المسيّرات فوق ألمانيا بين حرب هجينة فعلية وخوف مُسيَّس : د. مجيد حسو مراد

باتت المسيّرات المجهولة التي تحلّق فوق منشآت ألمانية حساسة حديث الإعلام الألماني والأوروبي اليومي، من مطار لايبزيغ/هاله إلى منشأة الجيش في ميشرنيش. والملاحظ أن هذه الظاهرة لم تكن بهذا التكرار قبل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وهو ما يجعل أصابع الاتهام، مضافاً إليها ثقل تاريخي من التوتر بين برلين وموسكو، تتجه بثبات نحو روسيا، رغم أن السلطات الألمانية لم تحسم حتى الآن، رسمياً، الجهة المسؤولة عن أي من هذه الحوادث.

الوقائع وحدها كافية لتفسير حجم الانشغال. فقد وُصفت حادثة لايبزيغ، حين عُثر على مسيّرة مزوّدة بمتفجرات وصاعق قرب طائرات شحن أوكرانية، من قبل النيابة العامة الاتحادية بأنها هجوم خطير على البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية، فيما قال وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت إن ألمانيا ليست في حالة حرب لكنها هدف يومي لحرب هجينة تسعى، على حد تعبيره، إلى إخضاعها سياسياً ومجتمعياً. المستشار فريدريش ميرتس ذهب أبعد حين توعّد منفذي هذه العمليات بأنهم “سيدفعون ثمنها”، من دون أن يسمّي جهة بعينها.

لكن التدابير المتخذة تستحق قراءة أكثر دقة من عرضها كرد فعل مباشر على المسيّرات وحدها. فتخصيص مئة مليار يورو لتجهيز الجيش وإحياء نقاش الخدمة الإلزامية جزء من مسار إعادة تسلّح بدأ مع الحرب عموماً، والمسيّرات عجّلت به أكثر مما ولّدته. أما خطة الدفاع المدني المنفصلة، بقيمة تقارب عشرة مليارات يورو، فتربط الحماية المدنية بالهياكل العسكرية عبر وحدة قيادة جديدة، وتشمل تحديث أنظمة الإنذار المبكر وتجارب صافرات الإنذار التي وصلت رسائلها فعلاً إلى هواتف السكان. غير أن الفجوة بين الإعلان والتنفيذ واسعة: من أصل نحو ألفي ملجأ من حقبة الحرب الباردة لم يتبقَّ سوى ربعها، ولا يعمل حالياً أي ملجأ فعلياً في البلاد، بينما لا تزال فكرة إنشاء مليون ملجأ قيد الدراسة فحسب.

على المستوى الأوروبي، تُقدَّم مبادرة “جدار المسيّرات” غالباً كإجماع أطلسي أوروبي، والحقيقة أعقد من ذلك. فرنسا وألمانيا نفساهما تتحفظان على المشروع، بينما أفضل الدول تصنيعاً للمسيّرات دفاعياً، وهي تركيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، ليست أصلاً أعضاء في الاتحاد الأوروبي. ويتداخل هذا المشروع مع جهد ناتوي موازٍ يحمل اسم “الدرع الشرقي”، فتبدو الصورة أقرب إلى تنافس مؤسسي بين بروكسل وحلف الناتو منها إلى جبهة موحدة، رغم ما يُصرَّح به علناً من تنسيق وثيق.

القلق الشعبي بدوره ليس ظاهرة موحدة كما يُصوَّر إعلامياً. استطلاع أجراه معهد “يوغوف” عقب حادثة لايبزيغ أظهر أن أغلبية الألمان يعتقدون أن بلادهم غير مستعدة كفاية لمواجهة هذا التهديد، لكن درجة القلق تتوزع حزبياً بوضوح: أنصار حزب البديل من أجل ألمانيا، الأقرب إلى التشكيك في سردية الخطر الروسي المباشر، كانوا الفئة الأقل قلقاً بين جميع المستطلَعين. هذا يعني أن الخوف نفسه أصبح متغيراً سياسياً مشحوناً بالانتماء الحزبي، لا معطى وطنياً جامعاً.

وفي خضم هذا كله، جاءت زيارة مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف غير المعلنة إلى موسكو، أواخر أغسطس، لتضيف طبقة أخرى من الغموض بدل أن تبدده. الكرملين والبيت الأبيض وصفا الزيارة بأنها “شبه روتينية” ولم تشمل لقاءً مع بوتين، بينما يرى محللون أمنيون أنها قد تحمل تحذيراً أمريكياً من تصعيد روسي إضافي يستهدف اختبار صمود الناتو. التباين بين الرواية الرسمية المطمئنة والقراءة التحليلية القلقة يلخّص، في جوهره، إشكالية الملف بأكمله.

فما مدى جدية كل هذا؟ ثمة من يرى أن الأدلة المادية، من المسيّرة المفخخة في لايبزيغ إلى تصريحات وزير الداخلية والمستشار، تكفي لإثبات حرب هجينة قائمة فعلاً وإن كانت منخفضة الشدة. وثمة، في المقابل، من يذهب إلى أن الأمر أقرب إلى تضخيم سياسي، وعلى رأس هؤلاء السفارة الروسية في برلين التي وصفت الحديث كله بأنه “هستيريا معادية لروسيا” واستفزاز مفتعل يخدم كييف ومؤسسة عسكرية-سياسية أوروبية تبحث عن مبرر لتصعيد الإنفاق والدعم لأوكرانيا، وهو ما يلتقي، من زاوية مختلفة تماماً، مع نقد حزب اليسار الألماني الذي يرى في مراكز الدفاع الجديدة استعراضاً بلا جدوى ما دام سائقو الحافلات هم من يكتشفون المسيّرات ويبلغون عنها.

الحقيقة، على الأرجح، تكمن في المسافة الفاصلة بين الروايتين، وستبقى معلّقة إلى أن يتحقق شرطان لم يتحققا بعد حتى نهاية أغسطس: تحديد جهة مسؤولة بدليل قاطع لا بالاشتباه السياسي، وترجمة المليارات المعلنة إلى ملاجئ وأنظمة إنذار تعمل فعلياً لا على الورق فحسب. وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى كل طرف حراً في توظيف الغموض لخدمة سرديته الخاصة.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت