تمهيد
بيّن الفصل السابق أن الإصلاح الاقتصادي الصيني لم يؤدِّ إلىتفكيك الدولة والقطاع العام، كما لم يحافظ على العلاقاتالاقتصادية التي سادت مرحلة التخطيط المركزي. فقد توسعتالسوق والملكية الخاصة والعمل المأجور والاستثمار الأجنبي،بينما احتفظت الدولة بالمصارف والأرض والشركات والقطاعاتالاستراتيجية، واستمر الحزب الشيوعي الصيني في تحديدالاتجاه السياسي والاقتصادي العام.
ينتقل هذا الفصل من تتبع نشوء النموذج تاريخيًا إلى تحليلبنيته المؤسسية وطريقة عملها. فهو يبحث الجهة التي تحددالأولويات الاقتصادية، وطبيعة العلاقة بين الحزب وأجهزة الدولة،وتوزع الملكية بين القطاعين العام والخاص، والأدوات التيتستخدمها الدولة لتوجيه السوق والائتمان والاستثمار والتطورالتكنولوجي.
ولا يمكن تحديد طبيعة النموذج الصيني بالاستناد إلى وجودالسوق أو ملكية الدولة كلٌّ على حدة. فالشركات المملوكة للدولةتعمل داخل السوق، وتبرم العقود، وتقترض وتستثمر، وتسعى إلىتحقيق العائد، وإن أمكن توجيهها في الوقت نفسه نحو أهدافعامة واستراتيجية. وفي المقابل، لا يعمل القطاع الخاص بمعزلعن الدولة، بل يستفيد بدرجات متفاوتة من تمويل المصارفالعامة، وحقوق استخدام الأرض، والبنية التحتية، والسياساتالصناعية والتكنولوجية التي توفرها السلطات العامة.
ولهذا يقتضي التحليل التمييز بين أربعة مستويات مترابطة: القيادة السياسية التي يمارسها الحزب؛ والملكية القانونيةللأصول ووسائل الإنتاج؛ والسيطرة الفعلية على الاستثماروالائتمان واستخدام الفائض؛ ومشاركة العاملين والمجتمع فيإدارة المؤسسات وتحديد الأولويات. ويمنع هذا التمييز مساواةالاشتراكية بملكية الدولة وحدها، كما يمنع اعتبار استخدامالسوق دليلًا كافيًا على سيطرة رأس المال الخاص على النظامالاقتصادي.
فالمضمون الاجتماعي للملكية لا يتحدد باسم المالك القانونيفحسب، بل يتحدد كذلك بالجهة التي تدير الأصول، والغاياتالتي يوجَّه الإنتاج والاستثمار نحوها، وكيفية توزيع عوائدهما،والآليات التي تخضع القرارات الاقتصادية للمساءلة. وتزدادأهمية هذه المسألة مع تحول البيانات والخوارزميات والمنصاتوشبكات الاتصال والرقائق والقدرة الحاسوبية إلى مكوناتأساسية في بنية الإنتاج والسلطة الاقتصادية.
ولا ينطلق الفصل من حكم مسبق بأن الصين تحولت إلىرأسمالية مكتملة، ولا من افتراض أنها حققت ملكية اجتماعيةناضجة. بل يتعامل مع النموذج بوصفه بنيةً انتقاليةً مركبة تجمعبين قيادة سياسية مركزية وتعدد أشكال الملكية، وبين التخطيطالاستراتيجي وآليات السوق، وبين قدرة الدولة على توجيه رأسالمال وضبطه ومحدودية مشاركة المنتجين المباشرة في إدارةالمؤسسات والقرار الاقتصادي. ومن خلال تحليل هذه العلاقاتيمكن تقويم ما إذا كانت أدوات الدولة والسوق تتحرك نحو توسيعالسيطرة الاجتماعية على الإنتاج، أم تؤدي إلى استقرار صيغةطويلة الأمد تجمع التوجيه الحكومي بعلاقات العمل والتراكمالرأسمالي.
أولًا: قيادة الحزب والعلاقة بين الحزب والدولة
يحتل الحزب الشيوعي الصيني موقع القيادة العليا في النظامالسياسي؛ فهو لا يعمل بوصفه حزبًا انتخابيًا يتولى الحكومة لمدةمحددة، بل بوصفه القوة التي تحدد الاتجاه الاستراتيجي للدولةوالاقتصاد والمجتمع. وقد أكد تعديل دستور جمهورية الصينالشعبية سنة 2018 هذا الموقع بإضافة النص القائل إن «قيادةالحزب الشيوعي الصيني هي السمة المحدِّدة للاشتراكية ذاتالخصائص الصينية». (51)
ولا يعني ذلك أن الحزب والدولة يشكلان مؤسسةً واحدة منالناحيتين القانونية والتنظيمية. فللحزب هيئاته الخاصة، وفيمقدمتها المؤتمر الوطني واللجنة المركزية والمكتب السياسيولجنته الدائمة، بينما تضم مؤسسات الدولة المجلس الوطنيلنواب الشعب ورئاسة الجمهورية ومجلس الدولة والمحاكموالنيابات واللجان الرقابية والسلطات المحلية.
غير أن هذا التمايز التنظيمي لا يقوم على فصل السلطةالسياسية عن أجهزة الدولة؛ فالهيئات الحزبية تحدد التوجهاتالعامة، وتشرف على اختيار الكوادر القيادية وتقويمها، ثم تتولىمؤسسات الدولة تحويل هذه التوجهات إلى قوانين وخططوموازنات وسياسات وإجراءات تنفيذية. ولذلك يمكن وصفالعلاقة بأنها تمايز في الوظائف داخل إطار قيادة سياسيةموحدة، لا علاقة بين حزب حاكم ودولة محايدة تجاه الأحزاب.
ويظهر هذا الترابط بوضوح في المجال الاقتصادي. فالقراراتالكبرى المتعلقة بالخطط الخمسية، والسياسة الصناعية،وإصلاح الشركات المملوكة للدولة، وتنظيم القطاع الخاص،والائتمان، والتكنولوجيا، والأمن الاقتصادي، تتبلور في إطارالقيادة الحزبية، ثم تنفذها الحكومة والهيئات التنظيميةوالمصارف والمؤسسات العامة والسلطات المحلية.
وتمنح هذه البنية الدولة قدرةً كبيرة على تنسيق السياساتوالمحافظة على أهداف طويلة الأجل. فهي تستطيع الربط بينالاستثمار في النقل والطاقة والتعليم والبحث العلمي والصناعة،وتعبئة الموارد لتنفيذ مشروعات تتجاوز حسابات الربح السريع. وقد أسهمت هذه القدرة في بناء البنية التحتية، ودعم الصناعاتالاستراتيجية، والاستجابة للأزمات الاقتصادية، والمحافظة علىاستمرارية السياسات التنموية.
لكن قوة التنسيق لا تلغي مشكلتي المعلومات والمساءلة. فعندماتضع القيادة المركزية الأهداف، وتشرف على التنفيذ، وتتولىتقويم النتائج، قد تميل المستويات الأدنى إلى تقديم المعلوماتالتي تتوافق مع توقعات المسؤولين، أو إلى التركيز على المؤشراتالمستخدمة في تقويم أدائها، مثل النمو والاستثمار، على حسابشروط العمل والبيئة وجودة الخدمات. ولذلك تعتمد فاعلية القيادةالمركزية على وجود قنوات تنقل المعلومات من أسفل، وتكشفالأخطاء، وتتيح مراجعة السياسات ومحاسبة المسؤولين.
ومن الضروري، في هذا السياق، التمييز بين قدرة الحزب والدولةعلى ضبط رأس المال وبين الرقابة الاجتماعية على الحزب والدولةنفسيهما. فالأولى تعني أن رأس المال الخاص لا يتمتع باستقلالسياسي كامل، وأن السلطات تستطيع تنظيم نشاطه وتقييدهوتغيير قواعد الأسواق التي يعمل داخلها. أما الثانية فتتعلقبقدرة العمال والمواطنين على مراقبة القرارات العامة والمشاركة فيتحديد الأولويات الاقتصادية والاجتماعية واستخدام المواردوالفائض.
ويوفر النظام الصيني قنوات للمشاركة من خلال مجالس نوابالشعب، والمؤتمرات الاستشارية، والنقابات، والمنظماتالجماهيرية، ومؤتمرات ممثلي العاملين. غير أن هذه المؤسساتتعمل داخل الإطار السياسي الذي يقوده الحزب، ولا تشكلمراكز سياسية مستقلة تنافس قيادته. ومن ثم لا يكفي وجود هذهالقنوات في النصوص والقوانين؛ إذ ينبغي تقويم مقدار تأثيرهاالفعلي، وقدرتها على نقل مطالب العاملين والمواطنين، ومساءلةالمسؤولين، والتأثير في القرارات التي تمس شروط العمل والحياةاليومية.
