قصة. تلميذ “لوبيانكا” الذي باع شفرات بلاده…

باع أثمن شفرات تملكها بلاده بصفقة قُدّرت بمليوني دولار، ثم اختبأ لسنوات خلف شماعة الفساد وهضم الحقوق!
ادعى أن المبادئ هي ما دفعته للقفز من السفينة، بينما لم تكن حقيقته سوى تجار أسرار ينفذ صفقة عمره في العتمة.
في أعماق أروقة المقر الرئيسي للمخابرات السوفيتية (KGB) في “لوبيانكا”، كانت هناك إدارة لا يُسمح حتى لغالبية ضباط الجهاز بدخولها: الإدارة الرئيسية الثامنة.
كانت هذه الإدارة هي العقل للكرملين، والمسؤولة عن حماية وتأمين أجهزة الاتصالات الفنية والشفرات السرية في جميع السفارات والمحطات السوفيتية حول العالم.
وفي قلب هذا الحصن، كان يبرز إسم المهندس والضابط المرموق «فيكتور شيموف»؛ الرجل الذي أُسندت إليه أمانة الإشراف على أمن الاتصالات الفنية للسفارات السوفيتية، وكان يعلم تماماً كيف تتحرك الأوامر السرية من موسكو إلى أقصى أطراف الأرض.
رغم أن شيموف حاول لاحقاً إظهار انشقاقه على أنه نتيجة نقمته على نفاق المنظومة السوفيتية واغتيالاتها السرية، إلا أن المحرك الأساسي والحقيقي للعملية كان صفقة مالية ضخمة ومساومة محبوكة مع الأمريكيين:
أثناء اتصالاته السرية والأولى مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) في موسكو عام 1979، لم يكتفِ شيموف بالمطالبة بتهريبه هو وعائلته، بل اشترط الحصول على مكافأة مالية ضخمة قدرها 2 مليون دولار، إضافة إلى تأمين سكنه ورعايته الصحية مدى الحياة مقابل تسليم “مفاتيح شفرات الكرملين”.
و أمام حيوية المعلومات التي يحملها شيموف، وافقت الـ CIA على شروطه المالية، وبدأت الخطة الشرسة لتهريبه.
عندما فتح شيموف صندوق أسراره للـ CIA والـ NSA (وكالة الأمن القومي الأمريكية)، قدم لهم معلومات على طبق من ذهب غيّرت مجرى الحرب الباردة:
فقد سلمهم الهيكلية الكاملة وطرق التشفير المستخدمة في الإدارة الثامنة، مما مكن الأمريكيين من فك وتتبع الرسائل السرية للـ KGB حول العالم لسنوات.
و كشف النقاب عن أن الـ KGB زرع أجهزة تنصت دقيقة وحساسة للغاية داخل أحجار وجدران مبنى السفارة الأمريكية الجديد في موسكو أثناء تشييده، مما أجبر واشنطن على إيقاف العمل في المبنى وإعادة بنائه بالكامل بتكلفة باهظة.
و حذر واشنطن من خطط سوفيتية لتنفيذ اغتيالات وضربات موجهة، وكان أبرزها تحركات وتصفيات استهدفت المعارضين وشخصيات بارزة.
وفي مايو 1980، وعندما بدأت الشكوك الروتينية تزداد حول تحركات موظفي الإدارة الثامنة، أطلقت الـ CIA إحدى أجرأ عمليات التهريب في التاريخ.
تم تهريب شيموف وزوجته وابنته الصغيرة البالغة من العمر 5 سنوات من قلب موسكو.
أُخفي شيموف وعائلته داخل تجاويف سحرية في شاحنة دبلوماسية عبرت الحدود إلى فنلندا تحت غطاء حصانة دبلوماسية لا تخضع للتفتيش.
استيقظت المخابرات السوفيتية لتجد أن مهندس شفراتها وعائلته قد اختفوا تماماً.
ولشدة براعة العملية، ظنت الـ KGB لسنوات طويلة أن شيموف وعائلته قُتلوا في حادث غامض، ولم يكتشفوا أنه يقيم في واشنطن إلا بعد سنوات.
عمل لسنوات مستشاراً لوكالات أمريكية مثل وكالة الأمن القومي (NSA)…
حتى عام 2010 عندما ظهر الوجه الآخر والأكثر مرارة في عالم الجاسوسية؛ فشيموف الذي باع أسرار الكرملين مقابل المال، اكتشف أن واشنطن نفسها لا تفي دائماً بوعودها!
بعد تهريبه واستخلاص كل الأسرار منه، تنصلت الـ CIA من وعدها المالي الأصلي، ولم تمنحه سوى 200 ألف دولار فقط (أي 10% فقط من المبلغ الموعود!).
بعد سنوات طويلة من الصمت والشعور بالخدعة، خرج شيموف عن صمته ولجأ إلى القضاء الأمريكي، حيث رفع دعوى قضائية رسمية ضد وكالة الاستخبارات المركزية يتهمها فيها بنكث العهد والمماطلة في دفع باقي مستحقاته البالغة 1.8 مليون دولار.
عاش شيموف بقية حياته في الولايات المتحدة وأسس شركة للأمن السيبراني (Invicta Networks)، و اخترع طريقة VCCللاتصالات، التي تهدف إلى توفير أمان ديناميكي ضد الهجمات الشبكية.
بل و ألف كتباً، أبرزها مذكراته Tower of Secrets عن حياته وعمله في كي جي بي والتجسس.
وتوفي عام 2019، تاركاً وراءه قصة تؤكد أن “الخيانة” في عالم الظلال تجارة كاسدة لا تضمن حقوقاً حتى بين الجاسوس ومشتريه!
والآن يا صديقي.. إذا وصلت إلى هذه النقطة، فأنت حتماً من القراء الباحثين عن خبايا هذا العالم الغريب والمثير!
قصص “حروب الظلال” لم تنتهِ بعد؛ فبينما كان شيموف يساوم الـ CIA على ثمن شفرات الكي جي بي ويواجه خدعتهم المادية، كان هناك شبحٌ آخر يربض في أعماق المحيطات..
رجلٌ لم يبع شفرات أو ملفات مكتوبة، بل وضع في يد السوفيت السر الفني القاتل الذي جعل الغواصات الروسية تتحول إلى أشباح لا تراها أجهزة السونار الأمريكية!
كيف نجح “جاسوس الأعماق” في بيع أسرار الأسطول الأمريكي مقابل المال؟ وما هي الضربة المالية والتكنولوجية التي هزت البنتاغون من الداخل؟
انتظروا القادم!
الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت