Homeاراءحلم قائم مقام سنجار... من مباراة كرة القدم إلى مشروع إنقاذ سنجار...

حلم قائم مقام سنجار… من مباراة كرة القدم إلى مشروع إنقاذ سنجار :ماجد حسن سلو

 

ليلة أمس، وبعد عودتي من العمل، استحممت وجلست على الأريكة مع ابني، وكعادتنا بدأنا نقاشنا المعتاد في السياسة والاقتصاد والرياضة والمجتمع. ثم تابعنا معًا مباراة في الدوري الإسباني بين ريال مدريد ورايو فاليكانو.

أنا، وكما يعرف ابني، أشجع برشلونة، وكنت أتمنى أن يخسر ريال مدريد حتى يتسع الفارق بين الفريقين. أما ابني، فله رأي آخر ولا يعشق برشلونة!
وفي استراحة الشوط الأول، فتحت فيسبوك لأرى تعليقات الأصدقاء والزملاء على منشوري السابق عن «حلم قائم مقام سنجار».
أسعدني أن أجد أن معظم التعليقات كانت تتمنى أن يتحقق ذلك الحلم سريعًا، ليس حبًا بشخصي، وإنما لأن أهلنا النازحين يستحقون منذ سنوات طويلة أن يعودوا إلى أرضهم، وأن يعيشوا حياة كريمة في وطنهم.
كان أحد الأصدقاء يعلّق على كثرة الشوارع التي قلت إنني سأقوم بتعبيدها في ذلك الحلم، وآخر عاتبني على طول المنشور!
فقلت في نفسي: إذا كانت مطالب أهلنا كثيرة، فكيف يكون المنشور قصيرًا؟
فطول المنشور ليس مشكلة الكاتب، وإنما هو انعكاس لطول قائمة الحرمان، وكثرة المشاريع المتراكمة، وتعدد الاحتياجات التي حُرم منها أهل سنجار طوال سنوات.
وكانت إحدى الأنسات العزيزات قد كتبت تعليقًا جميلًا تتمنى فيه ألا أستيقظ من النوم قبل أن أكمل برنامجي الإعماري، بحيث تصبح سنجار مكتملة البنية التحتية والخدمات.
ومن هنا بدأت الفكرة تكبر في رأسي.
قلت: إذا كان هذا مجرد حلم، فلماذا لا نحاول أن نحوله إلى خطة واقعية قابلة للتنفيذ؟
ناقشت الأمر مع ابني، واتفقنا على أن إعادة أكثر من ربع مليون نازح إلى قراهم لا يمكن أن تكون مجرد نقل للعائلات من المخيمات إلى بيوت مهدمة أو مناطق تفتقر إلى الخدمات وفرص العمل.
العودة الحقيقية ليست عودة إلى الأرض فقط، بل عودة إلى حياة كريمة.
لذلك، لا بد من التفكير في مشاريع تجعل الإنسان متمسكًا بأرضه، وتوفر له مصدر رزق دائمًا.
بدأنا نفكر سريعًا في مشروع ري الجزيرة وتطويره وتوفير المياه اللازمة للزراعة، ومنح الفلاحين قروضًا ميسرة وطويلة الأجل، من دون فوائد، لزراعة الحبوب والخضار والفواكه والمحاصيل التي تناسب أرض سنجار.
لكن الزراعة وحدها لا تكفي.
يجب أن يكون هناك تسويق مضمون للمنتجات ومؤسسات تشتري إنتاج الفلاحين، حتى لا يزرع الفلاح ثم يبحث بعد ذلك عن مشترٍ لمحصوله.
ثم انتقلنا إلى الصناعة.
سنجار مقبلة على واحدة من أكبر عمليات إعادة الإعمار، وبالتالي سنحتاج إلى كميات كبيرة من مواد البناء، وفي مقدمتها الإسمنت. فلماذا لا تتم إعادة تأهيل وتشغيل معمل إسمنت سنجار ليكون جزءًا من عملية الإعمار، ويوفر في الوقت نفسه فرص عمل لأبناء المنطقة؟
