أعتقد أن كثيرين لن يختلفوا في كون الإجابة لا تتعلق بحدثالرابع عشر من تموز ذاته، بقدر ما تكمن في طبيعة التحولاتالتي أحدثها، وفي المصالح التي مستها، وفي الصراع المستمرعلى كتابة التاريخ الوطني. فالثورات الكبرى لا تُحاكم في الغالبعلى وقائعها وحدها، وإنما على ما تمثله من قطيعة مع نظامقديم، وعلى ما تفتحه من آفاق جديدة تعيد توزيع السلطة والثروةوالنفوذ.
لقد أنهت ثورة الرابع عشر من تموز، التي ساندتها جماهيرالشعب، وحولتها من حركة ضباط أحرار، وأعطتها زخماً شعبياًلتكون ثورة، نظاماً ملكياً كان، رغم ما يقال عن تحقيقه منإنجازات في بناء مؤسسات الدولة الحديثة، مرتبطاً بشكل كبيربالنفوذ البريطاني ومصالحه الاستعمارية الاستراتيجية. ولم يكناستقلال العراق، قبل عام 1958، استقلالاً كاملاً بالمعنىالسياسي والاستراتيجي، إذ ظلت السياسة الخارجية والخياراتالأمنية والاقتصادية مرهونة، بشكل واضح، بالمصالح البريطانيةوالغربية.
ولذلك مثّل انسحاب العراق من حلف بغداد، واعتماد سياسةخارجية أكثر استقلالاً، والانفتاح على الدول الاشتراكية ودولالعالم الثالث، وتوسيع العلاقات مع دول الجوار على أساسالمصالح الوطنية، تحولاً مهماً في مفهوم السيادة العراقية، وهو ماجعل الثورة تمثل مشروعاً للتحرر الوطني، وليس مجرد انتقال مننظام ملكي إلى نظام جمهوري، وهذا قرع جرس الخطر فيالدوائر الغربية، فبدأت التآمر منذ الأيام الأولى ضد الجمهوريةالناشئة.
ويتطلب الأمر الإشارة إلى أن الإنجاز الأكبر للثورة، الذي أغاظأعداءها، لم يكن سياسياً فحسب، بل اجتماعياً أيضاً. فقد تبنتبرنامجاً واسعاً للإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، كان أبرزملامحه إصدار قانون الإصلاح الزراعي الذي حدّ من هيمنةالإقطاع على الأراضي الزراعية، وساهم في توسيع فرصالتعليم، وعزز دور الدولة في التنمية، وحسّن أوضاع العمالوالفلاحين، فضلاً عن إصدار تشريعات هدفت إلى بناء مجتمعأكثر عدالة. ولا ننسى أن إصدار قانون الأحوال الشخصية رقم188 لسنة 1959 شكّل خطوة إصلاحية مهمة في تنظيم شؤونالأسرة، ومنح المرأة العراقية حقوقاً عدّها كثير من الباحثين منأكثر الحقوق تقدماً في المنطقة آنذاك.
وفي مراجعة سريعة لدفاتر الثورة، كما يقال، نجد أن الإصلاحاتلم تتوقف عند الجانب الاجتماعي، بل امتدت إلى المجالالاقتصادي، حيث سعت ثورة 14 تموز إلى تعزيز سيادتها علىمواردها الوطنية، فكان قانون رقم 80 لسنة 1961 محطة بارزةفي مسار استعادة القرار الاقتصادي وتقليص هيمنة شركاتالنفط الأجنبية على الثروة الوطنية. وبذلك لم تعد الدولة مجردحارس للنظام القائم، بل أصبحت لاعباً رئيسياً في التنميةوإعادة توزيع الموارد، ويعد كثير من المراقبين أن هذا كان سبباًأساسياً أدى إلى اغتيال الثورة.
إن كل هذه التحولات الجذرية لم يكن من الممكن أن تمر بسهولة،من دون معارضة، بل ومقاومة شرسة، لذلك تكررت المؤامراتلإسقاط الثورة واغتيالها، لأنها وجهت ضربات مباشرة مميتةلمصالح قوى نافذة استندت إلى طبيعة النظام الاجتماعيوالاقتصادي السابق، وفي مقدمة ذلك كان كبار ملاك الأراضي،ومعهم الشرائح المستفيدة من استمرار البنية الإقطاعية، فضلاًعن قوى سياسية قومية رأت في مشروع الثورة تهديداً مباشراًلنفوذها ومواقعها التقليدية. فكان من السهولة تشكيل جبهة واسعةمن المعارضين، رغم الاختلافات في دوافع أطرافها، لكنها التقتواتفقت على رفض المشروع الذي حملته الثورة.
ولا يجب إغفال معارضة بعض المرجعيات والشخصيات الدينية،خصوصاً بعد صدور قانون الأحوال الشخصية، حيث اعتبروهتجاوزاً على المؤسسة الدينية واختصاصها. ويرى عدد منالباحثين أن جانباً من المعارضة لم يكن متعلقاً بالبعد الفقهيوحده، بل ارتبط أيضاً بتراجع النفوذ التشريعي والاجتماعيللمؤسسة الدينية بعد تبني الدولة مشروعاً قانونياً مدنياً.
ولو نظرنا إلى الخارطة الدولية والإقليمية، سنجد أن ثورة الرابععشر من تموز، وفي سياق الحرب الباردة بين الشرق والغرب،واجهت ضغوطاً إقليمية ودولية مكثفة، انعكست بشكل واضح علىالجبهة الداخلية، وغذّت الانقسامات بينها، وطريقة قيادة الثورةفي توجيه وقيادة مشروع التغيير.
يمكن القول إن الجدل حول ثورة 14 تموز لم يتوقف، كونه فيحقيقته خلافاً حول العراق المطلوب: هل هي دولة العدالةالاجتماعية والسيادة الوطنية، أم عراق المصالح والامتيازات؟وعلينا الإقرار بأن الحديث بفخر عن ثورة الرابع عشر من تموز لايعني الموافقة على ما رافقها من أخطاء وإخفاقات، ولكننا لايمكن أن نختزل حدثاً عظيماً ترك تأثيره على تاريخ المنطقة فيتلك الأخطاء، ولا يمكن تحميل الثورة مسؤولية ما حصل منانقلابات وصراعات لاحقة، وهو تفسير يفتقر الى المنهجية التاريخية، لأن التاريخ تصنعه جملة من التفاعلات المعقدة،تتداخل فيها الظروف الذاتية والموضوعية، ولا يمكن تفسيرهابحدث واحد مهما كان مهماً.
إن استمرار الهجوم على ثورة الرابع عشر من تموز لا يعكسضعفها، بل يعكس عمق الأثر الذي تركته في المجتمع العراقي. فالأحداث الهامشية لا يختلف الناس حولها بعد سبعة عقود، أماالثورات التي تعيد توزيع السلطة والثروة وتغير موازين القوى،فإنها تبقى حاضرة في الذاكرة الوطنية، لأنها لا تغير الحكوماتفحسب، بل تعيد صياغة الوعي السياسي للأمة. ولهذا ستبقىثورة الرابع عشر من تموز علامة فارقة في التاريخ العراقي، سواءاتفق معها الجميع أم اختلفوا حولها. فلم يكن الصراع على ثورة14 تموز صراعاً على الماضي، بل صراعاً على المستقبل الذيبشرت به.



