من كثرة ما قرأتُ في الأيام الأخيرة من منشورات وتعليقات ونقاشات على صفحات التواصل الاجتماعي حول من هي الشخصية الأنسب لتولي منصب قائم مقام قضاء سنجار؟، وما هي مواصفات هذا الشخص، وما المعايير التي ينبغي اعتمادها لاختياره، وما الواجبات التي تنتظره، وكيف يستطيع أن ينقذ سنجار من واقعها المعقد…
قرأتُ حتى تعبت عيناي، وأرهقني التفكير في كل ما قيل ويقال، ثم أغلقتُ هاتفي وذهبتُ إلى النوم.
وهناك… بدأت الحكاية.
رأيتُ في المنام أنني أصبحتُ قائم مقام قضاء سنجار!
لا أعرف كيف وصلتُ إلى هذا المنصب، ولا من رشحني، ولا أي حزب دعمني، ولا كم عدد الأصوات التي حصلت عليها، ولا إن كنتُ قد اجتزتُ المقابلة والاختبار والمفاضلة واللجنة واللجنة التي تشرف على اللجنة!
لكنني، في الحلم، كنتُ قائم مقام سنجار.
وبما أنني أصبحتُ مسؤولاً عن القضاء، قررتُ أن أبدأ العمل فوراً، وأن أضع أمامي كل الملفات التي ظل أهل سنجار ينتظرون حلها سنوات طويلة.
أولاً: عودة النازحين
أصدرتُ قراراً بإعادة جميع نازحي سنجار إلى مناطقهم الأصلية، على أن تحصل كل عائلة عائدة على مبلغ عشرة آلاف دولار بدل تكاليف النقل والعودة، حتى لا تبقى العودة مجرد شعار جميل في المؤتمرات.
قلتُ: إذا كانت العودة إلى الوطن تحتاج إلى كل هذه السنوات، فلا أقل من أن نجعلها عودة تليق بالإنسان.
ثانياً: تعويض المتضررين
ثم أصدرتُ قراراً بتعويض كل شخص تضرر خلال غزوة داعش بمبلغ عشرين ألف دولار.
فالذين فقدوا بيوتهم وأرزاقهم وأمنهم وأحبتهم لا يمكن أن نطلب منهم أن يبدأوا حياتهم من الصفر، ثم نقول لهم: “اصبروا، فهناك لجنة ستدرس الموضوع”.
ثالثاً: أموال سنجار
ثم فتحتُ ملفاً قديماً جداً.
قلتُ: أين ذهبت تخصيصات سنجار المالية منذ العهد الملكي؟
وبعد البحث والتدقيق والحساب والجمع والطرح، ظهر أن حصة سنجار المتراكمة من الموازنات تبلغ ـ في عالم الحلم طبعاً ـ نحو مئة وخمسين مليار دولار.
قلتُ لنفسي:
“يا جماعة الخير… يبدو أن سنجار كانت أغنى مما كنا نتصور، لكن يبدو أيضاً أن أموالها كانت تعرف الطريق إلى أماكن أخرى!”
فقررتُ إعادة هذه الأموال إلى سنجار، ووضعها في صندوق خاص لإعادة الإعمار.
رابعاً: قرى على الطريقة اليابانية
ثم وضعتُ خطة شاملة لإعادة بناء جميع القرى والمجمعات في قضاء سنجار، والاستفادة من التجربة اليابانية في بناء المدن والقرى الحديثة.
قلتُ:
لماذا لا تصبح قرانا نموذجاً للقرية العصرية؟
شوارع منظمة، مياه نظيفة، كهرباء مستقرة، صرف صحي، حدائق، مدارس، مراكز صحية، خدمات رقمية، ومساكن تحفظ كرامة الإنسان.
فإذا كان اليابانيون قد استطاعوا أن يحولوا الخراب الذي خلفته الحروب إلى مدن حديثة، فلماذا لا نستطيع نحن أن نبني قرية واحدة تليق بأهلها؟
خامساً: المدارس والمستوصفات والطرق
ثم، وبحماس قائم مقام جديد لا يعرف شيئاً اسمه “لا توجد تخصيصات مالية”، بدأتُ ببناء عشرة آلاف مدرسة، وخمسة آلاف مستوصف، وملايين الكيلومترات من الطرق، وعشرات الآلاف من الجسور، إضافة إلى الجامعات والمعاهد الفنية والمختبرات والمرافق الخدمية.
