بين ذاكرة الأمس وعجز الحاضر : عبد العزيز قاسم

يرجع استذكار الموتى ونشر النعوات لسنوات طويلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى مزيج من الدوافع النفسية والاجتماعية ؛ والهروب الواعي أو غير الواعي من الواقع المعيشي المعقد وهذه الظاهرة ليست حكرا” على مجتمع معين؛ لكنها تشتد في البيئات التي تعاني من أزمات ممتدة فالهروب من الواقع واليأس المتراكم هي إحدى الأسباب الرئيسية لذلك، فالعجز المكتسب الذي يلازم الفرد في المجتمعات المرهقة بالأزمات والتي تشل قدرته على تغيير واقعه المعيشي أو السياسي وكذلك الإحباط اليومي لمشاكل حياتية كالغلاء المعيشي والبطالة هي ظواهر تزيد من طاقة الإحباط واليأس وكذلك فالهروب إلى الماضي والذكريات هي بحد ذاته كالبحث عن مساحة آمنة؛ لا تترتب عليها عواقب أو مواجهات مع المجتمع والسلطات العامة؛ وكذلك فالدوافع النفسية والوجدانية والتي توفرها وسائل التواصل الاجتماعي؛ هي آلية سريعة للحصول على الدعم العاطفي وتخفيف الشعور بالوحدة. لا شك أن الحنين إلى الماضي( النوستالجيا ) ؛ ولا سيما ان المتوفي والذي سبق له أن عاش فترات رخاء واستقرار وامان فيما مضى وسط مجتمع كان متكافلا ” وكان فيه دور كبير للعادات والتقاليد المنظمة للحياة الاجتماعية؛ ففيه كان للكبار سنا” مكانة خاصة وقدر وافر من التوقير والإحترام؛ ناهيك عن قيم فاضلة كانت تسود آنذاك؛ وفيما حين تتحول تلك المنشورات ودعوات النعي إلى ” ملجأ بديل ” عن الواقع المتردي؛ وسط غياب الامل في التغيير الفعلي؛ حيث مناقشة الواقع يكلف عبئا” ثقيلا” على الفرد وربما اصطداما ” مع النخب السياسية والفكرية المتحكمة بزمام الأمور…. وبمتابعة وتصفح لواقع الإعلام الكردي المقروء منه و المرئي ومواقع التواصل الاجتماعي المتداول الخاص به، سيما في ” روژآڤاي كوردستان ” وبلدان المهجر( ألمانيا تحديدا ) ؛ نلاحظ ظاهرة لافتة تكاد تتحول إلى سمة عامة؛ ألا وهي: ذاك الكم الهائل المتدفق من سيل منشورات استذكار ذكريات الراحلين وممن قد مضى على رحيلهم آماد ” أو سنوات طويلة قد تتعدى عقودا ” أو أكثر !. وبعيدا” عن دعوات ” النعي أو استذكار ممن فقدوا ذويهم ” وحتى لايظن القارئ الكريم أنما هي دعوة للطعن في قدسية الموت ورمزيته أو عدم المساس بمشاعر ذويهم أو مدونوا المواقع تلك؛ إلا وكما هي وجهة نظر وملاحظة مني ككاتب مقالة أو متصفح لمواقع التواصل ! ولطالما سعى الإنسان وعبر تاريخه الطويل والمعقد أن يبحث عن أجوبة وتفاسير عجز عنها في النهاية في رحلته عن البحث عن الخلود؛ ومن هنا فالماضي والحاضر والمستقبل هي هواجس للبشرية ومنذ الأزل- وإن أسهبت في الحديث عن الموت ورمزيته؛ لا لشيء سوى أن مقالتي هذه تتمحور حولها- وفي أرض الرافدين؛ بلاد ” ميزوبوتاميا…” وقبل أكثر من أربعة آلاف سنة ها هو ” جلجامش ” وفي رحلته الطويلة عن” البحث عن الخلود ! ” ؛ هاجسه وخوفه الدائمين وحزنه الشديد على موت صديقه ” انكيدو ” ولقائه بالرجل الخالد؛ والذي أخبره قصة ” الطوفان العظيم ” وفي سعيه أدرك ” جلجامش ” في النهاية أن الخلود الحقيقي للبشر يكون بالأعمال العظيمة وبناء المدن وليس في الحياة الأبدية والتي عجز عن نيلها ! فلا شك أن إستذكار الموتى يحمل قيمة معنوية وعاطفية وكما يقال : ” كل يبكي على موتاه !” إلا أن هناك أشخاصا” قد نالوا الخلود؛ لأعمالهم أو لإنجازاتهم في ميادين الحياة المختلفة؛ فخلدهم التاريخ وأبقى على ذكراهم؛ ولهذا نجد أن استذكارهم قد يحمل دلالة قومية أو ثقافية أو أخلاقية لدى طيف واسع من البشر؛ عرقا”؛ملة”؛ طائفة” بعينها دون سواه. وكما استهلت في متن المقال؛ عن الشغف المفرط في وسائل التواصل الاجتماعي عن استذكار الموتى ودعوات النعي ومما يدعوا إلى المبالغة والسرد الممل في هذا النمط من الكتابة وكما أسلفت فليس طعنا” في المشاعر والعواطف؛ وإنما حالة” من الملاحظة والمبالغة؛ وكأني بها قد خرجت من مضمونها الاجتماعي كرسالة نعي ودعوة وتعريف