ويمكن الاستفادة هنا من تحليل ماركس وإنجلز لكومونة باريس،من دون افتراض أن الكومونة تقدم نموذجًا دستوريًا جاهزًا يتعينتكراره في جميع البلدان. فقد نشأت الكومونة في ظروف ثوريةوتاريخية خاصة، لكن ماركس استخلص منها مبدأً عامًا يتعلقبمنع سلطة الدولة من الاستقلال عن المجتمع والاستعلاء عليه. فكتب أن مهمتها تمثلت في «انتزاع الوظائف المشروعة من سلطةتطمع أن تكون فوق المجتمع وتسليمها إلى خدام المجتمعالمسؤولين». وأوضح إنجلز، في مقدمته لطبعة سنة 1891، أنانتخاب المسؤولين وقابليتهم للعزل وتقييد امتيازاتهم كانت وسائللمنع تحول أجهزة الدولة من خادمة للمجتمع إلى سيدة عليه. (52)
ولا تقتضي الاستفادة من هذا المبدأ إقامة مطابقة حرفية بينكومونة باريس والنظام الصيني؛ فقد تبلورت المؤسسات الصينيةفي ضوء تاريخها الثوري، واتساع البلاد السكاني والجغرافي،ودور تحالف العمال والفلاحين، ومتطلبات التنمية والتنسيق داخلاقتصاد متعدد أشكال الملكية. غير أن خصوصية الشكلالمؤسسي لا تلغي السؤال الذي طرحه ماركس وإنجلز: هل تظلأجهزة الدولة خاضعةً للمجتمع وقابلةً للمساءلة، أم تكتسبمصالح وسلطة منفصلتين عن المنتجين الذين يفترض أنهاتمثلهم؟
ويرتبط بذلك التمييز بين ملكية الدولة والسيطرة الاجتماعية علىوسائل الإنتاج. فقد نبّه إنجلز، في معرض تحليله انتقال بعضقوى الإنتاج إلى ملكية الدولة داخل المجتمع الرأسمالي، إلى أنهذا الانتقال لا يغيّر علاقات الإنتاج تلقائيًا، فكتب: «يبقى العمالعمالًا أجراء، بروليتاريين»، وأكد أن «ملكية الدولة لقوى الإنتاجليست حلًا للنزاع»، وإن كانت تنطوي على إمكانات تساعد علىحله. (53)
وكان إنجلز يتحدث عن انتقال المؤسسات إلى ملكية الدولة داخلالمجتمع الرأسمالي، ولذلك لا يجوز نقل حكمه بصورة آلية إلىدولة يقودها حزب شيوعي. غير أن نصه يقرر مبدأً منهجيًاصالحًا للتحليل: تغير المالك القانوني لوسائل الإنتاج لا يعني،بذاته، انتقال السيطرة الفعلية عليها إلى المجتمع والمنتجين. فملكية الدولة تستطيع الحد من الاستحواذ الخاص على الفائضوتوفير أدوات للتخطيط والتنمية، لكن مضمونها الاجتماعييتوقف على أهداف استخدامها، والجهة التي تديرها، والآلياتالتي تخضعها للمساءلة.
وانطلاقًا من ذلك، لا يجوز الانتقال تلقائيًا من قيادة الحزبالشيوعي إلى القول بسيطرة الطبقة العاملة الفعلية على وسائلالإنتاج. فقيادة الحزب حقيقة سياسية ومؤسسية، وقيادة الطبقةالعاملة مبدأ دستوري، أما سيطرة العاملين فتتطلب مشاركتهمالمؤثرة في إدارة المؤسسات، وتحديد شروط العمل، والرقابة علىالقرارات الاستثمارية، والمساهمة في تقرير كيفية استخدامالفائض. وهذه علاقة اجتماعية ينبغي تقويمها من خلالالمؤسسات والممارسة، لا من خلال الصفة السياسية للحزب أوملكية الدولة وحدهما.
وهكذا تجمع العلاقة بين الحزب والدولة في الصين بين قدرةمرتفعة على التخطيط والتنسيق والتنفيذ، وبين تمركز واسع للقرارالسياسي والاقتصادي. ولذلك لا يتعلق السؤال الاشتراكي بقدرةالدولة على توجيه السوق وضبط رأس المال فحسب، بل يتعلقكذلك بالغايات التي تستخدم هذه القدرة من أجلها، والجهة التيتراقب ممارستها، ومقدار مشاركة العمال والفلاحين والمجتمع فيتحديد أولوياتها. وينقلنا ذلك من شكل القيادة السياسية إلىالأساس الدستوري الذي ينظم تعدد أشكال الملكية داخللاقتصاد الصيني.
ثانيًا: الأساس الدستوري لتعدد أشكال الملكية
يقوم النظام الاقتصادي الصيني، من الناحية الدستورية، علىالجمع بين أولوية الملكية العامة ووجود أشكال أخرى من الملكية. فالدستور لا يقرر احتكار الدولة لجميع وسائل الإنتاج، كما لايتعامل مع الملكية العامة والخاصة بوصفهما شكلين متساويينفي الموقع والوظيفة، بل يضعهما ضمن بناء اقتصادي تتولى فيهالملكية العامة الدور الأساس، بينما تعمل الملكية الخاصة إلىجانبها داخل «اقتصاد السوق الاشتراكي».
تنص المادة السادسة من دستور جمهورية الصين الشعبية علىأن الملكية العامة الاشتراكية لوسائل الإنتاج هي أساس النظامالاقتصادي الاشتراكي، وأنها تتخذ شكلين رئيسين: ملكيةالشعب كله والملكية الجماعية للعاملين. وتضيف أن الصينتتمسك، خلال «المرحلة الأولية للاشتراكية»، بنظام تكون فيهالملكية العامة هي القوام، مع تطور أشكال متعددة من الملكيةجنبًا إلى جنب. كما تقرر المادة السابعة أن اقتصاد الدولة،بوصفه القطاع المملوك للشعب كله، هو القوة القيادية فيالاقتصاد. أما المادة العاشرة فتنص على ملكية الدولة للأرض فيالمدن، وعلى الملكية الجماعية للأرض في الأرياف وضواحيالمدن، باستثناء ما يحدده القانون بوصفه ملكًا للدولة. (54)
وفي المقابل، تعترف المادة الحادية عشرة بالاقتصادات غيرالعامة، ومنها المشروعات الفردية والخاصة، وتعدها «مكوّنًا مهمًامن اقتصاد السوق الاشتراكي». وتلتزم الدولة، وفق المادةنفسها، بحماية حقوق هذه القطاعات ومصالحها المشروعة،وتشجيع تطورها ودعمه وإرشاده، مع إخضاعها للإشرافوالتنظيم وفقًا للقانون. كما تحمي المادة الثالثة عشرة الملكيةالخاصة المشروعة وحق توريثها، في حين تنص المادة الخامسةعشرة على تطبيق «اقتصاد السوق الاشتراكي» وتعزيز التشريعالاقتصادي والتنظيم الكلي للاقتصاد. (55)
ويكشف هذا البناء عن تراتب دستوري بين أشكال الملكية، لا عنمساواة مطلقة بينها. فالملكية العامة توصف بأنها أساس النظامالاقتصادي وقوامه، ويوصف اقتصاد الدولة بأنه القوة القيادية،بينما يُعترف بالقطاع غير العام بوصفه مكوّنًا مهمًا يجريتشجيعه وحمايته وتنظيمه. وبذلك لا تُلغى الملكية الخاصة، لكنهالا تُمنح، من الناحية الدستورية، موقع القيادة في الاقتصاد.
وقد أعادت الوثائق الصينية الحديثة تأكيد هذا الترتيب. فقد دعابيان الدورة الكاملة الثالثة للجنة المركزية العشرين للحزبالشيوعي الصيني، الصادر سنة 2024، إلى توطيد القطاعالاقتصادي العام وتطويره، وإلى تشجيع القطاع غير العامودعمه وإرشاده في الوقت نفسه. كما أكد حصول الاقتصاداتذات أشكال الملكية المختلفة على عناصر الإنتاج وفقًا للقانون،ومشاركتها في المنافسة السوقية، وتمتعها بحماية قانونيةمتكافئة. (56)
ولا تعني الحماية القانونية المتكافئة تطابق وظيفة القطاعين العاموالخاص. فهي تتعلق بحقوق المؤسسات في دخول السوقوالحصول على الموارد والمنافسة والحماية القانونية، بينما تتعلققيادة القطاع العام بسيطرة الدولة على الأصول والمواردوالقطاعات التي تعدها استراتيجية. ولذلك لا يمكن قياس موقعالملكية العامة بعدد المؤسسات أو حصتها من التشغيل والإنتاجوحدها؛ بل ينبغي النظر أيضًا إلى نوعية القطاعات التي تسيطرعليها، وحجم الأصول التي تديرها، وقدرتها على توجيه الائتمانوالاستثمار والتطور التكنولوجي.
