لا يمكن لثقافتين تقعان على طرفي نقيض في الفلسفة والرؤية للوجود أن تذوبا لتشكلا دولة متجانسة؛ فالمسألة هنا ليست مجرد خلاف سياسي على السلطة أو الموارد يمكن تسويته بحصص وزارية أو اتفاقات أمنية مؤقتة، بل هي تصادم بنيوي بين مشروعين أيديولوجيين يُلغي كلٌّ منهما وجود الآخر من الجذور. إذ يقف مشروع “قسد” على أدبيات الإدارة الذاتية المستمدة من العلمانية اليسارية، والتركيز على الهوية الإثنية التعددية، ومحورية حقوق المرأة، وكسر البنى التقليدية للمجتمع، في حين ينطلق أحمد الشرع وجماعاته من أيديولوجية سلفية ترى في الشريعة والفقه المحافظ المرجعية الحصرية والملزمة للتشريع ولنمط الحياة العامة والخاصة. فكيف لنموذج يرى في العلمانية شرطاً للحرية أن يتعايش في هيكل واحد مع نموذج يرى في هذه العلمانية خروجاً عن الثوابت؟ وكيف لمركزيّة حاسمة تسعى لفرض الشريعة أن تلتقي مع لامركزية فدرالية ترفض سلطة العاصمة؟ إن التجربة التاريخية تؤكد أن التجانس الثقافي بين هذا المستوى من المتناقضات هو وهم سيكولوجي وسياسي؛ فالأفكار الشمولية لا تمتزج، بل تتصارع أو تتجاور بحذر. وما يزيد هذا المشهد تعقيداً هو أن مصالح الدول الكبرى المهيمنة هي التي تفرض هذا الواقع المرير على الشعب الكردي في سوريا، وترغم قيادته على تقديم تنازلات مؤلمة وقبول معادلات سياسية قسراً، دون رضا منها أو قناعة، خدمةً لتوازنات النفوذ الدولي. وبناءً على ذلك، تظل الصيغة الوحيدة الممكنة للاستقرار لا تقوم على الامتزاج، بل على المساومة السياسية والجغرافية الصارمة التي تعترف بعجز أي طرف عن إلغاء الآخر. وهنا يبرز التساؤل المصيري الذي يفرض نفسه على مستقبل المنطقة: ثقافتان مختلفتان كلياً، الثقافة التي تبنتها قسد والثقافة التي تبناها أحمد الشرع وجماعاته المتطرفة، كيف تمتزجان وتشكلان دولة متجانسة…؟!



