الثلاثاء, أكتوبر 6, 2026
Home مقالات حين قالت له: «يا خالي»… فخرج اللص شريفًا!:ماجد حسن سلو

حين قالت له: «يا خالي»… فخرج اللص شريفًا!:ماجد حسن سلو

0
97

حين قالت له: «يا خالي»… فخرج اللص شريفًا!

يُروى أن لصًّا أراد ذات ليلة أن يسرق بيتًا لرجلٍ يعرف أنه خارج المنزل. ظلّ يراقب البيت بحذر، وانتظر حتى تأكد أن الرجل غادر، وأن من بقيت في الداخل زوجته وحدها، وكانت منشغلة بطفلها الرضيع الذي لم يتجاوز عمره بضعة أشهر.

قال اللص في نفسه:

هذه فرصتي. فالمرأة وحدها، والطفل رضيع، والليل طويل، ولا أحد يمكن أن يمنعه. تسلّل إلى البيت بهدوء، وبدأ يجمع ما خفّ حمله وغلا ثمنه. أخذ هذا وذاك، ثم فرش بطانية ووضع عليها ما جمعه من أغراض، وربط أطرافها استعدادًا لحملها على ظهره والهروب بها. لكن كثرة المسروقات وثقلها جعلت مهمته أصعب مما توقع.

وفي الجانب الآخر من البيت، كانت الأم مستلقية قرب رضيعها. كانت تغفو دقائق قليلة، ثم تستيقظ على حركة من طفلها أو أنينٍ خافت يصدر منه. فالمرأة التي ترعى رضيعًا لا تنام نومًا كاملًا؛

جسدها قد يستسلم للنوم، لكن قلبها يبقى مستيقظًا. وفجأة شعرت بحركة غريبة في البيت. فتحت عينيها، وأدركت أن هناك شخصًا يتحرك بين أثاث منزلها.

لم تصرخ. ولم تطلب النجدة. كانت تعرف أنها وحدها، وأنها لا تستطيع مقاومة رجلٍ غريب، لذلك قررت أن تتركه يأخذ ما يريد، لعلّه يخرج سريعًا دون أن يؤذيها أو يؤذي طفلها.

وفي تلك اللحظة، كان اللص يحاول حمل بطانيته الثقيلة، لكنه كان يصدر أصواتًا وحركة أيقظت الطفل. استيقظ الرضيع وبدأ بالبكاء. هنا جاءت اللحظة التي غيّرت كل شيء.

رفعت الأم صوتها، وقالت لطفلها وكأنها تخاطبه، لكنها كانت في الحقيقة تتعمد أن يسمعها الرجل الغريب: «نام يا حبيبي… نام، لأنني سأذهب لأساعد خالك!» تجمّد اللص في مكانه.

خالك؟! التفت إليها باستغراب وقال: —

ماذا قلتِ يا امرأة؟ فأجابته بهدوء: — قلتُ إنني سأذهب لأساعد خالك في حمل هذه الأشياء. ثم نظرت إليه وقالت: —

أنت رجلٌ محتاج، ويبدو أن الفقر دفعك إلى أن تأتي إلى بيتنا لتأخذ شيئًا ينفعك ويطعم أطفالك… فلماذا أخاف منك؟ وقف اللص مذهولًا. لم يكن يتوقع هذا الكلام. كان ينتظر صرخةً واستغاثةً وشتائم، فإذا بالمرأة التي دخل بيتها ليسرقها تمنحه بدل الخوف أخوةً! ظل صامتًا لحظات، ثم قال لها: —

ما دمتِ تقولين لي: «يا أخي»… فلن آخذ منكِ شيئًا. ثم أضاف: —

والله لا أستطيع أن أرتكب هذا الفعل في بيتٍ نادتني صاحبته أخًا. ترك كل ما جمعه، وخرج من البيت خالي الوفاض. خرج لصًّا كما دخل… لكنه خرج هذه المرة بكرامة! والمفارقة المؤلمة…

قد تبدو هذه الحكاية مجرد قصة قديمة، لكنها في الحقيقة تحمل سؤالًا كبيرًا عن زماننا.

ذلك اللص دخل بيتًا ليسرق. لم يكن عنده منصب، ولا سلطة، ولا حصانة، ولا سيارة حكومية، ولا مكتب فخم، ولا حاشية تصفق له. كان لصًا، والجميع يعرف أنه لص.

ومع ذلك، استطاعت امرأة فقيرة أن توقظ في داخله شيئًا اسمه الضمير. كلمة واحدة فقط كانت كافية: يا أخي. فاستحى من أخوّتها. واستحى من طفلها.