ويستند هذا التعدد، في الخطاب الصيني، إلى مفهوم «المرحلةالأولية للاشتراكية»، الذي يفترض أن مستوى تطور القوىالمنتجة لا يسمح بالانتقال المباشر إلى نمط موحد من الملكيةوالتوزيع، وأن تطوير الاقتصاد يقتضي الاستفادة من السوقوالملكية الخاصة والاستثمار الأجنبي، مع احتفاظ الدولة والقطاعالعام بالموقع القيادي. غير أن هذا التفسير يثير سؤالًا يتجاوزالاعتراف بوجود أشكال اقتصادية متعددة: هل تتطور هذهالأشكال في اتجاه توسيع السيطرة الاجتماعية على الإنتاج، أمفي اتجاه تعاظم سلطة رأس المال الخاص داخل الاقتصادوالمجتمع؟
ويقدم لينين معيارًا منهجيًا يفيد في تناول هذه المسألة. فقد كتبسنة 1919 أن «بين الرأسمالية والشيوعية مرحلة انتقالية تمزجخصائص وملامح كلٍّ من شكلي الاقتصاد الاجتماعي»، لكنهأوضح أن هذا الامتزاج لا يمثل توازنًا ساكنًا، بل يجري في إطارصراع بين العلاقات الرأسمالية المستمرة أو المتجددة وبينالعلاقات الاشتراكية الناشئة. (57)
ولا تتطابق «المرحلة الأولية للاشتراكية» في الخطاب الصيني معمفهوم المرحلة الانتقالية لدى لينين تطابقًا كاملًا؛ فلكل منهماسياقه التاريخي والسياسي. لكن نص لينين ينبه إلى أن اجتماععناصر رأسمالية واشتراكية داخل اقتصاد واحد لا يحسم،بذاته، طبيعة اتجاهه. فالمعيار لا يتمثل في وجود التعدد وحده، بلفي العلاقة بين مكوناته: أيّ أشكال الملكية تتوسع؟ ومن يسيطرعلى القطاعات الأساسية والائتمان والاستثمار؟ ولأي غاياتيستخدم الفائض؟ وما مقدار مشاركة العاملين والمجتمع فيتوجيه الاقتصاد والرقابة عليه؟
وانطلاقًا من ذلك، لا يكفي وجود القطاع الخاص للقول إن الصينأصبحت اقتصادًا رأسماليًا مكتملًا، مثلما لا يكفي النص علىقيادة الملكية العامة لإثبات تحقق الملكية الاجتماعية الفعلية. فالدستور يحدد الموقع القانوني لأشكال الملكية، لكنه لا يكشفوحده عن العلاقات الفعلية التي تُدار ضمنها الأصول العامة، ولاعن الجهة التي تقرر أهداف المؤسسات وكيفية استخدامفوائضها. ولذلك ينتقل التحليل من الأساس الدستوري للملكيةإلى دراسة الشركات المملوكة للدولة، والتمييز بين ملكية الدولةوالملكية الاجتماعية.
ثالثًا: ملكية الدولة والملكية الاجتماعية
ينقل تحليل الشركات المملوكة للدولة البحث من النص الدستوريإلى الممارسة الاقتصادية الفعلية. فالسؤال لا يتعلق بمجرد وجودأصول مسجلة باسم الدولة، بل بالدور الذي تؤديه هذه الأصول،والجهة التي تديرها، والكيفية التي تستخدم بها مواردهاوفوائضها، ومقدار مشاركة العاملين والمجتمع في القراراتالمتعلقة بها.
تحتفظ الشركات المملوكة للدولة بموقع محوري في الاقتصادالصيني، ولا سيما في الطاقة والمصارف والاتصالات والنقلوالسكك الحديدية والصناعات الدفاعية والبنية التحتية والموادالأساسية. ولا تُقاس أهميتها بعددها أو بحصتها من الناتجوالتشغيل فقط، بل بطبيعة القطاعات التي تعمل فيها؛ إذ يتيحالتحكم في الطاقة والتمويل والنقل والاتصالات التأثير في عملبقية الاقتصاد، بما في ذلك نشاط الشركات الخاصة والأجنبية.
وتخضع الشركات التابعة للحكومة المركزية لإشراف لجنة مراقبةوإدارة الأصول المملوكة للدولة التابعة لمجلس الدولة. وقد اتجهتالإصلاحات إلى الانتقال من الإدارة الحكومية المباشرة لكلتفاصيل المؤسسة إلى إدارة رأس المال المملوك للدولة، مع منحالشركات استقلالًا تشغيليًا وتجاريًا أوسع وإخضاعها لمعاييرالأداء والكفاءة والمحافظة على قيمة الأصول العامة وتنميتها. كماشملت الإصلاحات إعادة الهيكلة والدمج، وتطبيق نظامالشركات، وإدخال الملكية المختلطة في عدد من القطاعات. (58)
ونتيجةً لذلك، لا تعمل الشركة العامة الصينية بوصفها دائرةإدارية تنفذ أوامر الخطة فحسب؛ فهي تبرم العقود، وتقترضوتستثمر، وتبيع منتجاتها في السوق، وتنافس شركات عامةوخاصة وأجنبية. لكنها لا تتحول، في الوقت نفسه، إلى شركةمستقلة تمامًا عن الدولة؛ إذ تستطيع السلطات توجيهها نحوأهداف تتعلق بالسياسة الصناعية، أو أمن الطاقة، أو البنيةالتحتية، أو الاستقرار الاقتصادي، أو الاستقلال التكنولوجي.
الوظيفة الاستراتيجية للشركات العامة
لا تنحصر وظيفة الشركات المملوكة للدولة في تحقيق الربح المالي. فقد تستخدمها الدولة لتنفيذ مشروعات تتطلب استثمارات ضخمةوفترات طويلة قبل تحقيق العائد، أو للحفاظ على إمدادات الطاقةوالنقل والاتصالات، أو لدعم صناعات وتكنولوجيات تعدهاضرورية للتنمية والأمن القومي.
وقد أكدت القيادة الصينية أن إدارة الاقتصاد المملوك للدولةينبغي أن تخدم التنمية العالية الجودة، وتعزيز الرخاء المشترك،وحماية الأمن القومي، وبناء نمط التنمية الجديد. كما ربطتإصلاح الشركات العامة بتحسين قدرتها على تنفيذ الأهدافالاستراتيجية للدولة، لا بالمحافظة على قيمة أصولها وتحقيقالعائد المالي فقط. (59)
وتمنح هذه الوظيفة الدولة وسيلةً للتدخل المباشر في بنية الإنتاج،تتجاوز الضرائب والإعانات والتنظيم القانوني. فملكية المؤسساتالعاملة في الطاقة والنقل والاتصالات والتمويل تتيح للدولة توفيرالبنية الأساسية وتوجيه الاستثمارات نحو قطاعات لا يقبل عليهارأس المال الخاص بالقدر المطلوب بسبب ارتفاع تكلفتها أو بطءعوائدها. ويظهر ذلك بوضوح في مجالات مثل الرقائق والذكاءالاصطناعي وشبكات الاتصال ومراكز البيانات والحوسبةالسحابية، التي تحتاج إلى تنسيق طويل الأجل بين البحثالعلمي والصناعة والطاقة والتمويل.
غير أن تعدد وظائف الشركة العامة يجعل تقويم أدائها أكثرتعقيدًا. فقد يُطلب منها تحقيق الربح والمحافظة على قيمةالأصول، وفي الوقت نفسه تنفيذ مهمة اجتماعية أو استراتيجية لاتحقق عائدًا سريعًا. ولذلك لا يصح قياس كفاءتها بالأرباحوحدها؛ بل ينبغي التمييز بين الخسارة الناتجة عن ضعفالإدارة، والتكلفة التي تتحملها المؤسسة بسبب تقديم خدمة عامةأو تنفيذ هدف وطني طويل الأجل. وفي المقابل، لا يجوزاستخدام الوظيفة الاستراتيجية لتبرير ضعف الكفاءة أو غيابالشفافية والمساءلة.
من ملكية الدولة إلى الملكية الاجتماعية
يقتضي تحليل الشركات العامة التمييز بين ثلاثة مستويات لاينبغي الخلط بينها:
ملكية الدولة: وتعني أن الأصول مسجلة قانونيًا باسم الدولة أومؤسسة عامة، وأن الدولة تمتلك حقوق التصرف فيها.
السيطرة والتوجيه الحكوميان: ويعنيان قدرة أجهزة الدولة علىتعيين الإدارات أو مراقبتها، وتحديد الأهداف الاستراتيجية،وتوجيه الاستثمار والأرباح نحو قطاعات ومشروعات معينة.