وهنا، وبما أن ابني من محبي التدخين، قال لي ضاحكًا:
«أليست سنجار مشهورة بتبغها الجيد، وخاصة تبغ كلي كرسي؟ فلماذا لا يكون هناك مشروع صناعي للاستفادة من هذه الزراعة؟»
ثم أضاف فكرة أخرى: إنشاء معامل لتعليب وتجفيف التين والفواكه والخضار التي تشتهر بها المنطقة، بدل أن تباع المواد الخام بأسعار زهيدة، ثم تعود إلينا مصنّعة بأسعار مضاعفة.
وهكذا، وفي دقائق قليلة، تحول حديث أب وابنه أثناء استراحة مباراة كرة قدم إلى قائمة طويلة من المشاريع التي يمكن أن تكون جزءًا من مشروع اقتصادي متكامل لسنجار.
ثم بدأ الشوط الثاني.
قال لي ابني مازحًا:
«إذا فاز فريقي، ريال مدريد، فهذا يعني أنك ستنجح في تحقيق مطالب أهلك النازحين!»
وبالفعل، انتهت المباراة بفوز ريال مدريد بأربعة أهداف مقابل هدف.
ضحكت وقلت له: يبدو أنني خسرت المباراة، لكنني ربحت شيئًا أهم: فكرة جديدة لسنجار.
لكن المباراة تركت في نفسي ملاحظة أخرى.
فقد بدا لي أن بعض قرارات الحكم ومساعديه لم تكن مقنعة، وخصوصًا ركلة الجزاء التي احتُسبت لريال مدريد، فقلت لابني:
حتى لو امتلكنا الحلم والخطة والمال، فإن المهمة ستبقى صعبة إذا لم تكن هناك إرادة حقيقية، وعدالة، وتعاون بين الجميع.
وهذا هو جوهر القضية.
سنجار لا تحتاج إلى المزيد من الوعود والخطب والمهرجانات الانتخابية.
سنجار تحتاج إلى خطة إعمار حقيقية، وميزانية واضحة، ومشاريع زراعية وصناعية وخدمية، وفرص عمل، ومياه وكهرباء وطرق وصحة وتعليم، وإلى بيئة آمنة يستطيع فيها النازح أن يعود وهو مطمئن إلى أن مستقبله ومستقبل أطفاله سيكون في أرضه.
نحن لا نريد أن نعيد النازحين من المخيمات إلى سنجار لكي يعيشوا أزمة جديدة.
نريد أن نعيدهم إلى وطن منتج، آمن، مزدهر، قادر على أن يمنح أبناءه حياة كريمة.
والأهم من كل ذلك، أن نجاح هذا المشروع يحتاج إلى أن تتخلى جميع الجهات عن حساباتها الشخصية والحزبية الضيقة، وأن تضع مصلحة سنجار وأهلها فوق كل المصالح الأخرى.
فإذا كان حلم «قائم مقام سنجار» قد بدأ من أريكة في بيت، وبين أب وابنه ومباراة كرة قدم، فليس مستحيلًا أن يتحول يومًا إلى مشروع حقيقي إذا توفرت الإرادة والكفاءات والإخلاص.
فأهل سنجار لا يحتاجون إلى من يحلم عنهم فقط، بل إلى من يضع الحلم على الورق، ثم يحوله إلى طريق، وماء، وزراعة، ومصنع، ومدرسة، ومستشفى، وبيت، وفرصة عمل… وحياة تستحق أن تُعاش.
وإذا طال المنشور، فاعذروني…
فأحلام أهل سنجار كثيرة، ومحرومياتهم أكثر، ومشاريعهم المؤجلة أطول من أن تختصرها بضع سطور.

 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular