Home مقالات من حلم الدولة إلى «جمهورية العائلتين» : سعيد پير مراد

من حلم الدولة إلى «جمهورية العائلتين» : سعيد پير مراد

0
252

 

المأسسة الناقصة، الزبائنية السياسية، اقتصاد الولاء وتآكل مشروع الدولة في إقليم كردستان العراق بعد 2003

From the Dream of Statehood to a “Republic of Two Families”:

Incomplete Institutionalization, Political Clientelism, the Economy of Loyalty, and the Erosion of the Statehood Project in the Kurdistan Region of Iraq

تتناول هذه الدراسة واحدة من أبرز مفارقات التجربة السياسية الكردية المعاصرة: ففي الوقت الذي حقق فيه أكراد العراق بعد عام 2003 مستوى غير مسبوق من الحكم الذاتي والاعتراف الدستوري والاستقلال الإداري والأمني والعلاقات الخارجية والوصول إلى الموارد الاقتصادية، لم يؤدِّ هذا التوسع في عناصر القوة شبه الدولتية إلى مأسسة سياسية موازية تستطيع تجاوز الولاءات الحزبية والعائلية والمناطقية.

تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن تعثر المشروع القومي الكردي في العراق لا يمكن تفسيره حصراً بالمعارضة التاريخية من بغداد أو الضغوط التركية والإيرانية أو مواقف القوى الدولية، بل ينبغي البحث أيضاً في الاختلالات الداخلية لنظام الحكم الكردي، وبالأخص استمرار الثنائية الحزبية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وتداخل الحزب مع مؤسسات الدولة، واتساع شبكات المحسوبية والزبائنية، وعدم استكمال توحيد المؤسسات الأمنية، وتأثير الاقتصاد الريعي النفطي في العلاقة بين السلطة والمجتمع.

وتستخدم الدراسة مفهوم «جمهورية العائلتين» بوصفه نموذجاً تحليلياً وليس توصيفاً قانونياً، للإشارة إلى درجة تركّز السلطة السياسية والحزبية في محيط عائلتي بارزاني وطالباني، مع تجنب افتراض أن الحزبين أو المجتمع السياسي الكردي يمكن اختزالهما كلياً في العائلتين. كما تقترح مفهوم «اقتصاد الولاء» لتفسير الكيفية التي يمكن من خلالها أن تتحول الوظائف والمناصب والامتيازات والموارد العامة إلى أدوات لإعادة إنتاج النفوذ السياسي.

وتجادل الدراسة بأن أزمة المشروع الكردي ليست أزمة قومية فحسب، بل أزمة انتقال من حركة تحرر إلى دولة مؤسسات. ويُستخدم استفتاء الاستقلال في 25 سبتمبر/أيلول 2017 وما أعقبه من فقدان السيطرة على كركوك بوصفه حالة اختبار تكشف الفجوة بين قوة الشعور القومي ومستوى الاستعداد المؤسساتي والاستراتيجي لتحقيق الدولة.

الكلمات المفتاحية: كردستان العراق؛ الدولة الكردية؛ الحزب الديمقراطي الكردستاني؛ الاتحاد الوطني الكردستاني؛ بارزاني؛ طالباني؛ الزبائنية؛ المحسوبية؛ الدولة الريعية؛ البيشمركة؛ استفتاء 2017؛ تركيا؛ إيران.

أولاً: المقدمة

يمثل حلم الدولة واحداً من أكثر العناصر ثباتاً في التاريخ السياسي الكردي الحديث. فمنذ انهيار الإمبراطورية العثمانية وإعادة تشكيل الحدود السياسية للشرق الأوسط، وجد الأكراد أنفسهم موزعين أساساً بين تركيا والعراق وإيران وسوريا، بينما أخفقت المشاريع والانتفاضات والحركات السياسية والعسكرية المتعاقبة في إنتاج دولة كردية مستقلة ومستدامة.

ويبين David McDowall في دراسته التاريخية المرجعية أن المسألة الكردية المعاصرة لا يمكن فصلها عن عملية بناء الدول القومية الحديثة في المنطقة، ولا عن النزاعات المتكررة بين تطلعات الحركة الكردية ومصالح الدول التي يعيش الأكراد داخلها.[1] أما David Romano فيفسر صعود الحركات القومية الكردية من خلال التفاعل بين الهوية والفرص السياسية والقدرة على التعبئة، بدلاً من التعامل مع القومية بوصفها نتيجة آلية لوجود هوية إثنية مشتركة.[2]

وفي هذا التاريخ الطويل تحتل التجربة العراقية موقعاً فريداً. فقد أدى انسحاب مؤسسات الدولة العراقية من معظم مناطق كردستان عقب حرب الخليج وانتفاضة عام 1991، ثم الانتخابات البرلمانية الكردية عام 1992، إلى نشوء كيان سياسي كردي يتمتع باستقلال فعلي متزايد. ومع سقوط نظام صدام حسين عام 2003، انتقل هذا الكيان من وضع سياسي غير مستقر إلى مكوّن دستوري معترف به في العراق الاتحادي.

لقد أصبحت كردستان العراق، وفق تعبير Denise Natali، أقرب إلى quasi-state؛ أي كيان يمتلك كثيراً من خصائص الدولة ولكنه يستمر في الاعتماد على بيئة قانونية واقتصادية وجيوسياسية أكبر منه.[3] أما Ofra Bengio فقد وصفت التطور الكردي في العراق بأنه عملية «بناء دولة داخل دولة»، وهي صياغة تلخص إلى حد كبير الطموح والحدود التي ميزت تجربة الإقليم.[4]

كان من المتوقع نظرياً أن تؤدي المكاسب التي تحققت بعد 2003 إلى تعزيز هذا المسار: دستور اتحادي، برلمان وحكومة إقليميان، قوات أمنية، سيطرة على الإدارة الداخلية، علاقات خارجية مباشرة، واستثمارات وموارد نفطية.

لكن السؤال الذي يشكل منطلق هذه الدراسة هو:

لماذا لم يؤدِّ تراكم عناصر القوة شبه الدولتية إلى بناء مؤسسات سياسية موحدة ومستقلة بالدرجة نفسها؟

هذه المفارقة هي محور البحث.