الملكية الاجتماعية: وتعني امتلاك العاملين والمجتمع قنوات مؤثرةللمشاركة في تحديد أهداف المؤسسة، والرقابة على إدارتها،وتقويم آثار نشاطها، وتقرير كيفية استخدام الفائض الذيتحققه.
ويتحقق المستوى الأول بوضوح في الشركات المملوكة للدولة، كمايظهر المستوى الثاني في قدرة السلطات الصينية على توجيهالشركات العامة نحو أهداف صناعية وتكنولوجية واجتماعية. أماالمستوى الثالث فلا ينتج تلقائيًا من المستويين السابقين؛ لأنإدارة المؤسسة باسم المجتمع لا تعني بالضرورة مشاركة المجتمعوالعاملين في اتخاذ قراراتها.
وهذا هو التطبيق المؤسسي للتمييز الذي تقرر في القسم الأول: انتقال الأصل إلى ملكية الدولة يغيّر المالك القانوني ويتيح توجيهالمؤسسة إلى أهداف عامة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات انتقالالسيطرة الفعلية إلى المنتجين والمجتمع. فالملكية الاجتماعية لاتتحدد باسم المالك فقط، بل بالعلاقات التي تنظم الإدارة والرقابةواتخاذ القرار.
وينص الدستور الصيني، في المادة السادسة عشرة، علىممارسة الشركات المملوكة للدولة الإدارة الديمقراطية من خلالمؤتمرات العاملين وغيرها من الوسائل. ويوفر هذا النص أساسًاقانونيًا لمشاركة العاملين داخل المؤسسة. (60) غير أن وجودمؤتمر للعاملين أو منظمة نقابية لا يكشف، بمفرده، مقدار السلطةالتي يمارسها العاملون فعلًا؛ إذ ينبغي التمييز بين إبلاغهمبالقرارات أو استشارتهم فيها، وبين قدرتهم المؤثرة على اختيارالإدارة، وتحديد شروط العمل، ومناقشة الخطط الاستثمارية،والرقابة على استخدام الأرباح.
فائض الشركات العامة واتجاه استخدامه
تختلف الشركة المملوكة للدولة عن الشركة الخاصة في أنأرباحها لا تذهب، من حيث المبدأ، إلى مالك رأسمالي فردي. فالدولة تستطيع الاحتفاظ بها داخل القطاع العام، أو تحويلقسم منها إلى المالية العامة، أو استخدامها في توسيع الإنتاجوتطوير التكنولوجيا والبنية التحتية والخدمات والمشروعاتالاستراتيجية.
لكن الملكية المختلطة تجعل الصورة أكثر تعقيدًا. فقد تحتفظ الدولةبحصة السيطرة، بينما يمتلك مستثمرون خواص جزءًا منالأسهم ويحصلون على نصيب من الأرباح. ولذلك ينبغي تحديدبنية الملكية وحقوق التصويت والجهة المسيطرة على القرار وكيفيةتوزيع العائد، بدل الاكتفاء بتصنيف المؤسسة بأنها عامة أوخاصة.
ولا يكتسب الفائض مضمونًا اجتماعيًا بمجرد بقائه في ملكيةالدولة. فقد يوجَّه إلى التعليم والصحة والبنية التحتية وتحسينشروط العمل وتطوير القوى المنتجة، وقد يستخدم في توسيعالمؤسسة أو تنفيذ مشروعات تحددها الأجهزة الإدارية من دونرقابة اجتماعية فعالة. ومن ثم يتحدد مضمونه الاجتماعي بالغايةالتي يستخدم من أجلها، والجهة التي تقرر استخدامه، ومدىخضوع هذا القرار للمساءلة العامة.
وتعمل الشركات العامة الصينية داخل السوق، وتستخدم العملالمأجور، وتسعى إلى زيادة الإنتاجية وخفض التكاليف وتحقيقالعائد. وقد تتشابه بعض أساليب تشغيلها، نتيجةً لذلك، معأساليب الشركات الرأسمالية. غير أن هذا التشابه لا يلغي الفارقفي الملكية وإمكان توجيه مواردها نحو أهداف عامة، مثلما لاتكفي ملكية الدولة وحدها للقول إن العاملين أصبحوا يسيطرونعلى عملية الإنتاج والفائض الناتج منها.
وبناءً على ذلك، تمثل ملكية الدولة أساسًا ماديًا ومؤسسيًا يتيحالحد من سيطرة رأس المال الخاص على القطاعاتالاستراتيجية، وتوجيه الموارد نحو أهداف طويلة الأجل. لكنها لاتصبح ملكيةً اجتماعيةً مكتملة إلا بمقدار ما تخضع إدارتهالرقابة فعالة، وتتوسع مشاركة العاملين والمجتمع في تحديدأهدافها واستخدام فوائضها. ومن هنا ينتقل التحليل إلى القطاعالخاص الذي تحول من نشاط تكميلي محدود إلى مكوّن دائمومحمي قانونيًا داخل الاقتصاد الصيني.
ثالثًا: ملكية الدولة والملكية الاجتماعية
ينقل تحليل الشركات المملوكة للدولة البحث من النص الدستوريإلى الممارسة الاقتصادية الفعلية. فالسؤال لا يتعلق بمجرد وجودأصول مسجلة باسم الدولة، بل بالدور الذي تؤديه هذه الأصول،والجهة التي تديرها، والكيفية التي تستخدم بها مواردهاوفوائضها، ومقدار مشاركة العاملين والمجتمع في القراراتالمتعلقة بها.
تحتفظ الشركات المملوكة للدولة بموقع محوري في الاقتصادالصيني، ولا سيما في الطاقة والمصارف والاتصالات والنقلوالسكك الحديدية والصناعات الدفاعية والبنية التحتية والموادالأساسية. ولا تُقاس أهميتها بعددها أو بحصتها من الناتجوالتشغيل فقط، بل بطبيعة القطاعات التي تعمل فيها؛ إذ يتيحالتحكم في الطاقة والتمويل والنقل والاتصالات التأثير في عملبقية الاقتصاد، بما في ذلك نشاط الشركات الخاصة والأجنبية.
وتخضع الشركات التابعة للحكومة المركزية لإشراف لجنة مراقبةوإدارة الأصول المملوكة للدولة التابعة لمجلس الدولة. وقد اتجهتالإصلاحات إلى الانتقال من الإدارة الحكومية المباشرة لكلتفاصيل المؤسسة إلى إدارة رأس المال المملوك للدولة، مع منحالشركات استقلالًا تشغيليًا وتجاريًا أوسع وإخضاعها لمعاييرالأداء والكفاءة والمحافظة على قيمة الأصول العامة وتنميتها. كماشملت الإصلاحات إعادة الهيكلة والدمج، وتطبيق نظامالشركات، وإدخال الملكية المختلطة في عدد من القطاعات. (58)
ونتيجةً لذلك، لا تعمل الشركة العامة الصينية بوصفها دائرةإدارية تنفذ أوامر الخطة فحسب؛ فهي تبرم العقود، وتقترضوتستثمر، وتبيع منتجاتها في السوق، وتنافس شركات عامةوخاصة وأجنبية. لكنها لا تتحول، في الوقت نفسه، إلى شركةمستقلة تمامًا عن الدولة؛ إذ تستطيع السلطات توجيهها نحوأهداف تتعلق بالسياسة الصناعية، أو أمن الطاقة، أو البنيةالتحتية، أو الاستقرار الاقتصادي، أو الاستقلال التكنولوجي.
الوظيفة الاستراتيجية للشركات العامة
لا تنحصر وظيفة الشركات المملوكة للدولة في تحقيق الربح المالي. فقد تستخدمها الدولة لتنفيذ مشروعات تتطلب استثمارات ضخمةوفترات طويلة قبل تحقيق العائد، أو للحفاظ على إمدادات الطاقةوالنقل والاتصالات، أو لدعم صناعات وتكنولوجيات تعدهاضرورية للتنمية والأمن القومي.
وقد أكدت القيادة الصينية أن إدارة الاقتصاد المملوك للدولةينبغي أن تخدم التنمية العالية الجودة، وتعزيز الرخاء المشترك،وحماية الأمن القومي، وبناء نمط التنمية الجديد. كما ربطتإصلاح الشركات العامة بتحسين قدرتها على تنفيذ الأهدافالاستراتيجية للدولة، لا بالمحافظة على قيمة أصولها وتحقيقالعائد المالي فقط. (59)
وتمنح هذه الوظيفة الدولة وسيلةً للتدخل المباشر في بنية الإنتاج،تتجاوز الضرائب والإعانات والتنظيم القانوني. فملكية المؤسساتالعاملة في الطاقة والنقل والاتصالات والتمويل تتيح للدولة توفيرالبنية الأساسية وتوجيه الاستثمارات نحو قطاعات لا يقبل عليهارأس المال الخاص بالقدر المطلوب بسبب ارتفاع تكلفتها أو بطءعوائدها. ويظهر ذلك بوضوح في مجالات مثل الرقائق والذكاءالاصطناعي وشبكات الاتصال ومراكز البيانات والحوسبةالسحابية، التي تحتاج إلى تنسيق طويل الأجل بين البحثالعلمي والصناعة والطاقة والتمويل.
