لم تعد التحذيرات التي تصدر من داخل مؤسسات النظام الإيراني بشأن خطورة الأوضاع الداخلية مجرد تعبيرات عابرة عن القلق، بل باتت مؤشرا واضحا على أن منظومة الحكم نفسهاتدرك أن البلاد تقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، وأن تراكمالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية قد يدفع الشارعالإيراني نحو انفجار واسع يصعب احتواؤه. ولعل تحذير الرئيسمسعود بزشكيان من خطورة تفاقم الأوضاع، في ظل احتدادالصراع داخل أجنحة السلطة، يكتسب أهمية خاصة لأنه يأتيفي وقت تتسع فيه الفجوة بين النظام والمجتمع بصورة غيرمسبوقة.
وما تكشفه وسائل إعلام محسوبة على النظام، ومنها تحليلات تناولت مخاطر تكرار انتفاضات يناير 2026، يؤكد أن هاجس السلطة لم يعد يتمثل أساسا في الضغوط الخارجية، وإنما فيالداخل الإيراني نفسه. فبعد عقود من تحميل الخارج مسؤوليةالاحتجاجات والأزمات، بدأت أصوات من داخل المنظومة تقر بأنالمشكلة الأعمق تكمن في فقدان الثقة الشعبية، وتراكم الغضب،وعجز النظام عن تقديم حلول مقنعة للأزمات التي تضرب حياةالمواطنين اليومية.
وهنا تبرز الأزمة الاقتصادية باعتبارها أحد أخطر عوامل التفجير. فارتفاع الأسعار والتضخم وتراجع قيمة العملة، إلى جانب أزمات المياه والكهرباء والبطالة وتدهور القدرة الشرائية، لم تعد ملفات اقتصادية منفصلة، وإنما تحولت إلى وقود يغذي حالة الاحتقان العام. ويبدو أن السلطة تدرك جيدا أن أي محاولة لفرض أعباءجديدة على المواطنين، ولاسيما رفع أسعار الوقود أو اتخاذإجراءات اقتصادية قاسية تحت عنوان الإصلاح، يمكن أن تتحولبسرعة إلى شرارة تشعل الشارع.
إن الخوف من “العلاج بالصدمة“ يكشف في حد ذاته عمق المأزق. فالنظام يجد نفسه أمام اقتصاد يحتاج إلى قرارات مؤلمة، لكنه في الوقت ذاته يعرف أن المجتمع لم يعد يمتلك القدرة على تحمل المزيد. وبين الحاجة إلى معالجة العجز المالي وبين الخوف من رد فعل الشارع، تتسع دائرة العجز السياسي، وتصبح كل خطوة اقتصادية محفوفة باحتمال انفجار اجتماعي.
الأخطر من ذلك أن الاحتجاجات لم تعد ظاهرة معزولة يمكن إخمادها بالقمع ثم العودة إلى الهدوء. فكل موجة احتجاج تترك وراءها آثارا سياسية ونفسية واجتماعية، وتراكم خبرة جديدة لدىالشارع. ومع تقارب الفواصل الزمنية بين موجات الغضب، تتحولالانتفاضة من حدث طارئ إلى احتمال دائم حاضر في حساباتالسلطة. وهذا تحديدا ما يجعل مهمة الأجهزة الأمنية أكثر تعقيدا،لأن القمع قد يؤجل الانفجار، لكنه لا يعالج أسبابه.
وفي هذا السياق، فإن احتداد الصراع داخل أجنحة الحكم يزيد المشهد هشاشة. فحين يواجه النظام أزمة ثقة في الخارج وأزمة شرعية في الداخل، ثم تضاف إليها خلافات داخلية حول كيفية إدارة الاقتصاد والسياسة والأمن، فإن قدرته على اتخاذ قرارات حاسمة تتراجع بالضرورة. وكلما ازداد الانقسام داخل السلطة، ازدادت قدرة الشارع على استثمار اللحظة.
إن إيران اليوم أمام معادلة بالغة الخطورة: نظام يخشى الإصلاح لأنه قد يفتح الباب أمام مطالب أكبر، ويخشى القمع لأنه لم يعد قادرا على ضمان انتهاء الاحتجاجات، ويخشى الإجراءاتالاقتصادية لأنه يعرف أنها قد تشعل الشارع. وهذه ليست علاماتاستقرار، بل مؤشرات على أزمة بنيوية عميقة.
ولذلك فإن التحذيرات المتزايدة من داخل النظام يجب ألا تقرأباعتبارها مجرد تصريحات سياسية، بل باعتبارها اعترافا بأنالخطر الأكبر أصبح كامنا في العلاقة المتصدعة بين السلطةوالمجتمع. فحين يتراكم الفقر والغضب وفقدان الثقة، وحين تتكررالاحتجاجات وتتعمق الانقسامات داخل الحكم، يصبح السؤالالحقيقي ليس ما إذا كان الانفجار سيقع، وإنما متى وكيفستكون تداعياته.
وفي نهاية المطاف، لا يستطيع أي نظام سياسي أن يواجه إلى ما لا نهاية مجتمعا فقد ثقته به. وقد تكون أخطر لحظة بالنسبةللنظام الإيراني هي اللحظة التي يتحول فيها الغضب المتراكم مناحتجاجات متفرقة إلى حركة شعبية متواصلة، عندها لن يكونالقمع وحده كافيا لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.



