الثلاثاء, أكتوبر 6, 2026
Home مقالات من الاحتجاج إلى الرفض.. كيف تغير وعي الشارع الإيراني؟ : منى سالم...

من الاحتجاج إلى الرفض.. كيف تغير وعي الشارع الإيراني؟ : منى سالم الجبوري

0
131

لم يعد المشهد الإيراني يشبه ما كان عليه قبل سنوات، فالمعارضة للنظام لم تعد مجرد غضب عفوي ينفجر في مدينة ثم يخبو، ولا مجرد احتجاجات مطلبية تبحث عن تحسين الأجور أو خفض الأسعار أو إصلاح بعض السياسات. لقد حدث تحول أكثر عمقافي وعي قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني: انتقل السؤال من“كيف نصلح النظام؟“ إلى “هل يمكن إصلاح نظام لا يريد أنيتغير؟“

وهذا التحول هو، في جوهره، أخطر ما يواجهه النظام الإيراني.

في مراحل سابقة، كان جزء من الاحتجاج الشعبي يتحرك داخل إطار المطالبة بالإصلاح. كان المواطن يحتج على الفساد، أو البطالة، أو الغلاء، أو القمع، لكنه كان لا يزال يترك مساحة لاحتمال أن تستجيب السلطة، وأن تتمكن من معالجة الأزمة من داخل النظام.

أما اليوم، فقد أخذت هذه الفرضية تتآكل، لقد راكم الإيرانيون خلال عقود تجربة طويلة مع الوعود والإصلاحات المؤجلة والانتخابات والشعارات الاقتصادية، بينما ظلت الأزمات تتفاقم، وبقيت أدوات القمع حاضرة كلما تجاوز الاحتجاج حدودا معينة. ومع كل موجة احتجاج جديدة، كان يتضح أن المشكلة ليست فيقرار اقتصادي منفرد أو مسؤول فاسد أو حكومة بعينها، وإنمافي بنية سياسية تعتبر بقاء النظام أولوية تتقدم على مطالبالمجتمع.

ومن هنا تغير مضمون الاحتجاج، الشاب الذي يطالب بالعمل لا يرى أمامه فقط مؤسسة توظيف فاسدة، بل منظومة تحول دون حصوله على فرصة عادلة. والعامل الذي يحتج على توقف مصنعه لا يرى مجرد أزمة كهرباء، بل دولة عاجزة عن توفير أبسط مقومات الإنتاج. والمتقاعد الذي يخرج إلى الشارع لا يحتج فقط على معاشه، بل على منظومة اقتصادية جعلت سنوات عمله غير كافية لضمان حياة كريمة.

وهكذا تتراكم التجارب الفردية لتنتج وعيا سياسيا جماعيا.

المشكلة لم تعد “ماذا يفعل النظام؟“ بل “لماذا يستمر هذا النظام أصلا؟“

وهنا يكمن الفارق النوعي بين احتجاجات مطلبية ومعارضة سياسية.

عندما يرفع المحتج سقف مطالبه من تحسين الوضع إلى رفض النظام نفسه، فإن السلطة تفقد إحدى أهم أدواتها التقليدية: إمكانية امتصاص الغضب عبر الوعود والإصلاحات الجزئية.

فالاحتجاج الذي يمكن تهدئته بزيادة راتب أو تعديل قانون يمكن احتواؤه.

أما الاحتجاج الذي يصل إلى قناعة بأن أصل المشكلة هو النظام نفسه، فإنه يصبح أكثر صعوبة في الاحتواء.

وقد ساهمت منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، عبر عقود من النشاط السياسي والتنظيمي والإعلامي، في ترسيخ هذا النوع من التفكير لدى شرائح من المجتمع المعارض. فقد ركز خطابها على أن الأزمات المتتالية ليست حوادث منفصلة، وإنما نتائج لبنية سياسية واقتصادية ترى أنها غير قابلة للإصلاح من الداخل، ودعت إلى تجاوز المطالبة بالإصلاحات الجزئية نحو تغيير سياسي شامل.

ومع الوقت، لم يعد هذا الطرح محصورا في الخطاب السياسيللمعارضة. فقد ساهم تكرار التجارب المريرة، واتساع القمع،وفشل الحكومات المتعاقبة في تحقيق تغييرات جوهرية، في جعلفكرة التغيير الجذري أكثر حضورا في النقاش العام.

وهنا تظهر أهمية التنظيم والوعي السياسي.

فالغضب وحده قد يشعل الشارع، لكنه لا يحدد بالضرورة وجهته. أما عندما يقترن الغضب بوعي سياسي يرى العلاقة بين البطالة والفساد، وبين الفقر وبنية السلطة، وبين القمع واستمرار النظام، فإن الاحتجاج يتحول تدريجيا من رد فعل إلى مشروع تغيير.

وهذا هو التطور الذي يبدو أن النظام يخشاه أكثر من أي احتجاج اقتصادي.

فالنظام يستطيع أن يواجه المتظاهرين بالقوة، لكنه يجد نفسه أمام مهمة أصعب عندما يصبح الاحتجاج قائما على قناعة بأنالمشكلة ليست في السياسات فحسب، بل في النظام الذي ينتجتلك السياسات ويحميها.

ولذلك يمكن فهم التشدد الأمني المتزايد باعتباره محاولة لمنع هذا الوعي من التحول إلى حركة اجتماعية واسعة ومستمرة.

لكن التجربة الإيرانية تقول إن القمع لا يمحو الوعي.

قد يؤجل التعبير عنه، وقد يجبره على التراجع مؤقتا، لكنه لا يلغيالأسباب التي أنتجته.

لقد تغيرت المعادلة.

كان النظام في الماضي يواجه مواطنين يطلبون منه أن يكون أفضل.

أما اليوم، فإن قطاعات متزايدة من المعارضة تواجهه باعتقاد مختلف: أن النظام أثبت، عبر سنوات طويلة، أنه لا يريد أن يكون أفضل، وأن أولويته الأساسية هي البقاء.

ومن هنا جاء الانتقال من الاحتجاج إلى الرفض، ومن المطالبة بالإصلاح إلى المطالبة بالتغيير.

إنها ليست مجرد زيادة في حدة الشعارات.

إنها نقلة في الوعي السياسي.

وإذا استطاعت قوى المعارضة تحويل هذا الوعي إلى حركة منظمة وسلمية وواسعة قادرة على ربط مختلف فئات المجتمع ومطالبه، فإن النظام سيجد نفسه أمام تحد يختلف جذريا عنموجات الاحتجاج السابقة.

فالشارع الغاضب يمكن قمعه.

أما الشارع الذي يعرف لماذا يرفض، وماذا يريد بعد الرفض، وكيف يحافظ على استمرارية حركته، فذلك يمثل تحديا أكثر عمقالأي سلطة.

ولهذا فإن المعركة القادمة في إيران لن تكون فقط معركة عدد المتظاهرين في الشوارع، بل معركة على الوعي والتنظيم والقدرة على تحويل الغضب المتراكم إلى قوة سياسية مستمرة.

وهنا بالضبط تتحدد أهمية المرحلة المقبلة:

هل يستطيع النظام إعادة المجتمع إلى مربع المطالب المحدودة، أم أن الوعي الذي تراكم خلال سنوات القمع والأزمات قد تجاوز نقطة العودة؟

إذا كان الانتقال من الإصلاح إلى الرفض قد اكتمل في جزء مهم من الوعي الشعبي، فإن أخطر ما يواجه النظام لم يعد احتجاجاجديدا.

إنه شعبا بدأ يرى أن التغيير لم يعد خيارا، بل ضرورة.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x