ثانياً: سؤال الدراسة والفرضية المركزية

السؤال الرئيس هو:

إلى أي مدى أسهمت شخصنة السلطة، والزبائنية السياسية، والانقسام الحزبي والمؤسساتي، والاقتصاد الريعي، والاعتماد الخارجي في إضعاف قدرة إقليم كردستان العراق على تحويل الحكم الذاتي إلى مشروع مستدام لبناء الدولة؟

ويتفرع عنه عدد من الأسئلة: هل استطاع الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الانتقال من منطق التنظيم الثوري إلى منطق مؤسسات الدولة؟ ما موقع العائلة في عملية إنتاج النخبة السياسية؟ هل تحولت الوظيفة العامة في بعض المجالات إلى آلية من آليات بناء الولاء؟ وما أثر استمرار الانقسام الأمني على المشروع القومي؟

وتقوم الفرضية الرئيسة على أن:

أكبر عائق داخلي أمام تطور التجربة الكردية من حكم ذاتي إلى مشروع دولة لا يتمثل في غياب المؤسسات الرسمية، بل في عدم اكتمال استقلال هذه المؤسسات عن البنى الحزبية وشبكات المصالح التي سبقت تأسيسها.

وبصياغة أخرى، فإن كردستان العراق لا تعاني من «غياب الدولة» بقدر ما تواجه مشكلة عدم اكتمال عملية تحويل الحزب إلى مؤسسة سياسية داخل الدولة بدلاً من استمرار الدولة بوصفها مجالاً لعمل الحزب.

ثالثاً: الإطار النظري

تجمع الدراسة بين أربعة أطر نظرية.

الأول هو أدبيات الدول بحكم الواقع والدول شبه المستقلة. فوجود حكومة وقوات أمن وسياسة اقتصادية وعلاقات دولية لا يعني وحده اكتمال الدولة. لقد أظهر Johannes Jüde أن تشكل كردستان العراق كدولة بحكم الواقع ارتبط بعوامل داخلية وخارجية وبالتعاون والتنافس بين الحزبين الرئيسيين في آن واحد.[5]

الإطار الثاني هو الزبائنية السياسية. والمقصود بها علاقة تبادل يكون فيها الوصول إلى مورد أو وظيفة أو حماية أو منفعة مرتبطاً، بدرجات مختلفة، بعلاقة الولاء السياسي.

والزبائنية لا تعني بالضرورة الفساد الجنائي. فقد تكون الممارسة قانونية شكلاً، لكنها تؤدي إلى تشويه مبدأ تكافؤ الفرص حين يصبح الانتماء إلى شبكة سياسية عاملاً في الحصول على المنصب أو المورد.

وتقدم دراسة Farhad Hassan Abdullah Mamshai حول الفساد الحزبي في كردستان أساساً مهماً لهذه الفرضية. فقد ربطت الدراسة بين هيمنة الأحزاب الحاكمة وضعف النظام الحزبي التنافسي واتساع نطاق أنماط الفساد والمحسوبية السياسية.[6]

أما الإطار الثالث فهو تسييس البيروقراطية.

وتكتسب هنا دراسة Ari Mamshae المنشورة عام 2026 أهمية خاصة؛ إذ تستخدم تحليلاً مختلطاً لبيانات 115 تعييناً في منصب مدير عام في حكومة إقليم كردستان، إلى جانب مقابلات مع نخب ومسؤولين، لدراسة أثر الاعتبارات الإقليمية والحزبية في التعيينات العليا. وتخلص الدراسة إلى وجود «مرشح سياسي مزدوج»، يبقى فيه الولاء الحزبي معياراً رئيساً بينما تعمل الاعتبارات الإقليمية بوصفها آلية توزيع إضافية.[7]

وتتفق هذه النتيجة مع الأدبيات الأوسع عن استمرار أنماط المحسوبية والتسييس في البيروقراطية العراقية بعد عام 2003، وإن تغيرت أشكالها وآليات عملها بتغير النظام السياسي.[8]

أما الإطار الرابع فهو الدولة الريعية، حيث تعتمد السلطة بدرجة كبيرة على موارد لا تأتي مباشرة من الضرائب التي يدفعها المواطن. وفي مثل هذه الاقتصادات يمكن أن يتراجع الضغط المجتمعي التقليدي الذي يربط بين الضرائب والتمثيل والمساءلة.

وقد تناول Sarwar Abdullah وTim Gray قيود التنويع الاقتصادي في إقليم كردستان، وخلصا إلى أن بنية الاقتصاد السياسي ومصالح النخب الحزبية تشكل عقبات مهمة أمام تطوير قطاع خاص مستقل وتنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط.[9]

رابعاً: المنهجية وحدود الدراسة

تعتمد الدراسة على منهج دراسة الحالة التفسيرية، وتجمع بين التاريخ السياسي والاقتصاد السياسي والتحليل المؤسساتي.

وتستخدم ثلاث فئات من المصادر:

أولاً، الدراسات والمقالات المنشورة في الدوريات الأكاديمية المحكمة والكتب الصادرة عن دور نشر جامعية مرموقة.

ثانياً، الدراسات الصادرة عن مراكز أبحاث دولية معروفة، وخاصة حين تتناول ملفات يصعب الوصول إلى بياناتها الرسمية، مثل شبكات الرعاية الحزبية وإصلاح القطاع الأمني.

ثالثاً، المصادر الحكومية والقانونية والصحفية الموثوقة لتثبيت تواريخ الأحداث والقرارات والتطورات الحديثة.

وتتعمد الدراسة عدم استخدام الادعاءات المتداولة بشأن «ثروات» شخصيات سياسية بعينها بوصفها حقائق ما لم تكن مدعومة بوثائق قابلة للتحقق أو أحكام أو بيانات مالية موثوقة.

ومن ثم، فإن مصطلح «أسرنة السلطة» المستخدم في البحث لا يعني اتهام أي عائلة بالاستيلاء غير القانوني على الدولة، وإنما يبحث درجة تركّز القيادة العليا وانتقال النفوذ داخل دوائر قرابة محددة، وآثاره في استقلال المؤسسات.

خامساً: 1991–2003: ولادة الكيان ومشكلة السلطتين

أوجدت انتفاضة 1991 ومنطقة الحظر الجوي فرصة تاريخية للحركة الكردية في العراق.

وأجريت الانتخابات البرلمانية عام 1992، لكن التقارب الكبير بين قوة الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني لم ينتج نظاماً تنافسياً مستقراً بقدر ما أدى لاحقاً إلى صراع على الموارد والنفوذ.

وتطورت الأزمة إلى حرب أهلية كردية خلال التسعينيات، أسست عملياً لبنيتين إداريتين وأمنيتين وسياسيتين. وقد تناول Gareth Stansfield بصورة موسعة نشوء النظام السياسي الكردي بعد 1991، والانقسام بين الحزبين وما ترتب عليه من هياكل حكم متوازية.[10]

أصبحت أربيل ودهوك مركز الثقل التقليدي للحزب الديمقراطي، بينما أصبحت السليمانية مركز الثقل للاتحاد الوطني.

