تتداول مصادر إعلامية معلومات عن قرب إجراء تغيير إداري في قضاء سنجار، مشيرةً إلى أن قائد عمليات غرب نينوى، الفريق الركن علي فاضل عمران، يُعد من أبرز الأسماء المطروحة لتولي منصب قائممقام القضاء، في إطار ترتيبات إدارية مرتقبة تتصل بمستقبل إدارة سنجار وملفاتها الأمنية والخدمية والإعمارية.
وحتى الآن، لم يصدر إعلان رسمي يؤكد بصورة نهائية تكليف الفريق الركن علي فاضل عمران بهذا المنصب، فيما تترقب الأوساط المحلية في سنجار ما ستؤول إليه المشاورات والقرارات المقبلة، خصوصاً أن منصب قائممقام القضاء في المرحلة الراهنة يتجاوز كونه منصباً إدارياً تقليدياً، نظراً لحساسية الوضع في سنجار وتعقيدات ملفاتها الأمنية والسياسية والإنسانية.
انتهی الاقتباس من صحف الاخبار ….
المطلوب ليس اسم القائممقام بل نجاح الإدارة
وبعيداً عن الأسماء، فإن السؤال الأهم بالنسبة إلى أهالي سنجار ليس: من سيكون القائممقام؟ بل: ماذا يستطيع أن يفعل القائممقام الجديد؟
فسنجار اليوم لا تحتاج إلى إدارة تدخل في صراعات النفوذ أو المحاصصة، وإنما تحتاج إلى إدارة قادرة على خدمة جميع مناطق القضاء، والعمل بجدية على إعادة الإعمار، وإنصاف المتضررين، وتسريع ملف التعويضات، وإعادة الخدمات الأساسية، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة النازحين.
والأهم من ذلك كله أن تكون الإدارة عادلة وشفافة، وأن تتعامل مع أبناء سنجار على قدم المساواة، من دون تمييز بين الإيزيديين والمسلمين، أو بين منطقة وأخرى.
فسنجار ليست ملكاً لحزب أو جهة سياسية أو مكوّن بعينه؛ سنجار لجميع أبنائها، وأي إدارة ناجحة ينبغي أن تنطلق من هذه الحقيقة.
لماذا قد يكون الحل الإداري المرتبط بالدولة المركزية مناسباً في هذه المرحلة؟
في ظل التعقيدات التي رافقت ملف سنجار خلال السنوات الماضية، قد يكون تولي شخصية عسكرية أو إدارية تحظى بثقة الدولة المركزية، وتعمل ضمن المؤسسات الرسمية، أحد الخيارات التي يمكن أن تساعد في تجاوز حالة الانقسام والتنافس التي عطلت كثيراً من الملفات.
فإذا كان الفريق الركن علي فاضل عمران هو الاسم المطروح فعلاً، فإن نجاح هذه التجربة سيبقى مرتبطاً قبل كل شيء بمدى نزاهته واستقلاليته وقدرته على الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، بعيداً عن المحسوبية والمساومة السياسية.
وهنا يمكن تسجيل عدد من النقاط التي تجعل هذا الخيار، إذا توافرت فيه شروط النزاهة والكفاءة والرقابة، قابلاً للنقاش في المرحلة الراهنة.
أولاً: أن تكون سنجار تحت رعاية وحماية الدولة العراقية المركزية، بما يعزز حضور مؤسسات الدولة ويوفر إطاراً أمنياً وإدارياً أكثر وضوحاً.
ثانياً: إن وجود إدارة رسمية مستقرة وفاعلة قد يساعد على تشجيع النازحين على العودة، خصوصاً إذا رافق ذلك تحسن حقيقي في الأمن والخدمات وإعادة إعمار المناطق المدمرة.
ثالثاً: يمكن لهذا الخيار أن يخفف من المنافسة على مناطق النفوذ الضيقة، شرط أن يكون المسؤول المكلف من الشخصيات النزيهة التي لا تقبل المساومة ولا المحسوبية، وأن يخضع أداؤه لرقابة حكومية حقيقية، مع الاستفادة من الرقابة الدولية حيثما كان ذلك ممكناً.
