قبل أيام، كنت مع شادمان، شريكة حياتي، في لقاءٍ مع صديقةعزيزة. تنوّعت الحكايات والموضوعات، وبين حديث وآخر عرفنامنها أن ابنتها، المتخرجة حديثًا في القانون من إحدى الجامعاتالفنلندية، تحلم، مثل كثير من خريجي القانون، بأن تجد لهامكانًا في المحاكم الفنلندية. تبحث بإصرار عن أي وظيفة يمكنأن تبدأ بها طريقها المهني: كاتبة محكمة، موظفة في النيابةالعامة، سكرتيرة، باحثة قانونية، أو أي موقع يضع قدمها الأولىفي عالم العدالة والقانون. لكن المشكلة أن الوظائف الشاغرةقليلة، والطريق إلى المحكمة، حتى في بلد يحترم القانونوالمؤسسات، ليس مفروشًا بالشهادات وحدها.
ومن أجل تخفيف الأمر، قلت لصديقتنا مازحًا:
ـ لماذا كل هذا التعب والبحث؟ إذا كانت كل الوظائف في المحكمةمشغولة، فلتعمل ابنتك “مجرمة“! هكذا ستضمن، بكل تأكيد،مكانًا لها في المحكمة!
ضحكنا.
لكنني، بعد لحظات، اكتشفت أن النكتة ليست مضحكة بالقدرالذي ظننته. فمن المزاح، انتقل بنا الحديث إلى حكايات القانونوالعدالة، ثم إلى البلدان التي يحتاج فيها الإنسان إلى شهادةفي القانون، تدريب، خبرة، وتنافس طويل، لأجل الحصول علىوظيفة في إحدى مؤسسات العدالة. لكن في بلدان أخرى، يبدوأن هناك طريقًا أكثر اختصارًا يتجاوز المحاكم: حاول أن تصبحسياسيًا، كن مجرمًا، وستحصد أضواء المجد والحصانة والنفوذ!
وهنا انتقلت مخيلتي، رغمًا عني، من فنلندا إلى… العراق!
الفرق بين “إجرام“ ابنة صديقتنا، الذي مزحنا بشأنه، وبين إجراممن تثبت إدانته بحكم قضائي من رجال الدولة والسياسيين، أنالأولى ــ لو ارتكبت جريمة ــ ستذهب إلى المحكمة، وتخضعلإجراءات التحقيق والمحاكمة، ثم تنال جزاءها وفق القانون فيدولة مدنية تديرها المؤسسات ويحكمها الدستور. أما في الحالةالأخرى، في العراق، فإن المشكلة ليست في الجريمة وحدها، بلفي العلاقة بين الجريمة وقوى النفوذ. فحين تتشابك المصالحالسياسية مع المال العام، وحين تحتمي مراكز النفوذ بالسلاحخارج إطار الدولة، أو بشبكات المصالح التي تعمل بقاعدة(شِيلّني وأشِيلّك)، يتحول القانون من سيدٍ على الجميع إلىضيفٍ ثقيل على مائدة الأقوياء. والمفارقة أن القانون يفترض فيهالعمى أمام الجميع، لا يغطي عينيه فقط عندما يرى صاحبنفوذ! وفي هذه الحالة، ربما كان اقتراحي الساخر لابنة صديقتنافي فنلندا أكثر واقعية مما ينبغي: لا تبحثي عن وظيفة فيالمحكمة، اصنعي لنفسك قضية! لكنها تعيش في بلد تكون فيههذه الجملة مجرد نكتة.
أما في العراق، فالمشكلة أن بعض النكات لا تحتاج إلى مقالساخر، ولا إلى مواطن غاضب، ولا حتى إلى خيال خصب؛فالواقع نفسه يتكفل بكتابتها، يطبعها، ويوزعها علينا كل مساءفي نشرات الأخبار. فالأخطر من سرقة المال العام ليس السرقةوحدها؛ بل تحوّل الفساد إلى منظومة عمل، وتحول الوصول إلىالسلطة إلى وسيلةٍ للإفلات من المساءلة. وتتحول الحمايةالسياسية إلى ما يشبه درعًا واقيًا للمجرمين من آثار المسؤوليةالجنائية.
والأسوأ من ذلك رؤية بعض المتهمين ومن تحوم حولهم شبهاتالفساد يظهرون على شاشات التلفزيون بوجه الواعظ، ويتحدثونعن مكافحة الفساد، يدينون بوقاحة الفاسدين، ويطالبون بصلافةبتطبيق القانون، وكأن ذاكرتهم السياسية تعرضت فجأةً لعطلفني. ويصل الأمر إلى حديث أحدهم عن حماية المال العام، بينمايتساءل المواطن: أي مال عام تقصد؟ الذي تتحدث عنه الآن، أمالذي تبحث عنه ملفات الأمس؟
هنا يمكن إدراك أن ابنة صديقتنا لم تكن تبحث إلا عن وظيفة،وتريد العمل في مؤسسة من مؤسسات العدالة، أما بعض (ساسةالصدفة) في العراق، فيبدو أنهم وجدوا وظيفة أفضل من كلالوظائف: وظيفة مجرم فاسد.
والفرق بسيط جدًا: هذه الشابة تريد العمل في المحكمة بشكلقانوني، أما هم، فيريدون أن تعمل المحكمة لصالحهم لتجاوزالقانون.
*الكاريكاتير المرفق للفنان الراحل مؤيد نعمة