هذه المرحلة مهمة لأن كثيراً من مشكلات النظام اللاحق لم تبدأ بعد 2003.

بل العكس: دخل الأكراد النظام العراقي الجديد وهم يحملون معهم تراث دولتين حزبيتين داخل إقليم واحد.

ولهذا فإن توحيد حكومة الإقليم لاحقاً لم يكن يعني بصورة آلية زوال البنية التاريخية للمنطقتين.

وقد أوضح Beston Husen Arif أن الاتفاق الاستراتيجي بين الحزبين أسهم في منع تجدد الصراع العنيف وفي توحيد الإدارتين، لكنه لم يكن بالفاعلية نفسها في بناء مؤسسات مستقرة ومستقلة عن المصالح الحزبية.[11]

وهنا يظهر أول تناقض جوهري في المشروع:

نجح الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني في منع انهيار المشروع الكردي، لكن الآلية التي حققت الاستقرار ـ تقاسم النفوذ ـ أصبحت لاحقاً إحدى العقبات أمام بناء مؤسسات تتجاوز الحزبين.

سادساً: 2003 والفرصة التاريخية

غيّر سقوط نظام صدام حسين بصورة جذرية مكانة أكراد العراق.

لم يعد الهدف المباشر هو حماية منطقة الحكم الذاتي من هجوم بغداد، بل أصبح الأكراد شركاء في صياغة النظام العراقي الجديد.

وفتحت المرحلة أمام القيادة الكردية فرصة لم تتوافر لأي جيل سياسي كردي سابق: إمكانية استخدام العراق الاتحادي منصةً لبناء مؤسسات كردية قوية على مدى طويل.

وفي الوقت نفسه بدأت حكومة الإقليم تمارس شكلاً واسعاً من الدبلوماسية الموازية (Paradiplomacy)، عبر فتح ممثليات وإقامة علاقات اقتصادية وسياسية مباشرة مع دول وشركات خارجية. وقد درس Hemin K. Mohammed وFrancis Owtram هذه الظاهرة في العلاقات الخارجية لحكومة إقليم كردستان بين 2003 و2010.[12]

كانت تلك المرحلة أقرب لحظة تاريخية إلى إمكانية بناء «الدولة قبل الاستقلال».

لكنها طرحت اختباراً:

هل ستتحول الموارد التي حصل عليها الحزبان إلى مؤسسات مستقلة؟ أم ستتحول المؤسسات إلى امتداد جديد لشبكات الحزبين؟

تشير الأدبيات المتعلقة بالمحسوبية إلى أن جزءاً مهماً من تدفق الموارد بعد 2003 ساعد على توسع شبكات الرعاية السياسية. وقد خلص Zmkan Ali Saleem وMac Skelton إلى أن النظام السياسي في الإقليم اعتمد بدرجة مهمة على شبكات حزبية مرتبطة بالتوظيف الحكومي والعقود والمواقع الأمنية، وأن هذه الشبكات أصبحت جزءاً بنيوياً من طريقة إدارة التوازن بين الحزبين.[13]

سابعاً: من الثنائية الحزبية إلى «جمهورية العائلتين»

من الضروري التمييز بين الحزب والعائلة.

فالحزب الديمقراطي الكردستاني تنظيم تاريخي يمتد إلى ما قبل النظام الحالي بعقود ويضم آلاف الكوادر وشبكات اجتماعية واسعة.

والأمر نفسه، بدرجة مختلفة، ينطبق على الاتحاد الوطني.

إلا أن استمرار أفراد من عائلتي بارزاني وطالباني في قمة الهرم السياسي والحزبي والأمني يثير إشكالية كلاسيكية في علم السياسة تتعلق بشخصنة المؤسسات.

ولا تكمن المشكلة في وجود أبناء أو أقارب لقادة سياسيين في الحياة العامة؛ فهذا أمر موجود حتى في ديمقراطيات مستقرة.

السؤال هو:

هل توجد آليات مؤسساتية تسمح بتداول حقيقي للنخبة خارج الدائرة العائلية، أم تتحول القرابة بمرور الوقت إلى أحد مصادر رأس المال السياسي؟

ولهذا تستخدم الدراسة مصطلح «جمهورية العائلتين» بصورة مجازية وتحليلية.

فهو لا يعني أن العائلتين تملكان الإقليم قانونياً، وإنما يشير إلى ظاهرة تتكون عندما تتقاطع خمسة مجالات:

الحزب، الدولة، الأجهزة الأمنية، الاقتصاد، والعائلة.

إذا تركزت هذه المجالات في الدوائر نفسها، يصبح الفصل بين السلطة العامة والنفوذ الخاص أكثر صعوبة.

ومن هنا يصبح الإصلاح أكثر من مجرد تغيير وزراء.

إنه يتطلب تغيير قواعد إنتاج النخبة نفسها.

ثامناً: اقتصاد الولاء

تقترح هذه الدراسة مفهوم «اقتصاد الولاء» بوصفه أحد إسهاماتها التحليلية.

ويقصد به نظاماً تصبح فيه بعض الموارد التي تتحكم فيها الدولة أو الأحزاب ـ وظائف، مناصب، عقود، أراضٍ، تسهيلات، حماية سياسية ـ أدوات محتملة لبناء الولاء والمحافظة عليه.

ويمكن تمثيل الآلية على النحو الآتي:

موارد عامة → توزيع سياسي → ولاء → استمرار النخبة → استمرار السيطرة على الموارد.

هذه الدائرة ذاتية التغذية.

وتظهر دراسة Saleem وSkelton أن التوظيف الحكومي والوصول إلى العقود والمواقع داخل أجهزة الأمن يمكن أن تعمل من خلال قنوات مرتبطة بالحزب، وهو ما يجعل المحسوبية عنصراً مهماً في تفسير النظام السياسي للإقليم.[14]

لكن من المهم عدم الوقوع في التعميم.

ليس كل موظف حكومي تابعاً لحزب.

وليس كل مسؤول عُيّن بسبب المحسوبية.

وليس كل شركة تحصل على عقد مرتبطة بالسلطة.

المعيار العلمي ليس إثبات أن كل حالة فاسدة، بل إثبات أن الولاء السياسي يمثل متغيراً ذا أثر منتظم.

وهنا تعود أهمية دراسة Mamshae المتعلقة بالتعيينات العليا، لأنها توفر دليلاً تجريبياً يتجاوز الانطباعات العامة.[7]

تاسعاً: «مملكة العبيد» بوصفها استعارة تحليلية

يمكن الآن إعادة إدخال التعبير الأكثر استفزازاً الذي انطلقت منه الدراسة: «مملكة العبيد».