رابعاً: قد يساعد وجود إدارة واضحة ومرجعية حكومية محددة على إنهاء حالة الحجج والمماطلة التي عطلت، لسنوات، إعادة الحياة إلى سنجار، كما يمكن أن يسهم في جذب المنظمات الدولية والمساعدات الإنسانية ومشاريع إعادة الإعمار.
خامساً: تحتاج سنجار إلى الخروج من حالة التخبط التي أحاطت بملفها لسنوات، حيث تداخلت الحسابات الحكومية والإقليمية والدولية والحزبية والشعبية، حتى أصبح المواطن السنجاري في كثير من الأحيان هو الطرف الأقل قدرة على التأثير في مستقبل مدينته.
سنجار لا تحتاج إلى مزيد من الصراع
لقد دفعت سنجار ثمناً باهظاً نتيجة الصراعات السياسية والأمنية التي تعاقبت عليها، وكانت الإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون في الثالث من آب/أغسطس 2014 واحدة من أكثر النتائج مأساوية لهذه الفوضى.
ومن هنا، فإن أي إدارة جديدة مطالبة بأن تجعل إعادة الإعمار وتعويض الضحايا ومحاسبة المتورطين في مقدمة أولوياتها، وأن تتعامل مع هذه الملفات باعتبارها استحقاقات قانونية وإنسانية، لا أوراقاً للمساومة السياسية.
فإعادة بناء البيوت وحدها لا تكفي.
إعادة بناء سنجار تعني أيضاً إعادة بناء الثقة، وإعادة الخدمات، وفتح المدارس والمراكز الصحية، وتوفير فرص العمل، ومعالجة ملف المقابر والمفقودين، وتسريع التعويضات، وتهيئة الظروف لعودة النازحين، وضمان الأمن وسيادة القانون.
هل يستطيع القائممقام الجديد كسر الحلقة؟
السؤال الحقيقي الذي سيواجه أي مسؤول جديد في سنجار هو: هل يستطيع أن يكون رجل دولة قبل أن يكون ممثلاً لأي جهة؟
إذا كان الجواب نعم، فقد يمثل التغيير الإداري فرصة لإطلاق مرحلة جديدة في سنجار.
أما إذا تحول المنصب إلى حلقة جديدة في سلسلة المحاصصة والتجاذبات، فلن يتغير شيء، وسيبقى المواطن يدفع ثمن الصراع بين القوى المختلفة.
سنجار اليوم لا تحتمل المزيد من التجارب الفاشلة، ولا تحتاج إلى خطابات جديدة، ولا إلى صراع جديد على النفوذ.
إنها تحتاج إلى الأمن، والإعمار، والعدالة، والتعويض، والخدمات، وعودة أهلها.
وتحتاج قبل كل شيء إلى إدارة تؤمن بأن المواطن السنجاري، أياً كان دينه أو انتماؤه، هو صاحب الحق الأول في مدينته.
فرصة أخيرة لبداية مختلفة
إن تكليف أي شخصية لإدارة سنجار يجب ألا يُنظر إليه بوصفه انتصاراً لجهة على أخرى، بل باعتباره اختباراً لقدرة الدولة العراقية على إنهاء واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في البلاد.
ولذلك، فإن الأمل لا ينبغي أن يكون في اسم القائممقام بحد ذاته، وإنما في مشروع الإدارة التي سيقودها.
فإذا كانت الإدارة الجديدة نزيهة، شفافة، خاضعة للرقابة، بعيدة عن المحسوبية والمساومات، وقادرة على جمع أبناء سنجار بدلاً من تقسيمهم، فقد تكون أمامها فرصة حقيقية لفتح صفحة جديدة.
صفحة عنوانها: عودة النازحين، إعمار سنجار، تعويض المتضررين، محاسبة المتورطين، وإنهاء سنوات التخبط والتعطيل.
وفي النهاية، فإن سنجار لا تحتاج إلى مزيد من التعنت السياسي والعجرفة السياسية، ولا إلى إعادة إنتاج الصراعات التي دفعت ثمنها المجتمعات المحلية، وفي مقدمتها المجتمع الإيزيدي.
لقد آن الأوان لأن تكون مصلحة سنجار وأهلها فوق مصالح الأحزاب والجهات والنفوذ.
فالسؤال لم يعد: من يسيطر على سنجار؟
بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً:
من يستطيع أن يعيد سنجار إلى أهلها؟