بالمتوفي، إلى ثقافة ابتذال واختزال ورسالة جامدة المضمون ومادة أرشيفية يستعان بها أو مجرد أرشفة احصائية للذكريات فحسب! لقد احتلت ” بوابات واعمدة النعي ” وعند شريحة واسعة من المستخدمين للمواقع المذكورة تلك حيزا “واسعا ” ؛ والتي هي في مضمونها أقرب ما تكون إلى ” أرشفة التواريخ أو تقويم ” أو ” تسجيل حضور ” لإثبات وجود لا أكثر ودون أن يضيف معنى” أو قيمة ” . وكما يبدوا لي فإن: القفز من ذكرى إلى أخرى؛ بحيث ” نؤرشف ” الذكريات والمناسبات ونقرنها بتواريخها ودون أن نحاول تغيير واقعنا المرير أو الخوض في أسبابه وتداعياته وتأثيراته المحتملة وإن كان ذلك صعبا ” ويصطدم بمعوقات ويحتاج لمحددات ولدعم مجتمعي مفقود؛ إنما فهي في النهاية – وكما أعتقد- فهي لكسب دعم عاطفي أو ” ملجأ بديل ” للهروب من الواقع المتردي؛ ولا ضير في ذلك ! والتساؤل الذي يُطرح في ذاك الإفراط من نمط الكتابة؛ وهو جوهري كما أرى؛ ألا وهو : هل تحولت الثقافة والتحليل الجامد للوقائع والأحداث بمعزل عن دراسة تأريخية؛ تحليلية؛ إلى مجرد أرشفة للذكريات؟ في هذا الصدد يقول الفيلسوف الألماني”( هيغل-1831-1770):” فالحنين إلى الماضي ” النوستالجيا “؛ هو هروب وعجز عن مواجهة استحقاقات الحاضر….” وتعد فلسفته من أكثر ها مناهضة” للتقديس الأعمى للتراث وتمجيد الماضي والموروث القديم والحنين للماضي واستذكار الموتى والأيام الغابرة؛ ويرى هيغل أن التاريخ البشري يتحرك دائما ” إلى الأمام عبر صيرورة جدلية ” دياليكتيكية ” نحو وعي أكبر بالحرية والعقلانية؛ وبناء” على ذلك؛ فإن تمجيد الماضي ومحاولة محاكاته يُعدٓان في نظره نكوصا” تاريخيا ” وفشلا” في روح العصر الحالية؛ وأعتبر الارتداد إلى الماضي كما أسلفت نوعا” من العجز الفكري والسياسي….”. ان المجتمعات التي ما تزال تعاني من الحروب وآثارها المدمرة على مر العصور؛ تلجأ وكمتنفس إلى فسحة من الأمل وقشة نجاة؛ ولقد عاصر عالم الاجتماع والمفكر؛ السابق لعصره- إبن خلدون(1406-1332) إلى أن الطبيعة البشرية تميل إلى تقديس الماضي وإلباسه ثوب الكمال والمبالغة في نقل أخباره؛ ولقد حذر من هذا الانحياز العاطفي؛ داعيا” إلى دراسة الماضي بعين العقلانية والتحليل وليس بمجرد العاطفة والحنين. لقد حلل إبن خلدون نفسية الشعوب المستضعفة أو المهزومة وذكر ان المغلوب يتطلع دائما ” إلى ماضي عزه؛ أو يميل إلى تقليد الغالب في ملبسه ونحلته وزيه؛ فهذا الشعور ينبع من شعور باطني بالنقص وحنين خفي للسيادة المفقودة ولقد حلل الحنين كظاهرة نفسية واجتماعية تؤثر في سلوك الشعوب والدول؛ لا كعاطفة أدبية مجردة.
وبالعودة إلى استذكار الذكريات والانشغال بالماضي وتمجيده بدلا من تجاوزه والنهوض بالواقع يمكن القول أن الشاعر والفيلسوف( ملايي جزيري-1570-1645) والذي لقب نفسه ب( نيشاني- Nîşanî) اي” الهدف” فهو هدفا لسهام المحبةالإلهية والبلايا وتتلخص أفكاره بالاعتزاز بالحاضر وتجاوز الماضي والنهوض بالواقع عبر التخلي عن جمود الموروث والتحرر من أمراض الذات والانفتاح المعرفي والروحي. لقد ذم الانشغال بالماضي(الذكريات والامجاد الزائلة) ؛ فالصوفي عنده هو ( إبن الوقت ) ؛ الذي يعيش ويصنع حاضره؛ بينما(النوستالجيا) وأرشفة “الذكريات واستحضار الأيام الخوالي والاموات وفرسان الهواء….هي كمن يركض خلف السراب !” لقد كان يدعوا للفخر بالهوية كدافع للبناء؛ حيث يقول:”
«گولێ باغێ ئرەمێ بوهتانم
شەبچراغێ کوردستانم»
فالوفاء الماضي لايعني أن نبقى أسرى له، ولا أن نكرر سيرة الأجداد مهما بلغت عظمتهم؛ ففي رأيي؛ يبدأ حين نمتلك الجرأة على أن نعيش في زمننا وننتج فيه شيئا جديدا، اما الاكتفاء بالعيش في ظل الماضي أوالتستر به على العجز فليس سوى شكل من أشكال الهروب وإن تزين بلباس الوفاء والتقدير. وكما أشاد “ملايي جزيري” إلى هذه الظاهرة وقبل أكثر من أربعمائة سنة أو أكثر:
«كان ب گه وهه ر چ بكت گه وهه ر ئه گه ر پاك نه بت تو به صيره ت ته نه بت سيره تئ ئه جداد چ كت».