لكن استخدامه أكاديمياً يحتاج إلى تعريف.

لا يقصد بالعبودية هنا العبودية القانونية أو التاريخية، ولا يراد وصف المجتمع الكردي بأنه مجتمع مستعبد.

المقصود هو بنية حوافز سياسية يمكن أن تجعل الطاعة أكثر ربحية من الاستقلال.

فعندما يعلم المسؤول أن صعوده السياسي مرتبط برضا قيادة حزبية وليس بتقييم مؤسسة مستقلة، ستزداد كلفة الاعتراض.

وعندما يعلم رجل الأعمال أن الوصول إلى الدولة قد يعتمد على علاقاته السياسية، تضعف الحوافز للمنافسة المستقلة.

وعندما يرى الموظف أن الترقية مرتبطة بالشبكة أكثر من الأداء، تتغير الثقافة الإدارية نفسها.

بهذا المعنى يمكن تعريف «عبودية الولاء» بأنها:

الحالة التي يصبح فيها الاستقلال المهني مخاطرة سياسية بينما تصبح الطاعة مورداً قابلاً للتحويل إلى فرصة أو منصب أو حماية.

ومن هنا تنشأ ظاهرة أخطر من الفساد المالي:

الانتقاء السلبي للنخبة.

فالنظام الذي يفضل الولاء على الكفاءة لا يختار بالضرورة أسوأ الأفراد، لكنه قد يدفع الأشخاص الأكفأ إلى تعلم أن النجاح يتطلب التكيف مع السياسة لا تحديها.

وبمرور جيل كامل، يمكن لذلك أن يغيّر طبيعة الإدارة العامة.

عاشراً: النفط والدولة الريعية

لعب النفط دوراً مزدوجاً في المشروع السياسي الكردي.

فمن جهة وفر الموارد الضرورية للاستثمار والإعمار وبناء المؤسسات.

ومن جهة أخرى خلق إمكانية الاستقلال المالي النسبي عن بغداد.

لكن النفط حمل معه مشكلة كلاسيكية للدول الريعية.

فعندما تكون نسبة كبيرة من دخل السلطة متأتية من مورد طبيعي وليس من الضرائب المباشرة، يمكن أن يختل التوازن بين الدولة والمواطن.

وقد خلص Abdullah وGray إلى أن القيود السياسية على التنويع الاقتصادي في إقليم كردستان مرتبطة جزئياً بمصالح النخب الحاكمة وبغياب الحوافز الكافية للسماح بنشوء قطاع خاص مستقل اقتصادياً يمكن أن يحد من الاعتماد على الاقتصاد الريعي.[9]

والنتيجة المهمة هنا هي:

الثروة النفطية لا تنتج السيادة تلقائياً. بل يمكن أن تنتج تبعية جديدة.

فتصدير النفط يحتاج إلى خطوط أنابيب.

والأنابيب تمر عبر دول أخرى.

والعائدات تتأثر بالعلاقة مع بغداد.

والشركات تحتاج إلى إطار قانوني.

والأسواق تحتاج إلى استقرار.

وهكذا قد يتحول المورد الذي يفترض أن يدعم الاستقلال إلى مصدر اعتماد متبادل مع قوى خارجية.

الحادي عشر: البيشمركة ومفارقة الجيش غير الموحد

لا يمكن لأي مشروع لبناء دولة أن يتجاوز سؤال القوة المسلحة.

وهنا تواجه كردستان إحدى أكبر مفارقاتها.

فالقوات الكردية تمتلك تاريخاً عسكرياً طويلاً، وأدت دوراً محورياً في مواجهة تنظيم داعش.

لكن عملية تحويل القوات الحزبية التاريخية إلى مؤسسة عسكرية موحدة تابعة حصراً لحكومة الإقليم بقيت غير مكتملة.

وقد خلص Sardar Aziz وAndrew Cottey في دراستهما عن إصلاح البيشمركة إلى أن جهود الإصلاح والتحديث تواجه عائقاً أساسياً يتمثل في استمرار الانقسام العميق بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني واحتفاظ الحزبين بمصالح أمنية مرتبطة بقواتهما، بما يحد من إمكانية بناء قوة عسكرية موحدة بالكامل.[15]

وهذا يقود إلى السؤال المركزي:

كيف يمكن بناء دولة واحدة إذا لم تحتكر حكومة واحدة بصورة كاملة استخدام القوة المسلحة؟

فالجيش ليس مجرد أداة دفاع.

إنه أحد أكثر تجليات السيادة أهمية.

وجود قوتين سياسيتين لكل منهما تاريخ من القوات والأجهزة التابعة لها يعني أن النزاع السياسي يحمل دائماً إرث إمكانية الانقسام الأمني.

الثاني عشر: البرلمان والمعارضة وأزمة التمثيل

قد يجادل المدافعون عن النظام بأن كردستان تمتلك انتخابات وبرلماناً وأحزاب معارضة، وهذا صحيح.

ولا ينبغي تجاهله.

فقد شهد الإقليم تطور قوى معارضة مختلفة على مدى السنوات، بما في ذلك حركة التغيير ثم قوى أحدث.

كما أظهرت انتخابات برلمان كردستان في أكتوبر/تشرين الأول 2024 استمرار المنافسة السياسية؛ إذ حصل الحزب الديمقراطي الكردستاني على 39 مقعداً، والاتحاد الوطني الكردستاني على 23 مقعداً من أصل 100، فيما توزعت بقية المقاعد على قوى سياسية أخرى ومقاعد المكونات.[16]

لكن وجود الانتخابات وحده لا يحل مشكلة المأسسة.

فالديمقراطية لا تقاس فقط بالسؤال:

هل يستطيع المواطن التصويت؟

بل أيضاً:

هل تستطيع المعارضة الوصول إلى الموارد الإعلامية بصورة عادلة؟

هل يستطيع البرلمان مراقبة السلطة التنفيذية؟

هل تتغير مراكز النفوذ عندما تتغير الأصوات؟

هل تستطيع المؤسسة العامة العمل بمعزل عن الحزب المسيطر في منطقتها؟

وقد تناول Shivan Aziz هذه الإشكالية بوصفها أزمة تمثيل، رابطاً بين استمرار هيمنة الحزبين وشبكات الزبائنية وضعف قدرة القوى المنافسة على تغيير بنية النظام السياسي.[17]

الثالث عشر: الإعلام بوصفه اختباراً للمؤسسة

تشكل حرية الصحافة أحد أكثر الاختبارات حساسية في الأنظمة التي تتركز فيها السلطة.

ففي النظام المؤسساتي يحتاج الحكم إلى إعلام مستقل لأنه يعمل كأداة إنذار مبكر تكشف الأخطاء والفساد.