غير أن تعدد وظائف الشركة العامة يجعل تقويم أدائها أكثرتعقيدًا. فقد يُطلب منها تحقيق الربح والمحافظة على قيمةالأصول، وفي الوقت نفسه تنفيذ مهمة اجتماعية أو استراتيجية لاتحقق عائدًا سريعًا. ولذلك لا يصح قياس كفاءتها بالأرباحوحدها؛ بل ينبغي التمييز بين الخسارة الناتجة عن ضعفالإدارة، والتكلفة التي تتحملها المؤسسة بسبب تقديم خدمة عامةأو تنفيذ هدف وطني طويل الأجل. وفي المقابل، لا يجوزاستخدام الوظيفة الاستراتيجية لتبرير ضعف الكفاءة أو غيابالشفافية والمساءلة.
من ملكية الدولة إلى الملكية الاجتماعية
يقتضي تحليل الشركات العامة التمييز بين ثلاثة مستويات لاينبغي الخلط بينها:
ملكية الدولة: وتعني أن الأصول مسجلة قانونيًا باسم الدولة أومؤسسة عامة، وأن الدولة تمتلك حقوق التصرف فيها.
السيطرة والتوجيه الحكوميان: ويعنيان قدرة أجهزة الدولة علىتعيين الإدارات أو مراقبتها، وتحديد الأهداف الاستراتيجية،وتوجيه الاستثمار والأرباح نحو قطاعات ومشروعات معينة.
الملكية الاجتماعية: وتعني امتلاك العاملين والمجتمع قنوات مؤثرةللمشاركة في تحديد أهداف المؤسسة، والرقابة على إدارتها،وتقويم آثار نشاطها، وتقرير كيفية استخدام الفائض الذيتحققه.
ويتحقق المستوى الأول بوضوح في الشركات المملوكة للدولة، كمايظهر المستوى الثاني في قدرة السلطات الصينية على توجيهالشركات العامة نحو أهداف صناعية وتكنولوجية واجتماعية. أماالمستوى الثالث فلا ينتج تلقائيًا من المستويين السابقين؛ لأنإدارة المؤسسة باسم المجتمع لا تعني بالضرورة مشاركة المجتمعوالعاملين في اتخاذ قراراتها.
وهذا هو التطبيق المؤسسي للتمييز الذي تقرر في القسم الأول: انتقال الأصل إلى ملكية الدولة يغيّر المالك القانوني ويتيح توجيهالمؤسسة إلى أهداف عامة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات انتقالالسيطرة الفعلية إلى المنتجين والمجتمع. فالملكية الاجتماعية لاتتحدد باسم المالك فقط، بل بالعلاقات التي تنظم الإدارة والرقابةواتخاذ القرار.
وينص الدستور الصيني، في المادة السادسة عشرة، علىممارسة الشركات المملوكة للدولة الإدارة الديمقراطية من خلالمؤتمرات العاملين وغيرها من الوسائل. ويوفر هذا النص أساسًاقانونيًا لمشاركة العاملين داخل المؤسسة. (60) غير أن وجودمؤتمر للعاملين أو منظمة نقابية لا يكشف، بمفرده، مقدار السلطةالتي يمارسها العاملون فعلًا؛ إذ ينبغي التمييز بين إبلاغهمبالقرارات أو استشارتهم فيها، وبين قدرتهم المؤثرة على اختيارالإدارة، وتحديد شروط العمل، ومناقشة الخطط الاستثمارية،والرقابة على استخدام الأرباح.
فائض الشركات العامة واتجاه استخدامه
تختلف الشركة المملوكة للدولة عن الشركة الخاصة في أنأرباحها لا تذهب، من حيث المبدأ، إلى مالك رأسمالي فردي. فالدولة تستطيع الاحتفاظ بها داخل القطاع العام، أو تحويلقسم منها إلى المالية العامة، أو استخدامها في توسيع الإنتاجوتطوير التكنولوجيا والبنية التحتية والخدمات والمشروعاتالاستراتيجية.
لكن الملكية المختلطة تجعل الصورة أكثر تعقيدًا. فقد تحتفظ الدولةبحصة السيطرة، بينما يمتلك مستثمرون خواص جزءًا منالأسهم ويحصلون على نصيب من الأرباح. ولذلك ينبغي تحديدبنية الملكية وحقوق التصويت والجهة المسيطرة على القرار وكيفيةتوزيع العائد، بدل الاكتفاء بتصنيف المؤسسة بأنها عامة أوخاصة.
ولا يكتسب الفائض مضمونًا اجتماعيًا بمجرد بقائه في ملكيةالدولة. فقد يوجَّه إلى التعليم والصحة والبنية التحتية وتحسينشروط العمل وتطوير القوى المنتجة، وقد يستخدم في توسيعالمؤسسة أو تنفيذ مشروعات تحددها الأجهزة الإدارية من دونرقابة اجتماعية فعالة. ومن ثم يتحدد مضمونه الاجتماعي بالغايةالتي يستخدم من أجلها، والجهة التي تقرر استخدامه، ومدىخضوع هذا القرار للمساءلة العامة.
وتعمل الشركات العامة الصينية داخل السوق، وتستخدم العملالمأجور، وتسعى إلى زيادة الإنتاجية وخفض التكاليف وتحقيقالعائد. وقد تتشابه بعض أساليب تشغيلها، نتيجةً لذلك، معأساليب الشركات الرأسمالية. غير أن هذا التشابه لا يلغي الفارقفي الملكية وإمكان توجيه مواردها نحو أهداف عامة، مثلما لاتكفي ملكية الدولة وحدها للقول إن العاملين أصبحوا يسيطرونعلى عملية الإنتاج والفائض الناتج منها.
وبناءً على ذلك، تمثل ملكية الدولة أساسًا ماديًا ومؤسسيًا يتيحالحد من سيطرة رأس المال الخاص على القطاعاتالاستراتيجية، وتوجيه الموارد نحو أهداف طويلة الأجل. لكنها لاتصبح ملكيةً اجتماعيةً مكتملة إلا بمقدار ما تخضع إدارتهالرقابة فعالة، وتتوسع مشاركة العاملين والمجتمع في تحديدأهدافها واستخدام فوائضها. ومن هنا ينتقل التحليل إلى القطاعالخاص الذي تحول من نشاط تكميلي محدود إلى مكوّن دائمومحمي قانونيًا داخل الاقتصاد الصيني.
رابعًا: القطاع الخاص من الاستثناء إلى المكوّن الدائم
بدأ النشاط الخاص في السنوات الأولى للإصلاح والانفتاحبوصفه مجالًا محدودًا يكمّل القطاع العام، ويساعد على توفيرالسلع والخدمات وفرص العمل. ثم اتسع الاعتراف به تدريجيًا؛ففي سنة 1987 عُدَّ الاقتصاد الخاص مكمّلًا ضروريًا ومفيدًاللاقتصاد العام، وفي سنة 1988 اكتسبت المؤسسات الخاصةمكانة دستورية، قبل أن يرتفع موقع الاقتصاد غير العام لاحقًامن مجرد مكمّل إلى «مكوّن مهم» من اقتصاد السوقالاشتراكي. (61)
ومع اتساع السوق، توسع القطاع الخاص في الصناعة والتجارةوالبناء والخدمات والتصدير والتكنولوجيا، وأصبح يؤدي دورًاكبيرًا في التشغيل والإنتاج والابتكار. وقد تعزز موقعه المؤسسيبإقرار «قانون تعزيز القطاع الخاص» في 30 نيسان/أبريل2025، ودخوله حيز التنفيذ في 20 أيار/مايو من السنة نفسها. وهو أول قانون أساسي في الصين يخصص لتنمية القطاعالخاص، ويتضمن أحكامًا تتعلق بالمنافسة العادلة والاستثماروالتمويل والابتكار العلمي والتكنولوجي وحماية الحقوقوالمسؤولية القانونية. وعند إقرار القانون، كانت الشركات الخاصةتسهم، وفق البيانات الرسمية، بأكثر من 60 في المئة من الناتجالمحلي الإجمالي، وبنحو 80 في المئة من فرص العمل فيالمناطق الحضرية، وتمثل أكثر من 92 في المئة من مجموعالشركات المسجلة. (62)
وتدل هذه التطورات على أن القطاع الخاص لم يعد يُعامل بوصفهتنازلًا مؤقتًا تفرضه ظروف اقتصادية استثنائية، بل أصبح مكوّنًاقانونيًا ومؤسسيًا طويل الأجل في النموذج الصيني. وقد أكدشي جين بينغ، في ندوة عن الشركات الخاصة عقدت في شباط/فبراير 2025، أن المبادئ والسياسات الأساسية المتعلقة بتنميةالقطاع الخاص أُدرجت في منظومة الاشتراكية ذات الخصائصالصينية، وأنها «لا يمكن أن تتغير ولن تتغير». (63)
ولا يعني هذا الاستقرار القانوني والسياسي أن القطاع الخاصيعمل خارج توجيه الدولة. فالدولة تضع قواعد الدخول إلىالأسواق، وتنظم الائتمان والاستثمار والمنافسة والعمل والبيئةوالبيانات، وتستطيع توسيع المجال المتاح لرأس المال الخاص أوتقييده وفق أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية. لكنالتنظيم الحكومي، مهما كان واسعًا، لا يغيّر بمفرده الطبيعةالخاصة لملكية المؤسسة أو حق أصحابها في الحصول علىالأرباح.