واستحى من البيت الذي دخله بنية السرقة. واستحى من نفسه. فترك المسروقات ورحل. لكن انظروا إلى المفارقة التي نعيشها اليوم! هناك من يسرق مال أخيه، فلا يخجل.

ومن يسرق مال اليتيم، فلا يرتجف له جفن. ومن ينهب أموال الأرامل والثكالى، ثم ينام قرير العين. ومن يمد يده إلى المال العام، وكأنه مال أبيه. ومن يتولى مسؤولية حماية أموال الناس، ثم يجعل منها غنيمةً خاصة. بل وصل الأمر إلى أن بعضهم يدخل الانتخابات، فيحلف أمام الناس، ويقسم بأغلظ الأيمان، ويتحدث عن الدين والشرف والوطن والنزاهة، ثم ما إن يصل إلى الكرسي حتى يبدأ موسم النهب!

اللص القديم كان يحتاج إلى كلمة «يا أخي» حتى يتراجع عن السرقة. أما بعض لصوص اليوم، فيحتاجون إلى وطنٍ كامل حتى يشبعوا… ولا يشبعون! اللص القديم سرق بيتًا.

أما لصوص هذا الزمن، فقد يسرقون دولة. اللص القديم كان يخشى أن يخون امرأةً ضعيفة وطفلًا رضيعًا. أما بعض لصوص اليوم، فلا يخافون أن يخونوا ملايين الناس.

اللص القديم شعر بالخجل عندما سمع كلمة «أخي». أما لصوصنا المعاصرون، فقد يحلفون بالقرآن، ويقسمون بأشرف المقدسات، ويتحدثون عن الأمانة والنزاهة، ثم يمدون أيديهم إلى قوت الفقراء والأطفال. فأيُّ زمنٍ هذا؟ وأين ذهب الحياء؟ أين ذهبت المروءة؟

أين ذهب ذلك الصوت الصغير في داخل الإنسان الذي كان يقول له:

لا تفعل… فهذا مال أخيك، وهذه لقمة طفل، وهذا حق يتيم، وهذه أمانة وطن؟ المشكلة لم تعد في كثرة المال المسروق فقط. المشكلة أن السرقة نفسها فقدت قبحها في عيون بعض الناس.

أصبح الحرام عندهم مجرد صفقة. وأصبح المال العام غنيمة. وأصبحت الوظيفة بابًا للثراء. وأصبح المنصب وسيلةً للاستحواذ.

وأصبح بعض الناس يتعاملون مع خزينة الدولة وكأنها جيبٌ شخصي مفتوح. والأخطر من ذلك كله أن الإنسان عندما يفقد حياءه، لا يعود يخجل من السرقة…

بل قد يتفاخر بها! وهنا تكون الكارثة الحقيقية. لأن المجتمع الذي كان يخجل فيه اللص من سرقة بيت امرأة وطفل، ثم أصبح فيه الفاسد يسرق أموال الملايين دون أن يخجل، ليس أمامه سوى سؤال واحد: من الذي سرق منا الإنسان قبل أن يسرق المال؟ تلك المرأة لم تكن تملك قوةً ولا سلاحًا. لم تواجه اللص بعنف. لم تهدده. لم تشتمه. فقط خاطبت ما بقي في داخله من إنسان:

«يا خالي… يا أخي.» فاستيقظ الإنسان في داخله، ومات اللص للحظات. ليتنا نعيش في زمنٍ تعود فيه هذه الكلمة إلى معناها الحقيقي…

أخي. ليت المسؤول يرى المواطن أخًا، لا رقمًا انتخابيًا. وليت السياسي يرى أموال الدولة أمانة، لا غنيمة. وليت رجل الدين يرى أموال الوقف أمانة، لا موردًا شخصيًا.

وليت الموظف يرى المال العام مالًا لأطفالٍ لا يعرفهم، وأراملَ لا يسمع أنينهن، وشيوخًا لا يستطيعون المطالبة بحقوقهم. عندها فقط ربما نستطيع أن نقول:

لقد بقي في هذا العالم شيء اسمه الضمير. أما أن يسرق اللص فيخجل… ويحلف الفاسد فلا يخجل… فهذه ليست مشكلة لصوص فقط.

إنها مأساة أمةٍ بدأ الحرام فيها يفقد رائحته، وبدأ الحياء فيها يصبح عملةً نادرة. فيا ليت لصوصنا يتعلمون من ذلك اللص درسًا صغيرًا:

ليس العار أن تكون فقيرًا… العار أن تصبح غنيًا من مال الفقراء. وليس العار أن تمد يدك طلبًا للحاجة… العار أن تمدها إلى مال الناس وأنت تملك ما يكفيك. رحم الله زمنًا كان فيه لصٌّ يتراجع عن سرقة بيت… لأن امرأةً قالت له: يا أخي.

 

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x