أما في النظام الشخصاني، فقد يُنظر إلى النقد باعتباره تهديداً للسلطة.

وقد وثقت منظمات دولية معنية بحرية الصحافة خلال السنوات الأخيرة حالات اعتقال واعتداء ومنع للصحفيين أثناء أداء عملهم في إقليم كردستان، بما في ذلك أحداث مرتبطة بتغطية الاحتجاجات بشأن الرواتب.[18]

ولا يعني ذلك عدم وجود صحافة نشطة أو إعلام نقدي في كردستان؛ بل توجد مساحة إعلامية مهمة وتعدد في المؤسسات والاتجاهات.

لكن التحدي يكمن في جعل حرية الصحافة حقاً مؤسسياً لا مساحة تتغير وفق الموضوع والجهة السياسية.

والقاعدة بسيطة:

كلما أصبح الصحفي أكثر خوفاً من التحقيق في علاقة المال بالسلطة، ازدادت قدرة شبكات المصالح على العمل بعيداً عن المساءلة.

الرابع عشر: بغداد وأربيل ـ خطأ تفسير كل الأزمة من الداخل

حتى لا تتحول الدراسة إلى إدانة أحادية للنخبة الكردية، من الضروري وضع أزمة الإقليم في السياق الاتحادي العراقي.

فجزء كبير من أزمات الرواتب والموازنة والنفط ناتج أيضاً عن عدم استقرار العلاقة القانونية والمالية بين أربيل وبغداد.

وقد كان الخلاف بشأن من يملك حق إنتاج النفط وتصديره وإدارة الإيرادات واحداً من أكثر النزاعات استمراراً منذ 2003.

ولذلك فإن أزمة الرواتب لا يمكن تفسيرها كلها بالفساد أو سوء الإدارة داخل الإقليم.

بل هي نتيجة تفاعل بين:

ضعف الاقتصاد غير النفطي، الخلافات الاتحادية، إدارة الإيرادات، تضخم القطاع العام، تقلب أسعار الطاقة، وسياسات بغداد وأربيل معاً.

إن البحث الجاد يجب أن يرفض التفسير الذي يحمّل طرفاً واحداً كل المسؤولية.

الخامس عشر: تركيا ـ من العداء إلى الشراكة ثم الاعتماد

شهدت علاقة تركيا بإقليم كردستان واحداً من أكثر التحولات إثارة في السياسة الإقليمية.

فتركيا التي كانت تنظر إلى نشوء كيان كردي قوي شمال العراق بقلق شديد أصبحت لاحقاً واحداً من أهم شركاء الإقليم في التجارة والطاقة والاستثمار.

وقد تناولت Christina Bache تطور الحضور الواسع للقطاع الخاص التركي في إقليم كردستان، وطرحت سؤالاً مهماً حول ما إذا كانت العلاقة الاقتصادية بين الطرفين تمثل اعتماداً متبادلاً أم علاقة غير متوازنة.[19]

لكن العلاقات الاقتصادية لا يمكن تصنيفها تلقائياً كـ«اختراق».

فالاعتماد الاقتصادي المتبادل قد يكون مفيداً للطرفين.

المشكلة تظهر عندما تصبح العلاقة غير متكافئة بدرجة تسمح لأحد الطرفين بتحويل الاعتماد الاقتصادي إلى نفوذ سياسي.

ويمثل خط أنابيب كردستان–تركيا مثالاً واضحاً.

لقد منح الإقليم طريقاً لتصدير النفط بعيداً عن البنية التقليدية العراقية، لكنه في الوقت نفسه جعل جزءاً من استراتيجية الطاقة الكردية مرتبطاً بتركيا.

وهكذا ظهرت مفارقة:

محاولة تقليل الاعتماد على بغداد أدت إلى زيادة الاعتماد على أنقرة.

وهذا لا يثبت وجود «مؤامرة تركية».

بل يثبت قانوناً جيوسياسياً أبسط:

الكيان غير الساحلي الذي يريد تصدير موارده سيعتمد على جيرانه.

والسؤال الحقيقي هو كيف يدير هذا الاعتماد دون أن يتحول إلى تبعية.

السادس عشر: إيران والتنافس على الساحة الكردية

كما أن التركيز على تركيا وحدها يُضعف الدراسة.

فإيران تمتلك تاريخاً عميقاً من العلاقات مع القوى السياسية الكردية العراقية، خصوصاً الاتحاد الوطني، كما ترتبط علاقتها بالإقليم بمخاوفها الأمنية من الجماعات الكردية الإيرانية الموجودة في العراق.

ومن ثم أصبحت كردستان مساحة يتقاطع فيها النفوذ التركي والإيراني.

لكن العامل الحاسم ليس قوة الجيران وحدها.

فالنفوذ الخارجي يصبح أكثر قدرة على العمل عندما تكون السياسة الداخلية منقسمة.

يمكن صياغة المعادلة على النحو التالي:

الانقسام الداخلي × الحاجة الاقتصادية والأمنية = تضاعف قدرة القوى الخارجية على التأثير.

فإذا تفاوض الإقليم مع الدول المجاورة بصوت واحد، يصبح نفوذها قابلاً للموازنة.

أما إذا امتلك كل حزب شبكة علاقات خارجية مختلفة، فإن الخارج يستطيع التعامل مع مراكز القوة الكردية بصورة منفصلة.

السابع عشر: 25 سبتمبر 2017 ـ ذروة الحلم

بلغ المشروع القومي الكردي ذروة رمزية في استفتاء 25 سبتمبر/أيلول 2017.

ووفق النتائج المعلنة، بلغت نسبة التصويت بـ«نعم» للاستقلال 92.73 في المئة من الأصوات الصحيحة.[20]

كانت النتيجة من أوضح التعبيرات الحديثة عن استمرار قوة الهوية القومية والرغبة في تقرير المصير.

لكن التاريخ لم يحكم على الاستفتاء من خلال صناديق الاقتراع وحدها.

بعد أقل من شهر تغير ميزان القوى بصورة دراماتيكية.

استعادت القوات العراقية السيطرة على كركوك في 16 أكتوبر/تشرين الأول، وفقد الإقليم أجزاء مهمة من الأراضي التي كان يسيطر عليها منذ الحرب ضد داعش.

وقد تناولت دراسات أكاديمية استفتاء 2017 من زوايا مختلفة؛ فبحث Hawre Hasan Hama دوافع الحزب الديمقراطي الكردستاني العامة والخاصة لإجراء الاستفتاء، بينما ربط Nicola Degli Esposti الاستفتاء بالبنية الأوسع للاقتصاد السياسي والقومية الكردية وتوازنات السلطة داخل الإقليم.[21]

الثامن عشر: كركوك ـ من خان من؟

بعد سقوط كركوك بدأت سرديات الاتهام.