الدور الاقتصادي والتكنولوجي للقطاع الخاص
أدت الشركات الخاصة دورًا واسعًا في استيعاب العمالة،وتوسيع إنتاج السلع والخدمات والصادرات، والاستجابة السريعةلتحولات الطلب. كما برزت في قطاعات التجارة الإلكترونيةوالمنصات الرقمية والسيارات الكهربائية والبطاريات والذكاءالاصطناعي، وأسهمت في تجربة تقنيات ونماذج إنتاجية جديدة.
غير أن نمو هذه الشركات لم يحدث بمعزل عن القطاع العام. فقداستفادت من شبكات الطاقة والنقل والاتصالات، ومن التعليموالبحث العلمي والمناطق الصناعية والمصارف والسياساتالحكومية. وفي مجالات الذكاء الاصطناعي، تعتمد الشركاتالخاصة كذلك على مراكز البيانات والطاقة والرقائق والقدراتالحاسوبية وشبكات الاتصال، وهي مجالات تؤدي الدولةوالشركات العامة دورًا مهمًا في تمويلها وتطويرها وتنظيمها.
ولذلك لا يصح تفسير نمو القطاع الخاص بوصفه انتصارًامستقلًا للسوق على الدولة، كما لا يصح اعتباره مجرد أداة تنفذإرادة الدولة من دون مصالح خاصة بها. فالشركات الخاصةتتحرك بدافع الربح وتوسيع رأس المال، لكنها تعمل داخل بنيةتمويلية وتقنية وتنظيمية أسهمت الدولة في إنشائها، وتحتفظالدولة فيها بأدوات مؤثرة لتحديد اتجاه الاستثمار وحدود النشاطالاقتصادي.
رأس المال الخاص والتوجيه السياسي
لا يقتصر توجيه القطاع الخاص على القوانين والائتمانوالسياسة الصناعية؛ إذ توجد منظمات للحزب الشيوعي داخلالمؤسسات الاقتصادية ذات الملكية غير العامة. وينص دستورالحزب على أن هذه المنظمات تتولى تنفيذ مبادئ الحزبوسياساته، وإرشاد المؤسسات ومراقبة التزامها بقوانين الدولة،وقيادة النقابات والمنظمات الشبابية، وحماية الحقوق والمصالحالمشروعة للأطراف المعنية، ودفع التطور السليم للمؤسسات. (64)
ولا تعني إقامة منظمة حزبية داخل الشركة انتقال ملكيتها إلىالدولة أو زوال حقوق أصحاب رأس المال والمساهمين. فالإدارةالتجارية وحقوق الملكية والعائد على الاستثمار تظل قائمة ضمنالقانون. لكنها تعني أن المؤسسة الخاصة لا تمثل مجالًا سياسيًامستقلًا عن الحزب والدولة، وأن نشاطها يُفترض أن ينسجم معالاتجاهات العامة والسياسات الوطنية.
ومن الضروري، لذلك، التمييز بين إخضاع رأس المال الخاصللتوجيه السياسي وبين تجاوز علاقات الإنتاج الخاصة. فقدتستطيع الدولة منع كبار أصحاب رأس المال من التحول إلى قوةسياسية مستقلة، وتنظيم نشاطهم، وفرض الضرائب عليهم،وتوجيه استثماراتهم نحو قطاعات معينة؛ بينما تظل المؤسساتنفسها قائمة على الملكية الخاصة والعمل المأجور والاستحواذالخاص على قسم من الفائض.
ويؤثر تنظيم الدولة، مع ذلك، في طريقة عمل رأس المال وفيتوزيع نتائجه. فالقوانين العمالية والضرائب والاشتراكاتالاجتماعية والضوابط البيئية وسياسات الأجور والائتمانتستطيع الحد من بعض أشكال الاستغلال، وتحويل قسم منالفائض الخاص إلى الموازنة العامة والخدمات الاجتماعية. لكنهالا تلغي العلاقة الأصلية التي يبيع العامل ضمنها قوة عمله إلىمالك خاص، ولا تمنحه تلقائيًا سلطة تقريرية على إدارة المؤسسةأو أرباحها.
بين استخدام رأس المال الخاص والاعتماد عليه
يمنح القطاع الخاص الاقتصاد الصيني مرونةً في الإنتاجوالاستثمار والابتكار، ويسهم في توسيع التشغيل والأسواق. لكنهيولد، في الوقت نفسه، مصالح اقتصادية واجتماعية مرتبطةبتراكم رأس المال وزيادة الأرباح والمحافظة على الملكية الخاصة. وكلما اتسع دوره في التشغيل والتكنولوجيا والنمو، ازدادت أهميةالمصالح المرتبطة باستمراره، وازدادت كلفة تقييد نشاطه أوانكماشه على الاقتصاد والمجتمع.
ولا يعني ذلك أن القطاع الخاص يسيطر تلقائيًا على الدولة؛فالدولة الصينية تحتفظ بأدوات قوية لتنظيمه وتقييده، وتسيطرعلى قطاعات استراتيجية وعلى جزء مهم من النظام المالي. لكنقدرة الدولة على ضبط الشركات الخاصة لا تلغي تأثيرها في بنيةالعمل وتوزيع الدخل والثروة. فالسؤال لا يقتصر على ما إذا كانرأس المال الخاص قادرًا على السيطرة على السلطة السياسية،بل يشمل أيضًا مقدار اعتماد الدولة على نشاطه في تحقيق النمووالتشغيل والابتكار.
وفي سياق مختلف هو سياق السياسة الاقتصادية الجديدة فيروسيا السوفييتية، بيّن لينين أن السماح بنشاط رأسمالي لاينبغي تقويمه بصورة مجردة، بل بحسب قدرة السلطة السياسيةعلى تنظيمه وتحديد مساره. وقد صاغ المسألة بقوله إن «المسألةكلها، نظريًا وعمليًا، هي إيجاد الطرائق الصحيحة لتوجيه تطورالرأسمالية، وتحديد الشروط التي تضمن تحولها إلىالاشتراكية». (65)
ولا يجوز نقل هذا الحكم آليًا إلى الصين؛ فقد تناول لينيناقتصادًا فلاحيًا متأخرًا خرج من الثورة والحرب الأهلية، وكانتالسياسة الاقتصادية الجديدة فيه تراجعًا محدودًا فرضته ظروفمحددة. أما القطاع الخاص الصيني فأوسع حجمًا، وأكثراندماجًا في الأسواق العالمية، وقد اكتسب مكانة قانونية طويلةالأجل. غير أن معيار لينين يظل مفيدًا منهجيًا: لا يحسم وجودرأس المال الخاص وحده طبيعة النظام، بل ينبغي بحث منيوجهه، وما الحدود المفروضة عليه، وأي القوى الاقتصادية تتعززنتيجة استخدامه، وإلى أين يتجه التطور على المدى الطويل.
وبذلك يجمع موقع القطاع الخاص في الصين بين وظيفتينمتعارضتين. فهو وسيلة تستخدمها الدولة لتطوير القوى المنتجةوتوسيع التشغيل والابتكار، وهو في الوقت نفسه علاقة إنتاج تعيدتوليد العمل المأجور والتراكم الخاص والتفاوت في الثروة والسلطةالاقتصادية. ويتوقف اتجاه هذا التناقض على قدرة المؤسساتالعامة والاجتماعية على إخضاع تراكم رأس المال للأهدافالعامة، وعلى مقدار ما يعود من نموه إلى العاملين والمجتمع،وعلى ما إذا كان تطور القوى المنتجة يقترن بتوسيع حقوق العملوالملكية الاجتماعية أم يؤدي إلى ترسيخ التراكم الخاص.