ولم أنسَ أن أستعين بالخبرات الفرنسية في الطرق والجسور، لأنني في الحلم كنتُ أملك ميزانية لا تنتهي!
سادساً: المقابر الجماعية والشهداء
بعد ذلك فتحتُ ملف المقابر الجماعية.
أمرتُ بفتحها جميعاً، وانتشال رفات الضحايا، والتعرف إلى أصحابها، وإعادتهم إلى عوائلهم، ثم دفنهم بصورة تليق بكرامتهم.
وأصدرتُ قراراً بمنح عوائل الشهداء راتباً شهرياً قدره ألفا دولار.
قلتُ:
“من فقد عزيزاً لا تعوضه الأموال، ولكن من واجب الدولة أن تقول لعائلته: نحن لم ننسَكم.”
سابعاً: المخطوفون والعدالة
ثم فتحتُ ملف المختطفات والمختطفين.
أردتُ أن يعود كل من بقي منهم إلى أهله.
أما مجرمو داعش الذين ارتكبوا جرائم بحق أبناء سنجار، فقد قلتُ إنهم يجب أن يمثلوا أمام القضاء العادل، وأن ينالوا العقوبة التي يقررها القانون على جرائمهم.
فلا يمكن بناء مستقبل جديد فوق أنقاض العدالة.
ثامناً: سنجار منزوعة السلاح
ثم اتخذتُ القرار الأصعب.
أعلنتُ سنجار منطقة منزوعة السلاح، خالية من جميع المجموعات المسلحة والمنفلتة، وأن تكون حماية أهلها من مسؤولية مؤسسات الدولة والقانون، مع وجود حماية دولية مؤقتة بإشراف الأمم المتحدة، وتمويل واضح ومحدد من موارد الدولة العراقية، إلى أن تستعيد مؤسساتها قدرتها الكاملة على حماية مواطنيها.
قلتُ:
“لا يمكن أن يعيش المواطن آمناً إذا كان كل طرف يملك سلاحاً، وكل طرف يعتبر نفسه صاحب الحق في تقرير مصيره.”
تاسعاً: خطة مارشال لسنجار
ثم دعوتُ خبراء من ألمانيا للمساعدة في وضع خطة شاملة لإعادة إعمار سنجار، مستفيدين من التجربة الألمانية في إعادة بناء البلاد بعد الحرب العالمية الثانية.
قلتُ:
“نريد لسنجار خطة تشبه مارشال، لا مشروعاً مؤقتاً ينتهي بانتهاء التصوير الإعلامي.”
إعادة بناء البنية التحتية، الإسكان، الزراعة، الصناعة، التعليم، الصحة، المياه، الكهرباء، الطرق، الاتصالات، والاقتصاد المحلي.
نريد أن تعود سنجار إلى الحياة، لا أن تتحول إلى متحف للدمار.
عاشراً: القانون أولاً
وأخيراً، فعلتُ ما قد يكون أصعب من كل المشاريع السابقة.
فعّلتُ الرقابة المالية والأمنية والقضائية والإدارية، ووضعتُ الجميع تحت سلطة القانون.
لا حزب فوق القانون.
لا مسؤول فوق القانون.
لا مسلح فوق القانون.
لا موظف فوق القانون.
ولا قريب أو صديق أو تابع يستطيع أن يحصل على ما لا يستحقه.
ثم قلتُ لنفسي:
“الآن… أستطيع أن أقول إنني أنجزت مهمتي.”
وفجأة…
سمعتُ صوتاً يناديني:
“هيا يا أبي… استيقظ! لقد تأخرنا عن العمل.”
فتحتُ عيني.
كان ابني يقف أمامي.
قلتُ له وأنا ما زلتُ نصف غارق في الحلم:
“انتظر قليلاً… دعني أكمل بعض المطالب الأخرى لأهلي في سنجار، وبعدها أقدم استقالتي من منصبي.”