اتهمت أطراف في الحزب الديمقراطي قيادات في الاتحاد الوطني بالتوصل إلى تفاهمات أدت إلى انسحاب القوات.

ورد خصومهم بأن القيادة التي دفعت نحو الاستفتاء دون توافق دولي تتحمل المسؤولية السياسية عن الأزمة.

لكن الدراسة العلمية لا ينبغي أن تتحول إلى محكمة تعيد إنتاج الخطاب الحزبي.

السؤال الأكثر أهمية هو:

كيف وصل المشروع الكردي إلى أهم لحظة استراتيجية منذ عقود بينما بقيت القيادة السياسية والعسكرية منقسمة إلى درجة سمحت بحدوث الانهيار بهذه السرعة؟

وهنا تكشف كركوك عن المشكلة الأعمق.

لو كانت هناك قيادة أمنية واحدة وسلسلة قيادة واحدة واستراتيجية خارجية واحدة، لما كان ممكناً لأي حزب أن ينفرد بقرار عسكري على هذا المستوى.

ومن ثم، فإن أزمة كركوك ليست فقط قصة قرار اتخذه هذا الطرف أو ذاك.

إنها قصة المؤسسات التي لم تُبنَ قبل اتخاذ القرار التاريخي.

التاسع عشر: لماذا فشل الاستفتاء في إنتاج الدولة؟

لم يفشل الاستفتاء لأن غالبية السكان لم ترغب في الاستقلال.

النتيجة تقول العكس.

لكنه اصطدم بستة اختلالات كبرى: غياب الإجماع الداخلي الكامل، الانقسام الأمني، اعتماد اقتصادي كبير على الجوار، معارضة بغداد، معارضة تركيا وإيران، وغياب الدعم الدولي الضروري.[21]

وهنا تظهر قاعدة أساسية في السياسة الدولية:

حق تقرير المصير لا يعادل تلقائياً القدرة على تأسيس دولة.

بين الحق والواقع توجد القوة والمؤسسات والاقتصاد والتحالفات.

كان الاستفتاء ناجحاً بوصفه تعبيراً ديمقراطياً عن الإرادة القومية، لكنه لم يكن مصحوباً بميزان قوة يسمح بتحويل النتيجة إلى استقلال.

وهنا يمكن الحديث عن فجوة بين القومية والاستراتيجية.

العشرون: هل انتهى حلم الدولة بعد 2017؟

لا.

هذه الدراسة لا تتبنى فرضية نهاية القومية الكردية.

بل ترى أن ما تضرر بعد 2017 هو المصداقية الاستراتيجية لمسار الاستقلال في الأمد القصير.

والتمييز أساسي.

فالقومية هوية ومشروع تاريخي طويل.

أما إعلان الدولة فهو قرار سياسي يحتاج إلى ظروف محددة.

يمكن للمشروع القومي أن يبقى قوياً رغم غياب الفرصة المناسبة للاستقلال.

لكن الأخطر هو أن يؤدي سوء الحكم إلى تغيير نظرة المواطن نفسه إلى الدولة المنشودة.

فإذا أصبح الشاب الكردي يرى أن الدولة المحتملة ستعيد إنتاج المحسوبية نفسها ولكن خلف حدود دولية جديدة، فإن جاذبية الاستقلال قد تصبح أقل مما كانت عليه لدى الأجيال السابقة.

ومن هنا يصبح الحكم الرشيد جزءاً من المشروع القومي نفسه.

الحادي والعشرون: هل أثّر النموذج العراقي في أكراد سوريا وتركيا؟

ينبغي رفض العلاقة السببية المباشرة.

فالحركة الكردية التركية نشأت في سياق مختلف، وحزب العمال الكردستاني يمتلك تاريخاً وأيديولوجية وعلاقة مع الدولة التركية لا يمكن تفسيرها من أربيل.

كما أن تجربة الإدارة الكردية في شمال شرق سوريا تشكلت نتيجة الحرب السورية وصعود تنظيم داعش والدعم الأمريكي والتحالفات المحلية، وليس نتيجة التجربة العراقية وحدها.

ومع ذلك، هناك نوع آخر من التأثير:

قوة النموذج.

لو تحولت كردستان العراق إلى نموذج مزدهر لديمقراطية مؤسساتية واقتصاد متنوع وقضاء مستقل وجيش موحد، فإن ذلك كان سيمنح الحركات الكردية في البلدان الأخرى نموذجاً شديد الجاذبية.

أما إذا ارتبط النموذج بالانقسام والمحسوبية وتأخر الرواتب والصراع الداخلي، فإن قوته الرمزية تتراجع.

وبهذا المعنى يمكن أن يكون لفشل المأسسة في العراق أثر عابر للحدود، ولكن باعتباره تأثيراً نموذجياً لا سبباً مباشراً لفشل الحركات الأخرى.

الثاني والعشرون: «الدولة التي لم تُبنَ داخل الإقليم»

هنا نصل إلى جوهر الدراسة.

منذ 2003 كان النقاش الكردي ينظر كثيراً إلى الدولة بوصفها مشكلة حدود:

متى نستقل عن العراق؟

لكن التجربة توحي بأن السؤال السابق منطقياً ينبغي أن يكون:

ما الذي يجعل المؤسسات القائمة اليوم قابلة للتحول غداً إلى مؤسسات دولة مستقلة؟

الدولة ليست علماً ونشيداً وحدوداً.

الدولة هي:

قضاء يستطيع الحكم ضد السلطة.

جيش يتبع الحكومة لا الحزب.

وزارة توظف على أساس الكفاءة.

موازنة يعرف المواطن أين تُصرف.

برلمان يستطيع مراقبة الحكومة ومساءلتها.

صحافة تستطيع التحقيق في أموال المسؤول.

وشركة تستطيع المنافسة دون البحث عن واسطة سياسية.

إذا لم توجد هذه العناصر، فإن إعلان الدولة لا يعالج المشكلة.

إنه فقط ينقلها من إقليم اتحادي إلى دولة مستقلة.

الثالث والعشرون: هل الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني وحدهما مسؤولان؟

ليس بالكامل.

وهذه نقطة يجب تأكيدها كي تبقى الدراسة علمية.

فالحزبان لعبا أدواراً تاريخية أساسية في حماية الوجود السياسي الكردي.

كما أن قادتهما وكوادرهما دفعوا أثماناً كبيرة في الصراع مع الحكومات العراقية المتعاقبة.

ولا يمكن كتابة تاريخ الحكم الذاتي دون الاعتراف بهذا الدور.

