الثلاثاء, أكتوبر 6, 2026
Home مقالات امن معركة إسقاط النظام : منى سالم الجبوري

امن معركة إسقاط النظام : منى سالم الجبوري

0
132

لم تعد مجزرة السجناء السياسيين في إيران عام 1988 مجرد صفحة سوداء في سجل نظام الملالي، ولا مجرد قضية حقوقية تنتظر فتح ملفاتها أمام المحاكم. بعد مرور ثمانية وثلاثين عاما،تبدو تلك المجزرة، بما رافقها من إعدامات جماعية وغيابللمحاسبة، وكأنها جرح مفتوح يعيد إنتاج نفسه في إيران بأشكالجديدة.

وفي هذا السياق، تكتسب الدعوة التي طرحتها مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمقاومة الإيرانية، بشأن مقاضاة المخططين والآمرين والمنفذين لمجزرة 1988 أهمية تتجاوز المطالبة بالعدالة للضحايا. فهي تضع القضية في إطار أوسع: هل يمكن بناء مستقبل ديمقراطي في إيران من دون مواجهة الماضي ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الكبرى؟

ترى رجوي أن الإجابة واضحة: لا يمكن فصل العدالة عن معركة الشعب الإيراني من أجل إسقاط نظام الملالي. فالنظام الذي أفلت من العقاب على واحدة من أبشع الجرائم بحق السجناء السياسيين خلال العقود الماضية، لم يتخل عن أدوات القمع، بل واصل استخدامها، وإن تغيرت الظروف والأسماء والأساليب.

كانت مجزرة 1988 نقطة مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية. فبموجب فتوى آية الله روح الله الخميني، جرى تنفيذ أحكام إعدام جماعية بحق سجناء سياسيين، كان معظمهم من أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، فيما شملت عمليات الإعدام لاحقا سجناء سياسيين من تيارات أخرى. وقد تحولت تلكالمجزرة إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في ملف حقوقالإنسان الإيراني، خصوصا مع استمرار غياب المحاسبةومواصلة عدد من المتورطين فيها شغل مواقع عليا في مؤسساتالنظام.

ولعل المفارقة الأكثر دلالة أن الزمن الذي كان يفترض أن يقود إلى كشف الحقيقة وتحقيق العدالة، قاد في الحالة الإيرانية إلى استمرار ثقافة الإفلات من العقاب. فبعد نحو أربعة عقود، لا يزال عدد من الذين ارتبطت أسماؤهم بمؤسسات القمع والإعدام في مواقع النفوذ، فيما تستمر أحكام الإعدام بحق المعارضين والنشطاء السياسيين.

وهنا تحديدا تكمن خطورة المسألة.

فالإعدام في النظام الإيراني ليس، وفق ما تطرحه المعارضة الإيرانية، مجرد عقوبة قضائية في قضايا جنائية، وإنما يتحول في كثير من الحالات إلى أداة سياسية لإرهاب المجتمع وإخماد الاحتجاجات ومنع تشكل موجة جديدة من المعارضة. ولذلك فإن ما يحدث اليوم يستدعي، في نظر منتقدي النظام، استحضار ما حدث عام 1988 لا باعتباره حدثا تاريخيا منفصلا، وإنماباعتباره جزءا من نمط متواصل من التعامل مع الخصومالسياسيين.

واللافت أن بعض السجناء السياسيين الذين أعدموا مؤخرا تركوارسائل ومواقف تعكس، بحسب التقرير، إدراكا واضحا لهذاالترابط. فالسجين السياسي وحيد بني عامريان، الذي أعدملاحقا، تحدث من داخل السجن عن إصراره على عدم المساومةعلى حياته مقابل التخلي عن مبادئه. وكذلك بويا قبادي، الذيكتب من سجنه بعد اندلاع انتفاضة يناير 2026، مؤكدا أنه لوكان خارج السجن لكان في طليعة المحتجين.