خامسًا: السوق والتخطيط والسياسة الصناعية
لا يعمل الاقتصاد الصيني وفق تخطيط مركزي شامل يحددجميع كميات الإنتاج والأسعار وتوزيع المواد بين المؤسسات، كمالا يترك حركة الاقتصاد للسوق وحدها. فقد نشأ مع الإصلاحتقسيم مركب للوظائف: تتولى السوق توجيه جانب واسع منالقرارات اليومية المتعلقة بالإنتاج والأسعار والاستثمار، بينمايحدد الحزب والدولة الأولويات الاستراتيجية، ويستخدمانالخطط والائتمان والاستثمار العام والسياسة الصناعية للتأثيرفي اتجاه التنمية.
الدور الحاسم للسوق
اعتمدت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني سنة 2013 صياغة تقضي بأن تؤدي السوق «دورًا حاسمًا في تخصيصالموارد»، بدل الصياغة السابقة التي كانت تصف دورها بأنه«أساسي». وعبّر هذا التغيير عن توسيع الاعتماد على الأسعاروالمنافسة والعرض والطلب، مع التأكيد في الوقت نفسه علىضرورة أن تؤدي الحكومة دورها بصورة أفضل. (66)
ويعني ذلك أن الشركات العامة والخاصة تتخذ نسبة واسعة منقرارات الإنتاج والتسعير والتوظيف والاستثمار استنادًا إلىالطلب والعائد المتوقع، بدل تلقي أوامر إدارية تفصيلية بشأن كلسلعة وكمية. وتتيح الأسعار نقل معلومات عن الندرة والطلب، كماتدفع المنافسة المؤسسات إلى خفض التكاليف وتحسين المنتجاتوإدخال تقنيات جديدة.
لكن السوق لا توزع الموارد وفق الحاجات الاجتماعية مباشرة، بلوفق القدرة على الدفع والعائد المتوقع. ولذلك قد يتجه الاستثمارإلى العقارات أو الأنشطة المالية والخدمات مرتفعة الربحية، بينمايقل في البحث الأساسي أو الخدمات العامة أو المناطق الأقلنموًا. وقد تدفع المنافسة كذلك إلى الضغط على الأجور وشروطالعمل، وزيادة التفاوت، وتكوين طاقات إنتاجية زائدة عندماتتوسع مؤسسات عديدة في القطاع نفسه استنادًا إلى توقعاتمتشابهة.
ومن ثم لا يُفهم منح السوق دورًا حاسمًا بوصفه انسحابًا للدولةمن الاقتصاد. فالسوق توجه جانبًا واسعًا من حركة الأسعاروالإنتاج، لكن الدولة تحتفظ بحق تنظيمها، وتصحيح اختلالاتها،والتدخل عندما ترى أن منطق الربح القصير يتعارض معالاستقرار الاقتصادي أو الأمن القومي أو أهداف التنمية طويلةالأجل.
من الخطة الإلزامية إلى التخطيط الاستراتيجي
تغير مضمون التخطيط الصيني بعد الإصلاح. فلم تعد الخطةتحدد بالتفصيل إنتاج كل مؤسسة وأسعار منتجاتها وكمياتالمواد التي تحصل عليها، بل أصبحت تحدد الاتجاهات العامةوالأهداف الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والبيئية خلالمدة زمنية معينة.
ويجمع دستور الحزب الشيوعي الصيني بين إظهار الدورالحاسم للسوق وإظهار دور الحكومة بصورة أفضل. كما ينصعلى التخطيط الشامل للتنمية الحضرية والريفية والإقليميةوالاقتصادية والاجتماعية، وتعديل الهيكل الاقتصادي، ودفعالتصنيع والمعلوماتية والابتكار العلمي والتكنولوجي. (67)
وتحدد الخطط الخمسية أولويات تتعلق بالصناعة والطاقة والنقلوالبيئة والتعليم والصحة والتنمية الإقليمية والبحث العلمي. ثمتترجم هذه الأولويات إلى تشريعات ومشروعات واستثماراتوبرامج تمويل تنفذها الوزارات والحكومات المحلية والمصارفوالمؤسسات العامة والخاصة.
ويتيح هذا الأسلوب تنسيق استثمارات مترابطة يصعب علىمؤسسة منفردة تنفيذها. فتطوير صناعة السيارات الكهربائية،مثلًا، لا يقتصر على إنشاء مصانع السيارات، بل يحتاج إلىإنتاج البطاريات، وشبكات الكهرباء ومحطات الشحن، وتأمينالمواد الأولية، ووضع المعايير التقنية، وتمويل البحث العلمي،وتوفير قروض طويلة الأجل. وينطبق الأمر نفسه على الذكاءالاصطناعي الذي يتطلب التنسيق بين الرقائق والطاقة ومراكزالبيانات والقدرات الحاسوبية وشبكات الاتصال والجامعاتوالشركات والمؤسسات المالية.
ولا يعني التخطيط الاستراتيجي أن جميع الأهداف تتحققبالكفاءة نفسها. فقد تدفع مؤشرات النمو والإنتاج الحكوماتالمحلية إلى تكرار المشروعات، أو تقديم دعم مستمر لمؤسساتضعيفة، أو بناء طاقات إنتاجية تتجاوز الطلب. كما قد تتعارضأهداف التوسع الصناعي مع ضبط الديون وحماية البيئة وزيادةالاستهلاك وتحسين مستوى المعيشة.
السياسة الصناعية بوصفها حلقة وصل
تمثل السياسة الصناعية الحلقة التي تصل بين الخطةوالمؤسسات والسوق. فالدولة تحدد قطاعات ترى أنها ضروريةلرفع الإنتاجية، أو تعزيز الاستقلال التكنولوجي، أو حماية الأمنالاقتصادي، ثم تستخدم مجموعة من الأدوات لتوجيه المواردنحوها، من أهمها:
الائتمان الموجّه والتمويل طويل الأجل.
الاستثمار العام في البنية التحتية والمناطق الصناعية.
تمويل البحث العلمي والتعليم والتدريب التقني.
المشتريات الحكومية ووضع المعايير الوطنية.
الحوافز الضريبية ودعم الاستثمار.
تشجيع التعاون بين الشركات والجامعات ومراكز البحث.
تكليف الشركات المملوكة للدولة بتنفيذ مشروعات استراتيجية.
وقد أسهمت هذه الأدوات في تطوير صناعات الاتصالات والطاقةالمتجددة والبطاريات والسيارات الكهربائية والقطارات السريعةوالفضاء والرقائق والذكاء الاصطناعي. ولا يعني ذلك أنالمؤسسات العاملة في هذه المجالات كلها مملوكة للدولة؛ إذ تؤديالشركات الخاصة دورًا واسعًا فيها، لكنها تعمل داخل بيئةتمويلية وتقنية وتنظيمية تشارك الدولة في إنشائها وتوجيهها.
وقد أكدت الدورة الكاملة الرابعة للجنة المركزية العشرين للحزبالشيوعي الصيني سنة 2025 مبدأ الجمع بين «السوق الفعالة»و«الحكومة الكفؤة»، ودعت إلى بناء منظومة صناعية حديثة،وتعزيز الاقتصاد الحقيقي، وتطوير الصناعات الناشئةوالمستقبلية، ورفع القدرة على الابتكار المستقل، والإسراع في بناءاقتصاد سوق اشتراكي عالي المستوى. (68)
لكن السياسة الصناعية لا تنتج النجاح تلقائيًا. فقد يتحول الدعمالمؤقت إلى حماية دائمة لمؤسسات غير كفؤة، أو يؤدي تنافسالحكومات المحلية إلى تكرار الصناعات نفسها، أو تحصل بعضالشركات على الأرض والائتمان والإعانات بسبب قربها من مراكزالقرار، لا بسبب قدرتها على الابتكار والإنتاج.
ولذلك يتوقف نجاح السياسة الصناعية على وضوح أهداف الدعموشروطه ومدته، وربطه بالتعلم التكنولوجي ورفع الإنتاجية، وتقويمنتائجه الاقتصادية والاجتماعية، والقدرة على تقليصه أو إيقافهعندما يفشل في تحقيق أهدافه. كما يتطلب التمييز بين فشلالمشروع بسبب سوء الإدارة، وبين تحمله تكلفة اجتماعية أواستراتيجية لا يظهر عائدها في الأرباح المباشرة.
مستويات التوجيه الاقتصادي
يمكن التمييز في النموذج الصيني بين ثلاثة مستويات مترابطةللتوجيه الاقتصادي:
المستوى السوقي: تتخذ المؤسسات معظم قرارات الإنتاجوالتسعير والتوظيف استنادًا إلى الطلب والمنافسة والعائد المتوقع.
المستوى الاستراتيجي: تحدد الخطط أولويات الصناعةوالتكنولوجيا والبنية التحتية والطاقة والتنمية الإقليمية.
المستوى السياسي: يحدد الحزب الاتجاه العام للتنمية، والحدودالمفروضة على حركة رأس المال، والقطاعات المرتبطة بالأمنوالسيادة والاستقرار الاجتماعي.