نظر إليّ بدهشة وقال:
“أي منصب؟ ماذا تقول يا أبي؟ أنت الآن في ألمانيا، ولستَ في سنجار!”
عندها فقط أدركتُ أنني كنتُ قائم مقام سنجار في المنام فقط.
يا لها من لحظة!
لحظة قصيرة بين الحلم واليقظة، لكنها كانت كافية لكي تجعلني أشعر بأن الحلم أحياناً يكون أرحم من الواقع.
ربما لم يكن ذلك الحلم حلمي وحدي.
ربما هو حلم كل نازح من سنجار.
ربما ينام أحدهم في مخيم، أو في مدينة بعيدة، أو في بلد أوروبي، ويحلم بأنه عاد إلى بيته.
يحلم بأن بيته قد أُعيد بناؤه.
يحلم بأن أطفاله ذهبوا إلى مدرسة قريبة.
يحلم بأن الطريق المؤدي إلى قريته أصبح معبداً.
يحلم بأن الكهرباء والماء والخدمات أصبحت أموراً طبيعية وليست مطالب مستحيلة.
يحلم بأن المقبرة التي تضم أحباءه أصبحت مكاناً يزوره بكرامة.
يحلم بأن المختطفة التي انتظرها سنوات طويلة عادت إلى حضن أمها.
يحلم بأن سنجار أصبحت آمنة، وأن السلاح لم يعد لغة السياسة، وأن القانون أصبح أقوى من الجميع.
ثم…
يستيقظ صباحاً.
يفتح عينيه.
ينظر حوله.
فيجد نفسه في المخيم، أو في مدينة الغربة، أو في بيت مؤقت، أو في بلد بعيد.
ويكتشف أن البيت لم يُبنَ بعد، والطريق لم يُعبد، والحقوق لم تُسترد، والملفات ما زالت فوق مكاتب اللجان، والوعود ما زالت وعوداً.
عندها يتبخر الحلم مثل أحلام العصافير.
المشكلة ليست في أن نحلم.
المشكلة أن يصبح الحلم هو المكان الوحيد الذي نستطيع فيه تحقيق ما نعجز عن تحقيقه في وطننا.
نحن لا نبحث عن قائم مقام خارق للعادة.
ولا نريد شخصاً يمتلك عصا سحرية.
نريد فقط إنساناً يعرف معنى المسؤولية، يؤمن بالقانون، يمتلك الكفاءة والنزاهة والشجاعة، ويعرف أن منصب قائم مقام سنجار ليس وجاهة ولا سلطة ولا سلماً للصعود السياسي، وإنما هو أمانة ثقيلة في منطقة دفعت ثمناً باهظاً من الدم والتهجير والدمار.
سنجار لا تحتاج إلى مسؤول يكثر من الكلام.
تحتاج إلى مسؤول يستطيع أن يحول الكلام إلى عمل.
لا تحتاج إلى من يسأل: “من يدعم هذا الشخص؟”
بل إلى من يسأل:
“ماذا يستطيع أن يفعل هذا الشخص من أجل سنجار؟”
ولا تحتاج إلى قائم مقام يعيش في المكاتب المكيفة ويقرأ التقارير.
بل إلى من يعرف القرى والمجمعات، يعرف النازحين، يعرف المقابر، يعرف الخراب، ويعرف قبل كل شيء أن وراء كل رقم في ملف من ملفات سنجار عائلةً لها قصة، وإنساناً له كرامة، وحقاً ينتظر أن يعود إليه.
أما أنا…
فقد عدتُ من منصبي في المنام إلى عملي في ألمانيا.
لكنني، قبل أن أغادر الحلم، بقي في ذهني سؤال واحد:
ماذا لو كان ما حلمتُ به لسنجار ليس حلماً مستحيلاً، وإنما مجرد حقوق طبيعية تأخر تحقيقها كثيراً؟
ربما المشكلة ليست أن أحلامنا كبيرة…
بل أن واقعنا أصبح صغيراً إلى درجة جعلتنا نعتبر أبسط حقوقنا أحلاماً.