كذلك لا يمكن فهم مشكلات الإقليم دون أخذ البيئة العراقية والإقليمية بعين الاعتبار.

لكن الشرعية التاريخية لا تلغي المساءلة المعاصرة.

وقد يكون أحد أخطر الأخطاء التي تقع فيها حركات التحرر هو استخدام الماضي النضالي لمنح الحاضر السياسي حصانة من النقد.

الحزب الذي حرر المجتمع لا يكتسب بذلك حقاً دائماً في حكمه.

وهنا تكمن نقطة الانتقال من الثورة إلى الديمقراطية.

في حركة التحرر تكون الشرعية نضالية.

في الدولة تكون الشرعية قانونية وانتخابية ومؤسساتية.

الرابع والعشرون: مأزق الجيل التاريخي

يمكن تفسير جزء من أزمة كردستان بوصفها مشكلة انتقال أجيال.

الجيل الذي قاتل في الجبال كان يحتاج إلى الانضباط والثقة بالقيادة والسرية.

أما الدولة فتحتاج إلى العكس تقريباً:

الشفافية، توزيع السلطة، المؤسسات، المعارضة، التدقيق، وقبول إمكانية تغيير الحاكم.

وهكذا تنشأ صعوبة نفسية وسياسية.

فالزعيم الذي اعتاد أن ينظر إلى الحزب باعتباره عائلة نضالية قد يجد من الصعب النظر إلى المعارض باعتباره مجرد منافس شرعي.

وقد تصبح الدولة امتداداً لذاكرة الحركة السرية.

هذه الظاهرة ليست كردية حصراً.

لقد ظهرت في كثير من حركات التحرر التي تحولت إلى حكومات.

ومن هنا فإن المشكلة ليست «طبيعة كردية» ولا ثقافة ثابتة.

إنها إحدى مشكلات الانتقال من الثورة إلى المؤسسة.

الخامس والعشرون: ثلاثة سيناريوهات حتى 2040

يمكن استناداً إلى الاتجاهات الحالية تصور ثلاثة مسارات.

السيناريو الأول: الاستمرار التكيفي. يبقى الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني القوتين الرئيسيتين، وتستمر التسويات بينهما مع إصلاحات محدودة. يحافظ الإقليم على حكمه الذاتي، لكن فكرة الاستقلال تبقى مؤجلة بينما يزداد اعتماده المالي والقانوني على بغداد. وهذا هو السيناريو الأكثر احتمالاً إذا لم تحدث تحولات داخلية كبيرة.

السيناريو الثاني: الانقسام المؤسساتي الأعمق. تتفاقم الخلافات بين أربيل والسليمانية، فتتحول الوحدة الحكومية بصورة أكبر إلى مظلة رسمية فوق نظامين سياسيين واقتصاديين وأمنيين. وفي هذه الحالة يصبح المشروع القومي نفسه معرضاً للخطر، لأن أي فرصة إقليمية مستقبلية للاستقلال ستواجه المشكلة نفسها التي ظهرت في 2017.

السيناريو الثالث: التحول المؤسساتي. يبدأ جيل سياسي جديد بتفكيك تدريجي لنظام المحاصصة الحزبية، وتوحيد البيشمركة، وإصلاح الخدمة المدنية، وشفافية الإيرادات، والفصل بين القيادة الحزبية والإدارة الحكومية، وبناء استقلال القضاء والإعلام.

السيناريو الثالث هو الأصعب.

لكنه الوحيد الذي يجعل الاستقلال ـ إذا توفرت ظروفه مستقبلاً ـ مشروع دولة وليس مجرد إعلان سياسي.

السادس والعشرون: نموذج إصلاحي مقترح

لا تحتاج كردستان إلى إزالة الحزبين أو إقصاء العائلتين.

مثل هذا التصور ليس واقعياً ولا ديمقراطياً.

المطلوب هو تغيير العلاقة بين الحزب والدولة.

ويقوم الإصلاح على سبعة مبادئ مترابطة: احتكار الحكومة للسلاح وتوحيد البيشمركة؛ إنشاء خدمة مدنية تقوم على مسابقات ومعايير معلنة؛ إلزام كبار المسؤولين بالإفصاح المالي وآليات واضحة لتعارض المصالح؛ نشر بيانات إيرادات النفط والموازنة؛ حماية استقلال القضاء؛ ضمان الإعلام الاستقصائي؛ وبناء اقتصاد خاص يستطيع العمل دون الاعتماد البنيوي على الدولة والأحزاب.

المطلوب، باختصار، ليس أن يختفي الحزب الديمقراطي أو الاتحاد الوطني.

بل أن يتحولا إلى:

حزبين داخل الدولة بدلاً من دولتين داخل الحزبين.

السابع والعشرون: الخاتمة

تاريخ أكراد العراق هو تاريخ تضحيات استثنائية.

من حملات القمع والتهجير إلى الأنفال وحلبجة والحروب والانتفاضات، دفع المجتمع الكردي ثمناً هائلاً للوصول إلى مساحة سياسية يستطيع فيها حكم نفسه.

ولهذا فإن النقد الجاد لتجربة الإقليم لا ينبغي أن يُفهم باعتباره نقداً للقضية الكردية.

بل قد يكون العكس.

إن حماية المشروع الكردي تتطلب نقد المؤسسات التي تعمل باسمه.

لقد حصل أكراد العراق بعد 2003 على معظم الأدوات التي تحتاج إليها أي حركة قومية كي تبدأ بناء الدولة:

أرض.

حكومة.

برلمان.

قوات أمن.

اقتصاد.

علاقات خارجية.

اعتراف دستوري.

وهوية وطنية قوية.

لكنهم لم ينجحوا حتى الآن في فصل هذه الأدوات بالدرجة الكافية عن البنية الحزبية التي صنعتها.

وهنا تكمن مفارقة كردستان المعاصرة:

الحزبان اللذان أسهما تاريخياً في إيصال المجتمع الكردي إلى أقرب نقطة من الدولة قد تصبح طريقة ممارستهما للسلطة، إذا لم تتغير، أحد العوائق أمام الوصول إليها.

ولا يعني ذلك أن الدولة الكردية أصبحت مستحيلة.

بل يعني أن سؤالها تغير.

لم يعد السؤال فقط:

هل تسمح بغداد وتركيا وإيران والعالم بقيام دولة كردية؟

بل أصبح أيضاً:

أي دولة يريد الأكراد أن يقيموا؟

إذا كانت الدولة الجديدة ستقوم على جيشين وحزبين وشبكات ولاء واقتصاد ريعي ومراكز قرار عائلية، فإن تغيير الحدود لن يحل أزمة الحكم.

