على امتداد السنوات الماضية، انشغل كثير من المراقبين بالعوامل الخارجية المؤثرة في مستقبل النظام الإيراني، من العقوبات الاقتصادية إلى الضغوط الدبلوماسية والعسكرية. غير أن التجارب أثبتت أن التحولات الكبرى لا تفرض من الخارج، بلتصنعها القوى المنظمة القادرة على تحريك المجتمع من الداخل،ومن هذا المنطلق، يبرز الدور المتنامي لوحدات المقاومة باعتبارهاأحد أهم المتغيرات في المشهد الإيراني.
فوفقا لتحليل نشرته صحيفة واشنطن تايمز، لم تعد وحداتالمقاومة مجرد مجموعات معارضة تنشط بصورة متفرقة، وإنماتحولت إلى شبكة تنظيمية واسعة تمتد إلى مختلف المحافظاتالإيرانية، يقودها في جانب كبير منها جيل شاب ولد بعد عام1979، وتشارك المرأة فيه بدور محوري، الأمر الذي منحها قدرةأكبر على التواصل مع المجتمع واستقطاب شرائح جديدة منالإيرانيين الرافضين لاستمرار نظام ولاية الفقيه.
وتكمن أهمية هذه الوحدات في أنها لم تكتف برفع الشعارات أو توثيق الانتهاكات، بل عملت على كسر حاجز الخوف الذي سعى النظام إلى ترسيخه عبر الإعدامات والاعتقالات والقمع. فمن خلال نشاطها الميداني المستمر، نجحت في الحفاظ على جذوة الاحتجاج مشتعلة، وأثبتت أن القبضة الأمنية، مهما اشتدت، لا تستطيع القضاء على إرادة التغيير عندما تجد قيادة وتنظيمافاعلين.
وبرز هذا الدور بصورة أوضح خلال انتفاضة يناير 2026، حيث لعبت وحدات المقاومة دورا مؤثرا في تنظيم الحراك الشعبيوحماية المتظاهرين، الأمر الذي جعلها هدفا مباشرا للأجهزةالأمنية، ودفعها إلى تقديم تضحيات كبيرة من الشهداء والمعتقلينوالمفقودين. غير أن حجم هذه التضحيات يعكس، في الوقت نفسه،مدى القلق الذي باتت تمثله هذه الوحدات بالنسبة للنظام.
كما يشير التقرير إلى أن العمليات النوعية التي نفذتها وحدات المقاومة، بما فيها استهداف مراكز أمنية ورموز السلطة، حملت رسالة سياسية مفادها أن المواجهة لم تعد مقتصرة على الاحتجاجات الشعبية، بل أصبحت تمتلك بعدا تنظيميا قادرا علىتحدي مؤسسات النظام في عقر داره، وهو ما يفسر تصاعدالإجراءات الأمنية ومحاولات احتواء هذا النشاط بكل الوسائل.
إن اتساع حضور وحدات المقاومة داخل المجتمع الإيراني يعكس حقيقة بالغة الأهمية، وهي أن الصراع في إيران لم يعد يدور فقط بين سلطة ومعارضة، بل بين نظام يزداد اعتمادا على أدواتالقمع، وحركة منظمة تعمل على تحويل حالة الرفض الشعبي إلىمشروع تغيير سياسي. ولذلك، فإن مستقبل إيران لن تحددهالتطورات الإقليمية والحروب الخارجية وحدها، بل سيبقى مرهونابقدرة هذا الحراك الداخلي على مواصلة توسعه، باعتباره العاملالأكثر تأثيرا في رسم ملامح مرحلة ما بعد نظام ولاية الفقيه.