أي:” لا ينفع الجوهر ما لم يطهر من شوائبه ويغدوا نقيا” ، وكذلك لا تنفع عديم البصيرة سير الأجداد ولا خصالهم. “وبالطبع فإن القصيدة أعمق من أي شرح مبسط”؛ إذ لم أجد؛ لا في شرح الملا عبدالسلام جزيري ولا في شرح الزڤنگي؛ ما يلامس مغزاها الحقيقي. لقد أشاد الرئيس: مسعود بارزاني؛ خلال زيارته إلى “جزيرة بوتان ” في أواخر نوڤمبر 2025 ومشاركته في منتدى ثقافي وزيارته مرقد الشاعر؛ بأبيات من شعره؛ تقديرا ” لما تحمله من معان فلسفية عميقة، ومن أبرزها مطلع القصيدة:” كه س ب دادا مه نه پرست گله ه و داد چ كت؟ ” فالبيت ؛ ببساطة وعمق، يذكرنا بأن الجوهر مهما كان ثمينا ” ؛ لا ينفع ما لم يطهر من شوائبه وكذلك لا تنفعنا خصال الأجداد إذا افتقدنا البصيرة والحكمة؛ فالقيمة الحقيقية ليست في الإرث وحده؛ بل في الفعل الواعي والحضور المفعم بالفهم، الذي يمكننا من خلق معان جديدة بدل أن نظل أسرى الماضي . أن استحضار الذكريات والانشغال بالماضي والأمجاد أو حتى إحياء الماضي ينبغي ألا يكون بديلا” عن صناعة الحاضر؛ بل حافزا” لتجاوزه؛ فلا يمكن لشعب أو أمة ک الامة الكردي أن تبني مستقبلها وهي تكتفي بالبكاء على ما فقدته أو التفاخر بما انجزه أسلافنا، فالماضي مهم ولكن قيمته الحقيقية تظهر عندما يساعدنا على فهم الحاضر وبناء ما هو افضل والثقافة التي لا تنشغل بأسئلة اليوم محكوم عليها بأن تتحول إلى ذاكرة جامدة بلا روح أو أثر .
وكما يبدو لي؛ انه في هذا المضمار يجدر التنبيه أو الإشارة إلى سعي بعض الكتاب من وراء استرجاع الذكريات والكتابة عن شخصيات أو رموز تاريخية بدوافع نفعية أو تقرب سياسي ولائي؛ فيتحول الاستذكار إلى أداة توظيف لا إلى فعل وعي بحث مفيد . وختاما” وحين التطرق إلى عجز الحاضر عن انتاج مشروع حقيقي وبين التمسك بذاكرة الأمس في تدوير ماض بلا روح أو أثر ضمن حلقة مفرغة عقيمة؛ فالحاجة تبدو ملحة لإعادة توجيه البوصلة، من تمجيد ماض – ماكان- إلى بناء ما يكون، وحبذا لو كان استرجاع الماضي من أجل إيجاد حلول لها والأجدى من ذلك ولإثراء البلاغة والمكتبة الكردية ورفدها؛ كان من الأجدر الكتابة بغير لغات المحتل أو الأنظمة المحتلة لكردستان؛ وهل نعلق تلك أيضا” على شماعة الأنظمة المحتلة وجلنا يكتب عبر الفضاء الإلكتروني وفي المهجر!! وحتى لا نخرج من ثنائية ” ذاكرة الأمس وعجز الحاضر ” لا بد لنا من ضرورة إيلاء بالغ الإهتمام باللغه الكردية واستغلال أية خطوات تصب لصالح اثراء واغناء اللغة. خاصة مع المتغيرات الجديدة في منطقتناوالتي هي على قلتها؛ إلا أنها ؛كأول الغيث والذي يبدأمن قطرة؛ فهي هوية الأمة ووعاء فكرها وروح الثقافة التي تربط الماضي بالحاضر؛ وهي روح تسري في وجدان الأمة وحصن هويتها وسد ٌ منيعٌ في وجه الغزو الثقافي والذي لا يرحم.

1 تعليق

الاشتراك
نبّهني عن
1 Comment
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
عبدالعزيز قاسم
1 شهر

مساء الخير
يرجى تصحيح عنوان المقالة “بين ذاكرة الأمس وعجز الحاضر”