أما إذا استطاعت كردستان أن تحول الشرعية من الشخص إلى القانون، ومن العائلة إلى المؤسسة، ومن الولاء إلى الكفاءة، ومن الحزب إلى الدولة، فإنها ستنجز أهم خطوة في طريق الاستقلال قبل أن تطالب العالم بالاعتراف به.

إن أكبر انتصار للقومية الكردية لن يكون يوم رفع علم كردستان فوق سفارة في عاصمة أجنبية.

بل يوم يستطيع مواطن كردي بسيط أن يدخل مؤسسة حكومية ولا يحتاج إلى معرفة حزبه كي يحصل على حقه.

ويوم يستطيع القاضي إصدار حكم ضد أقوى مسؤول دون خوف.

ويوم يحصل الشاب على الوظيفة لأنه الأكفأ لا لأنه الأكثر ولاء.

ويوم لا يعرف الجندي لمن يصوت قائده، لأن قائده يتبع الدولة لا الحزب.

عندئذ فقط تصبح الدولة أكثر من حلم قومي.

تصبح واقعاً مؤسساتياً ينتظر الاعتراف الدولي.

ولهذا يمكن تلخيص النتيجة المركزية للدراسة في العبارة التالية:

لم يُهزم حلم الدولة الكردية لأن الأكراد افتقروا إلى التضحيات؛ إن الخطر الحقيقي يكمن في أن تتحول التضحيات إلى شرعية دائمة للنخب، والثروة إلى أداة للولاء، والحزب إلى بديل عن الدولة. إن مستقبل المشروع الكردي سيتحدد، في النهاية، بقدرة كردستان على تحرير مؤسساتها من الحاجة إلى الأشخاص قبل أن تحرر حدودها من الدول المحيطة بها.

الهوامش

[1] David McDowall, A Modern History of the Kurds, rev. ed. (London: I.B. Tauris/Bloomsbury, 2021).

[2] David Romano, The Kurdish Nationalist Movement: Opportunity, Mobilization and Identity (Cambridge: Cambridge University Press, 2006).

[3] Denise Natali, The Kurdish Quasi-State: Development and Dependency in Post-Gulf War Iraq (Syracuse, NY: Syracuse University Press, 2010).

[4] Ofra Bengio, The Kurds of Iraq: Building a State within a State (Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2012).

[5] Johannes Jüde, “Contesting Borders? The Formation of Iraqi Kurdistan’s De Facto State,” International Affairs 93, no. 4 (2017): 847–863, https://doi.org/10.1093/ia/iix125.

[6] Farhad Hassan Abdullah Mamshai, “Party Corruption in the Kurdistan Region of Iraq: Context and Implications,” Digest of Middle East Studies 31, no. 1 (2022): 25–42, https://doi.org/10.1111/dome.12258.

[7] Ari Mamshae, “Patronage, Territory and the Appointment of Top Civil Servants,” Territory, Politics, Governance (published online May 8, 2026), https://doi.org/10.1080/21622671.2026.2660788.

[8] Ari Mamshae, “Persistent Patronage and a Dynamic Regime: Bureaucratic Politicization in Iraq,” in Handbook of Politicization and Political Patronage, ed. B. Guy Peters, Colin Knox, Francisco Panizza, Conrado Ramos, and Katarína Staroňová (Cheltenham: Edward Elgar Publishing, 2025), 537–557, https://doi.org/10.4337/9781035326242.00044.

[9] Sarwar Abdullah and Tim Gray, “Political Constraints on Economic Diversification in the Kurdistan Region of Iraq,” Energy Policy 171 (2022): 113274, https://doi.org/10.1016/j.enpol.2022.113274.

[10] Gareth R. V. Stansfield, Iraqi Kurdistan: Political Development and Emergent Democracy (London: RoutledgeCurzon, 2003).

[11] Beston Husen Arif, “KDP-PUK Strategic Agreement and Its Consequences for the Governing System in the Kurdistan Region of Iraq,” Journal of Asian and African Studies 59, no. 6 (2024): 1867–1891, https://doi.org/10.1177/00219096221146747.

[12] Hemin K. Mohammed and Francis Owtram, “Paradiplomacy of Regional Governments in International Relations: The Foreign Relations of the Kurdistan Regional Government (2003–2010),” Iran and the Caucasus 18, no. 1 (2014): 65–84, https://doi.org/10.1163/1573384X-20140106.

[13] Zmkan Ali Saleem and Mac Skelton, Assessing Iraqi Kurdistan’s Stability: How Patronage Shapes Conflict, LSE Middle East Centre Paper Series, no. 38 (London: London School of Economics and Political Science, 2020).

[14] Saleem and Skelton, Assessing Iraqi Kurdistan’s Stability.

[15] Sardar Aziz and Andrew Cottey, “The Iraqi Kurdish Peshmerga: Military Reform and Nation-Building in a Divided Polity,” Defence Studies 21, no. 2 (2021): 226–241, https://doi.org/10.1080/14702436.2021.1888644.

[16] Independent High Electoral Commission of Iraq (IHEC), “Final Results of the 2024 Kurdistan Region of Iraq Parliamentary Elections,” 2024. وللتأكيد الصحفي للنتائج، انظر أيضاً: Reuters, “KDP Wins Iraqi Kurdish Parliamentary Election, Commission Says,” October 30, 2024.

[17] Shivan Aziz, The Crisis of Representation in the Kurdistan Region of Iraq (The Hague: Clingendael Institute, 2023).

[18] Soran Rashid, “Dozens of Iraqi Kurdistan Journalists Teargassed, Arrested, Raided over Protest,” Committee to Protect Journalists, February 13, 2025.

[19] Christina Bache, “Mutual Economic Interdependence or Economic Imbalance: Turkish Private Sector Presence in the Kurdistan Region of Iraq,” Middle East Critique 27, no. 1 (2018): 61–75, https://doi.org/10.1080/19436149.2017.1418206.

[20] Institut Kurde de Paris, “Information and Liaison Bulletin,” no. 390 (September 2017), reporting the officially announced referendum results: 2,861,471 “Yes” votes, representing 92.73 percent of valid votes.

[21] Hawre Hasan Hama, “Iraqi Kurdistan’s 2017 Independence Referendum: The KDP’s Public and Private Motives,” Asian Affairs 51, no. 1 (2020): 109–125, https://doi.org/10.1080/03068374.2019.1706338; Nicola Degli Esposti, “The 2017 Independence Referendum and the Political Economy of Kurdish Nationalism in Iraq,” Third World Quarterly 42, no. 10 (2021): 2317–2333, https://doi.org/10.1080/01436597.2021.1949978.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x