزية عميقة في الثقافة الكردية، وأصبحت جزءا أساسيا من احتفالات نوروز، حيث توقد النيران على قمم الجبال والتلال وفي الساحات العامة، ويجتمع الناس حولها احتفاءً بقدوم الربيع وتجدد الحياة وانتصار النور على الظلام والحرية على الاستبداد. ولذلك لا تمثل النار في المخيال الكردي عنصرا ماديا فحسب، بل تجسد الذاكرة التاريخية والهوية الجماعية والاستمرارية الحضارية.
وربما انطلاقا من هذه الزاوية التاريخية وكذلك قراءة الواقع السياسي الذي أعقب الحرب العالمية الأولى، سعى السياسي والدبلوماسي الكردي الجنرال شريف باشا إلى بناء شبكة من العلاقات مع الوفود المشاركة في مؤتمر باريس للسلام عام 1919، ومنها الوفد اليوناني برئاسة إلفثيريوس فينيزيلوس. وقد مثل شريف باشا الشعب الكردي في المؤتمر، وعمل على كسب التأييد الدولي لحق الأكراد في تقرير مصيرهم، من خلال التواصل مع ممثلي الدول الكبرى والوفود القومية المشاركة. وتعد هذه التحركات من أوائل المحاولات الدبلوماسية المنظمة لإيصال القضية الكردية إلى المحافل الدولية، وفتح قنوات للتنسيق والحوار مع القوى الإقليمية والدولية التي كانت معنية بإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بعد انهيار الدولة العثمانية.
بعد جهود شريف باشا، ثم مساعي الأمير كاميران بدرخان لإقامة علاقات دبلوماسية مع عدد من الدول الأوروبية، لا تتوافر أدلة تثبت أن سياسيا كرديا آخر سعى في فتح قنوات اتصال رسمية مع اليونان.
ومن الشهادات التي سمعتها في هذا الشأن، ما رواه لي أحد قياديي اليسار الكردي، وكان مقربًا من الراحل أوصمان صبري سكرتير البارتي الديمقراطي الكردي “اليساري”، أن الأخير نجح في أواخر ستينيات القرن العشرين إلى إقامة قناة اتصال مع إحدى الدول الأوروبية المتوسطية، بهدف الحصول على دعم سياسي أو مادي لمواجهة مشروع الحزام العربي الذي تبنته السلطات السورية، والذي ارتبط جزئيا بالدراسة التي أعدها الضابط الأمني محمد طلب هلال.
ولهذا طرح أوصمان صبري داخل قيادة الحزب فكرة التصدي لمشروع الحزام العربي، بما في ذلك احتمال اللجوء إلى الكفاح المسلح، مشيرا إلى أن «دولة صديقة» أبدت استعدادها لتقديم الدعم، إلا أن قيادة الحزب لم توافق على هذا التوجه وفي المؤتمر الثاني للحزب عام 1969 حاول أحد القياديين البارزين معرفة هوية تلك الدولة، غير أن أوصمان صبري رفض الإفصاح عنها، مؤكدا على سرية العلاقة وتعهده بعدم كشف اسمها إلا بعد نجاح المشروع القومي الكردي، وهو ما أسهم في تعميق الخلافات داخل القيادة.
وبحسب استنتاج (القيادي) الشخصي، فإن الدولة المقصودة كانت، على الأرجح، إيطاليا، مع احتمال أن تكون اليونان أو فرنسا، من دون أن يقدم دليلا أو تأكيدا على ذلك. كما استبعد أن تكون تركيا، مستندا إلى موقف أوصمان صبري المعروف برفض أي تعاون مع الدولة التركية.
واليوم، ومع تصاعد حجم التهديدات التركية تجاه كردستان وقبرص واليونان، برزت أهمية هذه الروابط التاريخية والثقافية مرة أخرى من خلال الاهتمام الأوروبي، ولا سيما الإيطالي واليوناني، بالقضية الكردية. وقد اكتسبت زيارة الزعيم الكردي الرئيس مسعود بارزاني إلى روما ولقاؤه قداسة البابا في الفاتيكان أهمية خاصة عقب الهجوم الذي شنه “الجيش العربي السوري” وبضوء اخضر امريكي على محافظة الحسكة، إذ عُدّت الزيارة مؤشرا على استمرار الحضور السياسي للقضية الكردية في الوعي الأوروبي، وعلى وجود قنوات تاريخية وثقافية وسياسية تربط الكرد ببعض شعوب البحر المتوسط، وفي مقدمتها اليونان وإيطاليا.
إن المقارنة بين المشروع الحضاري الذي سعى إليه الإسكندر المقدوني القائم على ربط فضاءات الشرق والغرب، وبين التصريحات الإيجابية التي صدرت عن مسؤولين يونانيين تجاه القضية الكردية في مراحل مختلفة، فضلا عن الحضور السياسي المعاصر الذي جسدته زيارة الرئيس مسعود بارزاني إلى روما، تكشف عن وجود مساحة تاريخية وثقافية يمكن أن تشكل أرضية للتقارب بين الكرد واليونانيين أسوة بالعلاقات الكردية-الايطالية فهذه المساحة تتقاطع فيها الجغرافيا والذاكرة والأسطورة، كما تتداخل فيها المصالح السياسية في بعض المحطات التاريخية يضاف إلى ذلك أن قطاعات من النخب السياسية والقومية لدى الجانبين تنظر إلى السياسات التركية بوصفها مصدرا لتحديات ومخاوف مشتركة، سواء في ضوء استمرار الخلافات اليونانية–التركية حول قبرص وبحر إيجه وشرق البحر المتوسط، أو من منظور القضية الكردية وما ترتب عليها من صراع طويل في تركيا والمناطق الكردية.
وانطلاقًا من هذه القراءة، أرى أن من المفيد لقيادات الأحزاب الكردية العمل على تطوير علاقات سياسية وثقافية ودبلوماسية مع اليونان، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز الحوار والتعاون بين الشعبين. ويكتسب هذا التوجه أهمية إضافية في ضوء التحولات الجيوسياسية المتسارعة في شرق البحر المتوسط، وما تشهده المنطقة من تقارب بين بعض دولها في ملفات الأمن والطاقة والسياسة الخارجية، وهو ما قد يفتح فرصا جديدة لبناء قنوات تواصل وتعاون.
ومن بروميثيوس وكاوا الحداد، ومن الإسكندر المقدوني إلى يومنا هذا، ظل البحر المتوسط والأناضول وميسوبوتاميان فضاءا تفاعلت فيه الشعوب، وتشابكت فيه الذاكرات الحضارية والأساطير والتجارب التاريخية، ومن خلال هذا المنظور التاريخي، يمكن النظر إلى الروابط الكردية–اليونانية أو الإغريقية بوصفها جزءا من تاريخ طويل من التواصل والتأثير المتبادل، بما يحمله ذلك من إمكانات للحوار والتقارب في الحاضر، دون أن يعني ذلك تجاهل تعقيدات الواقع السياسي أو اختزال العلاقات الدولية في الامتداد التاريخي وحده.
الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت