في ساحةٍ غامرةٍ بالظلال، لم تكن الأقفاص من حديدٍ ولا من خشب، بل مننصوصٍ تُتلى كتعويذاتٍ قديمة. كل كلمةٍ تتحوّل إلى قيدٍ غير مرئي، وكل آيةٍ تُصبح سلسلةً تُكبّل الأرواح. النساء يجلسن كظلالٍ بلا أسماء، والأطفالينامون في صناديقٍ من الحروف، كأنهم بضاعة تنتظر المشتري.
السوق لا يبيع أجسادًا فحسب، بل يبيع شرعيةً مغلّفة بالقداسة، حيثيتحوّل النص إلى سلعة، والإنسان إلى هامشٍ في كتابٍ لا ينتهي.
دخل الراوي الساحة بخطواتٍ مترددة، كأن الأرض نفسها ترفض أنتحمله. كان الهواء مشبعًا برائحة الورق المحترق، والكتب الممزقة تتطايركأجنحةٍ مكسورة. وقف أمام قفصٍ من الكلمات، حيث امرأة تحدّق فيه بعينينلا تعرفان النوم، كأنها تسأله بصمتٍ:
ــ هل أنا نصٌ أم إنسان؟
اقترب أكثر، فسمع أصوات الباعة تتداخل مع تلاواتٍ قديمة، كل صوتٍ يعلن أن البيع مباح، وأن الأسر شرعي. لكن في داخله ارتفع صوتٌ آخر، لميكن صوتًا بشريًا بل صدى الحرية نفسها، يقول:
ــ الكلمات ليست قدرًا، إنها أقفاص، وإن كسرتَها عاد الإنسان إلى نفسه.
فجأة، ارتفع صوت الحرية كريحٍ عاتية، فاهتزت الأقفاص المصنوعة منالكلمات، وتساقطت الحروف على الأرض كرمادٍ بلا معنى. الباعة تراجعوامذعورين، والنساء خرجن من ظلالهن كأطيافٍ تستعيد أسماءها.
لم يكن السوق بحاجةٍ إلى سيوفٍ أو جدرانٍ لتنهار، بل إلى كلمةٍ واحدةتُقال بصدق:
ــ الإنسان ليس نصًا، بل حياة.
حين انطفأت الأضواء، لم يبقَ في الساحة سوى فراغٍ واسع، كأن الأرضنفسها تنفست أخيرًا. وقف الراوي في الوسط، ينظر إلى الرماد المتناثر، ويسأل نفسه:
ــ هل انتهى السوق فعلًا، أم أن النصوص ستعود لتبني أقفاصًا جديدة؟