قد تختلف المواقف السياسية والفكرية تجاه هؤلاء السجناء أو تجاه القوى التي ينتمون إليها، لكن المسألة الأهم تبقى في حق الإنسان في محاكمة عادلة وحق المجتمع في معرفة الحقيقة. فالدولة التي تجعل الإعدام وسيلة لإسكات الخصوم، ثم تمنع التحقيق المستقل في عمليات القتل الجماعي السابقة، لا تواجه أزمة حقوقية فحسب، وإنما تواجه أزمة عميقة في مفهوم العدالة ذاته.

ومن هنا تأتي أهمية التحرك الدولي. فإبقاء ملف مجزرة 1988 في إطار البيانات والإدانات لن يكون كافيا، إذا كان الهدف هووضع حد فعلي لسياسة الإفلات من العقاب. والمطلوب، كما تدعورجوي، هو إنشاء آلية دولية للتحقيق والملاحقة، وتفعيل مبدأ الولايةالقضائية العالمية بحق المسؤولين عن الجرائم الجسيمة.

وقد شكل الاعتراف الدولي المتزايد بوقائع الإعدامات التعسفيةوالانتهاكات المرتبطة بمجزرة 1988 تطورا مهما في مسار كشفالحقيقة، لكنه يظل خطوة أولى ما لم يتحول إلى إجراءات قضائيةملموسة.

 

فالمشكلة في إيران ليست أن النظام ارتكب جريمة في الماضي، وإنما أن المتورطين في جرائم الماضي تمكنوا من البقاء داخل منظومة السلطة، الأمر الذي جعل الإفلات من العقاب جزءا منبنية النظام نفسه.

ولهذا فإن معركة العدالة ليست منفصلة عن معركة التغيير.

إن إسقاط نظام سياسي لا يعني بالضرورة إسقاط ثقافة سياسية كاملة تشكلت على مدى عقود. وإذا كان مستقبل إيران مختلفا عما كان عليه في ظل الجمهورية الإسلامية، فإن هذاالمستقبل يحتاج إلى عدالة انتقالية تكشف الحقيقة، وتحاسبالمسؤولين، وتنصف الضحايا، وتمنع تكرار الجرائم.

وفي هذا الصدد، تطرح رجوي تصورا لإيران المستقبل يقوم،بحسب ما أورده التقرير، على إلغاء عقوبة الإعدام، وإقامة قضاءمستقل، وترسيخ أصل البراءة وحق الدفاع والمحاكمة العلنية،وإلغاء القوانين التي فرضتها منظومة الملالي وحل ما يسمىبمحاكم الثورة.

وهذه النقطة ربما هي الأكثر أهمية في الجدل الدائر حول مستقبل إيران: العدالة لا ينبغي أن تكون مجرد انتقام من الماضي، بل ضمانة لعدم تكراره.

فإذا كانت مجزرة 1988 قد كشفت كيف يمكن لتحويل القضاء إلى أداة سياسية أن يقود إلى كارثة إنسانية، فإن إيران المستقبلية مطالبة بأن تفعل العكس تماما: أن تجعل استقلالالقضاء وحقوق المتهم وكرامة الإنسان خطوطًا حمراء لا يجوز لأيسلطة تجاوزها.

بعد ثمانية وثلاثين عاما، لا تزال أسماء الضحايا حاضرة، ولا تزالعائلاتهم تطالب بالحقيقة، ولا يزال السؤال الذي لم يجد جواباكاملا مطروحا بقوة: من يحاسب الذين أصدروا الأوامر ونفذوها؟

وربما لهذا السبب تحديدا تتحول قضية 1988 اليوم من ملفللماضي إلى اختبار للمستقبل. فإذا كان الإفلات من العقاب قدساهم في استمرار القمع، فإن إنهاء الإفلات من العقاب قد يكونأحد الشروط الضرورية لبناء إيران مختلفة؛ إيران لا يحكمهامنطق السجن والإعدام والمجازر، بل دولة القانون والحريةوالعدالة.

فالعدالة، في نهاية المطاف، ليست نهاية الثورة الديمقراطية؛ إنها أحد شروط انتصارها.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x