الثلاثاء, أكتوبر 6, 2026
Home اراء الخبز والملح… حين يخون الإنسان ما أكرمه : ماجد حسن سلو

الخبز والملح… حين يخون الإنسان ما أكرمه : ماجد حسن سلو

0
250

 

يُحكى أن الله أكرم إحدى العائلات بمولود جديد، فأراد كبيرها أن يحتفل بهذه المناسبة، فأقام وليمة ودعا إليها الأقارب والجيران والأصدقاء.

كانت النساء والرجال منشغلين بإعداد الطعام، يحملون الصحون المملوءة ويضعونها أمام الضيوف، فيما كان كبير العائلة يستقبل الناس بابتسامة وكرم.

وفجأة، دخل إلى مجلس الضيوف رجل غريب، تبدو عليه آثار الفقر والإهمال؛ شعره طويل ومتشابك، وثيابه بالية ممزقة، وصدره مكشوف، وحذاؤه متسخ وممزق، وتفوح منه رائحة كريهة نفّرت كل من اقترب منه.

تقدم نحو أحد الضيوف، فمنعه من الاقتراب وأفسح له الطريق بعيدًا عنه.

ثم اتجه إلى الثاني، فكان موقفه أشد قسوة.

والثالث والرابع… حتى أصبح الرجل يقف وسط المجلس، محاصرًا بنظرات الرفض والاشمئزاز.

شعر الرجل بالخجل والانكسار، وكأنه يريد أن تنشق الأرض وتبتلعه.

لكن كبير العائلة كان رجلًا حكيمًا يعرف أن كرامة الإنسان لا تُقاس بثيابه ولا بمظهره.

فنهض من مكانه، واتجه إليه، وناداه بأعلى صوته:

«أين كنت يا فلان كل هذه السنوات؟! يا أهلًا وسهلًا بك بين أهلك وأحبابك! تعال واجلس إلى جانبي.»

ثم احتضنه أمام الجميع، وأجلسه إلى جواره، وأخذ يناوله الطعام بيده، ويسقيه الماء، ويهتم به كأنه واحد من أعز ضيوفه.

وكان يحاول، رغم الرائحة التي كانت تؤذيه، أن يخفي اشمئزازه حتى لا يزيد إحراج الرجل.

ظل يخدمه ويطعمه حتى شبع، بينما هو نفسه نسي أن يأكل من شدة انشغاله بإكرام ضيفه.

وبعد أن غادر بعض الضيوف، التفت الرجل الغريب إلى صاحب الدار وقال:

— هل تعرفني؟

قال الرجل:

— لا، لا أظن أنني رأيتك من قبل.

ابتسم الغريب وقال:

— أنا عزرائيل، رسول الرحمن لأقبض روحك. اسمك مكتوب عندي، وجئت لأخذ أمانتك.

ثم أضاف:

— لكنني رأيت منك اليوم كرمًا واحترامًا وبساطة لا تُنسى. رأيتك تكرم إنسانًا رفضه الجميع، ولم تنظر إلى قذارة ثيابه ولا إلى رائحته. لذلك سأطلب من الله أن يمنحك عشر سنوات أخرى من العمر.

شكره الرجل، وانصرف عزرائيل.

مرت السنوات.

وانشغل الرجل بحياته وأسرته وأبنائه، حتى نسي الحكاية تمامًا.

ومرت السنوات العشر كأنها لحظة.

وفي يوم من الأيام، ظهر أمامه الرجل نفسه، ولكن هذه المرة لم يكن بملابس ممزقة ولا بشعر متشابك ولا برائحة كريهة.

قال له:

— جئت اليوم بأمر رب العالمين. انتهى موعدك، وحان وقت الرحيل.

ارتجف الرجل وقال:

— أمهلني قليلًا. لدي أمور لم أنجزها، وأهل أريد أن أودعهم، وحقوق أريد أن أؤديها.

قال عزرائيل:

— لا أستطيع تأجيل الموعد.

توسل إليه مرة ثانية، ثم ثالثة، لكن الجواب بقي واحدًا.

وفي محاولته الأخيرة قال الرجل:

— أرجوك… أتوسل إليك. تذكر الطعام الذي وضعته في فمك بيدي. تذكر الخبز والزاد والملح الذي جمعنا في ذلك اليوم. امنحني مهلة أخرى، من أجل ذلك الخبز.

صمت عزرائيل.

وكأن كلمة «الخبز والملح» أعادت إليه شيئًا من ذلك المجلس القديم.

شعر بالحرج، وتذكر كرم الرجل وموقفه، ثم قال:

— سأطلب لك مهلة أخرى.

ودعا الله أن يستجيب له، فمُنح الرجل ثلاثين سنة إضافية.

وهنا تنتهي الحكاية… لكن تبدأ العبرة.

فالخبز ليس مجرد طعام.

والملح ليس مجرد مادة على المائدة.

والجيرة ليست مجرد قربٍ بين البيوت.

حين يأكل الإنسان من خبز جاره، ويشرب من مائه، ويجلس معه على مائدة واحدة، تنشأ بينهما رابطة من المروءة والوفاء، حتى وإن اختلفا في الدين أو القومية أو المذهب.

ولهذا فإن أبشع الخيانات ليست أن تختلف مع جارك، بل أن تأكل من خبزه ثم تحمل السلاح لقتله.

وهذه الحكاية تذكرنا، نحن الإيزيديين، بمرارة ما حدث في سنجار في الثالث من آب 2014.

فقد كان بين الإيزيديين وجيرانهم العرب علاقات جيرة امتدت لعقود؛ خبز وملح، أفراح وأتراح، معاملات ومصالح مشتركة، وبيوت متجاورة.

ومع ذلك، فإن بعض هؤلاء الجيران اختاروا في يوم المحنة أن يقفوا مع داعش، وأن يكونوا عيونًا له وأدلاءَ عليه، وأن يشارك بعضهم في الجرائم التي ارتُكبت بحق الإيزيديين، من قتل وخطف وسبي واعتداءات مروعة.

الخيانة هنا لم تكن خيانة جار لجار فقط؛ كانت خيانة للخبز والملح والجيرة والإنسانية.

لكن الإنصاف يقتضي أن نقول أيضًا: لا يجوز أن نجعل من خيانة بعض الأشخاص حكمًا على جميع العرب السنّة، فقد وقف كثيرون ضد داعش، وساعد بعضهم الإيزيديين، ورفضوا المشاركة في الجريمة.

فالإنسان يُحاسب على فعله، لا على هويته.

أما الذين خانوا الخبز والملح، ثم شاركوا في قتل الإيزيديين وسبي نسائهم، فالتاريخ لن يغفر لهم بسهولة.

لأن بعض الخيانات لا تمحوها السنوات.

وبعض الوجوه قد ينساها الإنسان…

لكن رائحة الخبز الذي أُكل، ثم السلاح الذي رُفع في وجه صاحبه، لا تُنسى.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x