في كل مرة تُفتح فيها ملفات سنجار من جديد، يقف المراقب أمام سؤال واحد يتكرر بإلحاح:
هل نحن أمام خطوة تُعيد الاعتبار لصوتٍ طالما استُبعد من طاولة القرار، أم أمام مشهدٍ آخر يُضاف إلى سلسلة طويلة من الوعود التي تتبخر عند أول اختبار على الأرض؟
الإعلان الأخير عن توجه الحكومة الاتحادية لحصر السلاح في جبل سنجار بيد الدولة، وبدء وحدات مقاومة سنجار بتسليم عتادها، يحمل في ظاهره بشائر انفراج، لكنه في جوهره يعيد طرح السؤال ذاته الذي رافق كل تسوية سياسية مرّت بها القضاء منذ سنوات:
من يقرر، ولمصلحة من؟
اللافت هذه المرة أن الاجتماع الذي أُعلن فيه هذا التوجه لم يقتصر على الأطراف الحكومية والأمنية المعتادة، بل ضمّ وفداً من تحالف القضية الإيزيدية ورئيس كتلته النيابية، إلى جانب قيادة وحدات مقاومة سنجار ذاتها. هذا التفصيل، وإن بدا بروتوكولياً في ظاهره، يحمل دلالة لا يجوز الاستهانة بها.
فالاتفاقية التي وُقّعت بين بغداد وأربيل عام 2020 بشأن سنجار، والتي ظلت حبراً على ورق لسنوات، وُلدت أصلاً من توافقٍ بين مركزين للسلطة دون أن يُستشار أبناء القضاء أنفسهم، ودون أن يكون لتحالف القضية الإيزيدية أو لممثلي الناجين من الإبادة أي حضور في صياغتها.
أن يُستدعى هذا الطرف اليوم إلى الاجتماع الذي يُعاد فيه فتح الملف، هو اعتراف ضمني، وإن جاء متأخراً، بأن أي تسوية أمنية تمر فوق رؤوس من دفعوا الثمن الأكبر لن تكون سوى بناءٍ هشٍّ ينهار عند أول عاصفة.
غير أن الاعتراف بالحضور شيء، والشراكة الفعلية في القرار شيء آخر تماماً. التجربة العراقية، ولا سيما في ملفات ما بعد الحرب على داعش، حافلة بنماذج من الاستدعاء الشكلي، حيث يُدعى الطرف المتضرر ليكون شاهداً على توافقٍ سياسي جرى التفاهم عليه بمعزل عنه في دوائر أخرى، ليخرج بعدها بصورة تذكارية ووعودٍ عامة لا تُترجم إلى التزامات قابلة للقياس.
حيث المعيار الحقيقي لصدق هذا التحول لن يظهر في بيانات الاجتماعات، بل في التفاصيل التي تُصاغ لاحقاً بعيداً عن الأضواء:
من الذي سيُعتبر “مؤهلاً” للاندماج في المؤسسات الأمنية، ووفق أي معايير، ومن يملك حق البت في ذلك؟
هل سيكون لأبناء سنجار، عبر ممثليهم الفعليين، رأي في تحديد هذه المعايير، أم أن دورهم سينتهي عند حدود الحضور الرمزي في قاعة الاجتماع؟
ثمة إشكالية أعمق لا تزال قائمة رغم اللهجة الحاسمة التي وردت في الإعلان بشأن “عدم قبول أي سلطة أمنية أو عسكرية خارج إطار الدولة”. فالمشهد الأمني في سنجار لا يزال يعج بفاعلين متعددين تتقاطع مصالحهم وتتضارب، من حزب العمال الكردستاني إلى قوات البيشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني إلى التشكيلات المحلية المختلفة. فحصر السلاح بيد الدولة، مهما بلغت جديته، يبقى شعاراً سياسياً ما لم يُترجم إلى آلية تنفيذية واضحة تعالج هذا التعدد بشكلٍ فعلي لا خطابي. والأخطر من ذلك أن الأطراف التي تتصدر اليوم مشهد “الحلول” وتتفاوض باسم الدولة، هي في كثير من الأحيان ذاتها الشبكات السياسية التي تقاسمت النفوذ في سنجار بعد الإبادة، بل إن بعضها كان جزءاً من الفراغ الأمني الذي مهّد لوقوع الكارثة في آب من عام 2014، حين انسحبت القوات المفترض أن تحمي القضاء دون سابق إنذار وتركت أبناءه لمصيرهم أمام تنظيم داعش.
من هنا تحديداً تنبع أهمية أن يتحول الطرف المتضرر من موضوعٍ يُقرَّر بشأنه إلى فاعلٍ يراقب ويحاسب. فالذاكرة هنا ليست استحضاراً عاطفياً للماضي، بل أداة سياسية بامتياز، إذ إن من تخلى عن سنجار في يوم الإبادة لا ينبغي أن يُمنح اليوم صك الغفران بمجرد أن يجلس على طاولة تفاوض جديدة.
المسؤولية التاريخية التي يحملها تحالف القضية الإيزيدية ومن معه من مؤسسات المجتمع المدني والسياسي الإيزيدي تقتضي توثيقاً مستقلاً ودقيقاً لكل خطوة تنفيذية فعلية، لا الاكتفاء بمتابعة التصريحات الرسمية:
من الذي سلّم سلاحه فعلاً، ومن اندمج في أي مؤسسة أمنية وبأي رتبة ومهام.
وهل شملت هذه الخطوات وحدات حماية سنجار وبالأخص وحدات حماية المرأة الإيزيدية بالإنصاف ذاته الذي وُعدت به.
كما تقتضي ربط هذا الملف الأمني بملفات العدالة الانتقالية القائمة أصلاً، من قرارات الاعتراف الدولي بالإبادة إلى تحقيقات الأمم المتحدة في جرائم داعش، حتى لا يُعزل الحديث عن السلاح والمؤسسات عن سياق المساءلة الأشمل الذي لا يزال أبناء سنجار ينتظرون إنصافهم فيه.
وما يعزز الخوف من هذا الحذر، هو أن الإعلان نفسه تضمّن وعوداً موازية بشأن شمول أبناء المكون الإيزيدي بمشروع الأراضي السكنية ومتابعة إعمار القضاء، وهي وعود سبق أن سُمعت في مناسبات متعددة دون أن تتحول إلى واقعٍ ملموس يُنهي معاناة عشرات آلاف النازحين الذين ما زالوا يقيمون في مخيمات كردستان بعد أكثر من عقدٍ من الإبادة. فالسلاح والاستقرار الأمني شرطٌ ضروري لكنه غير كافٍ، ما لم يقترن بعودةٍ كريمة وإعمارٍ فعلي وضمانات قانونية تحول دون تكرار سيناريو الانسحاب المفاجئ الذي عاشته سنجار من قبل.
إن الحكم النهائي على صدق هذا التحول لن يصدر في قاعات بغداد، بل سيُكتب على أرض سنجار نفسها، في الأشهر المقبلة، حين تُختبر النوايا المعلنة أمام تفاصيل التنفيذ. وما على الطرف الإيزيدي، بكل مكوناته السياسية والمدنية، إلا أن يظل يقظاً، متمسكاً بحقه في المشاركة لا في الاستشارة، رافضاً أن يُختزل تاريخه المثقل بالخذلان إلى مجرد شهادة حضور على قرارٍ اتُّخذ من دونه.