ولا تعمل هذه المستويات بصورة منفصلة. فقد تتخذ الشركةقرارها استنادًا إلى الربح المتوقع، لكنها تستفيد في الوقت نفسهمن الائتمان العام والبنية التحتية والحوافز التي تعكس أولويةتخطيطية. كما تستطيع الدولة تغيير قواعد قطاع كامل إذا رأتأن حركة السوق تهدد الاستقرار الاقتصادي أو الأمنالتكنولوجي أو أهداف التنمية.
ويمنح هذا التداخل الاقتصاد الصيني قدرةً على الجمع بينالمعلومات التي توفرها الأسواق وبين الموارد التي تعبئها الدولة. لكنه يخلق كذلك توترات بين الكفاءة التجارية والأهدافالاجتماعية، وبين استقلال المؤسسة وأولويات الخطة، وبين تنافسالحكومات المحلية والحاجة إلى التنسيق الوطني.
التخطيط ومعيار التنظيم الاجتماعي الواعي
ميّز إنجلز بين التنظيم الذي ينشأ داخل كل مؤسسة رأسماليةعلى حدة وبين الفوضى التي تحكم الإنتاج الاجتماعي فيمجموعه. فالمؤسسة قد تكون شديدة التنظيم داخليًا، بينما يظلتوزيع الاستثمارات والموارد بين القطاعات خاضعًا للمنافسةوالربح وتقلبات السوق. وفي تصوره لتجاوز هذا التناقض، كتبأن «فوضى الإنتاج الاجتماعية يحل محلها تنظيم للإنتاج مبرمجاجتماعيًا وفقًا لحاجات المجتمع كما لحاجات كل فرد». (69)
وكان إنجلز يتحدث عن تحول أوسع تصبح فيه وسائل الإنتاجملكًا اجتماعيًا ويخضع استخدامها لسيطرة المنتجين المتعاونين. ولذلك لا يجوز اعتبار كل خطة حكومية أو سياسة صناعية تطبيقًامباشرًا لهذا التصور. فالدول الرأسمالية تستخدم بدورهاالتخطيط والاستثمار العام والسياسة الصناعية، من دون أنتنتقل السيطرة على الإنتاج إلى العاملين والمجتمع.
لكن معيار إنجلز يظل مفيدًا في تقويم التخطيط الصيني؛ إذيوجّه الانتباه من وجود الخطة إلى مضمونها الاجتماعي. فالسؤال ليس ما إذا كانت الدولة تتدخل في السوق فحسب، بلما إذا كان هذا التدخل يوسّع قدرة المجتمع على توجيه الإنتاجوفق حاجاته، ويقلص خضوع الاستثمار للربح الخاص، ويحسنشروط العمل، ويوسع الخدمات العامة، ويخضع القراراتالاقتصادية للمساءلة.
فإذا استُخدم التخطيط لتطوير القوى المنتجة، وتوسيع التعليموالصحة والضمان الاجتماعي، وتقليص الفوارق، وتحسين شروطالعمل، اكتسب التوجيه مضمونًا اجتماعيًا أوسع. أما إذا اقتصرعلى زيادة التراكم وبناء شركات وطنية قادرة على المنافسة، معاستمرار تركّز القرار والفائض، فإنه يظل تنظيمًا تقوده الدولةلعملية التراكم أكثر منه انتقالًا مكتملًا نحو التنظيم الاجتماعيالواعي.
وبذلك تكمن خصوصية النموذج الصيني في أنه لا يستبدلالسوق بالخطة، بل يستخدم التخطيط والسياسة الصناعيةوالملكية العامة لتوجيه سوق واسعة تضم مؤسسات عامة وخاصة. وتتحدد الدلالة الاشتراكية لهذا التوجيه بالغاية التي تخدمهاالسياسات، وكيفية توزيع تكاليفها ومنافعها، ومقدار مشاركةالعاملين والمجتمع في تحديد أولوياتها. وتؤدي المصارف العامةوالائتمان الموجّه دورًا أساسيًا في تحويل هذه الأولويات إلىاستثمارات فعلية، وهو ما يتناوله القسم التالي.
سادسًا: المصارف والائتمان وتوجيه الاستثمار
يمثل النظام المصرفي إحدى أهم الأدوات التي تسمح للدولةالصينية بتحويل الأولويات الواردة في الخطط والسياساتالصناعية إلى استثمارات فعلية. فإعلان أولوية تطوير صناعةمعينة لا يكفي ما لم تحصل المؤسسات العاملة فيها على التمويلاللازم لشراء المعدات وبناء المصانع وتمويل البحث والتطوير.
ويقصد بالائتمان، في هذا السياق، القروض والتسهيلات الماليةالتي تقدمها المصارف إلى الشركات والمؤسسات العامةوالحكومات المحلية والأفراد. وهو يختلف عن الإنفاق المباشر منالموازنة؛ لأن القرض ينشئ دينًا ينبغي سداده مع الفائدة، حتىإذا كان المصرف الذي قدمه مملوكًا للدولة. ولذلك يؤثر تحديدالجهة التي تحصل على القرض، ومقداره، وفائدته، ومدة سداده،في اتجاه الاستثمار وتوزيع الموارد داخل الاقتصاد.
وقد أدرك ماركس وإنجلز الأهمية الاستراتيجية للائتمان، فأدرجافي «البيان الشيوعي»، ضمن التدابير التي يمكن اتخاذها فيبداية التحول في البلدان المتقدمة، «مركزة التسليف في أيديالدولة بواسطة مصرف وطني رأسماله للدولة والاحتكار له وحده». (70) ويشير هذا النص إلى أن السيطرة على الائتمان شرط مهمللسيطرة على اتجاه الاستثمار؛ لأن من يحدد تدفق التمويليستطيع التأثير في القطاعات التي تتوسع وفي المشروعات التيتتوقف.
لكن ماركس وإنجلز قدّما هذه المركزة بوصفها تدبيرًا ضمنمجموعة من التحولات تشمل الملكية والضرائب والإنتاج والنقلوالعمل والتعليم، وأكدا أن التدابير تختلف باختلاف البلدان. ولذلك لا يجوز اعتبار ملكية الدولة للمصارف، منفردةً، إثباتًا كافيًاعلى اشتراكية النظام؛ إذ ينبغي بحث طبيعة الدولة، والغاياتالتي توجه الائتمان نحوها، والفئات المستفيدة منه، والجهة التيتتحمل مخاطره وخسائره.
بنية النظام المصرفي الصيني
تضم المنظومة المالية الصينية مصارف تجارية كبرى مملوكةللدولة، إلى جانب المصارف التنموية والسياسية، مثل بنك التنميةالصيني، وبنك التصدير والاستيراد، والبنك الزراعي للتنمية. كماتعمل فيها مصارف تجارية محلية وريفية ومؤسسات مالية خاصةوأجنبية، لكنها تخضع جميعًا للسياسة النقدية والقواعد التنظيميةالتي تضعها الدولة.
وقد أكدت الوثائق الحكومية الجمع بين إصلاح المصارف التجاريةالمملوكة للدولة، وتطوير المؤسسات المالية الإنمائية والسياسية،واستخدام أدوات السياسة النقدية لدعم الاقتصاد الحقيقيوالمؤسسات الصغيرة والزراعة والتنمية الريفية. (71)
ويختلف هذا البناء عن نظام تسيطر فيه المصارف الخاصةوأسواق المال على معظم قرارات التمويل. ففي الصين تستطيعالدولة استخدام ملكيتها للمصارف الكبرى، وأدوات البنكالمركزي، والمصارف التنموية لتوجيه القروض نحو البنية التحتيةوالصناعة والتكنولوجيا والطاقة والتنمية الإقليمية، حتى عندماتحتاج المشروعات إلى مدة طويلة قبل تحقيق عائد مالي.
ولا يعني ذلك أن أجهزة الدولة تقرر بصورة مباشرة كل قرضتمنحه المصارف. فالمصارف تمتلك إدارات مهنية تدرس قدرةالمقترض على السداد، والضمانات المتاحة، ومخاطر المشروع،والعائد المتوقع. لكن السياسة النقدية وأولويات الدولة والضماناتالصريحة أو الضمنية تؤثر في المعايير التي تتخذ المصارفقراراتها على أساسها.
المصارف التنموية وتحويل الخطة إلى استثمار
تختلف وظيفة المصرف التنموي جزئيًا عن وظيفة المصرفالتجاري. فالمصرف التجاري يميل إلى تفضيل المشروعاتالقادرة على تحقيق عائد مضمون خلال مدة معقولة، بينمايستطيع المصرف التنموي تقديم قروض طويلة الأجل لمشروعاتاستراتيجية لا تجذب التمويل الخاص بسهولة بسبب ضخامةتكلفتها أو بطء عائدها.
وبذلك تمثل المصارف التنموية حلقة وصل بين الخطة والاستثمار. فهي تجمع الموارد المالية أو تحصل عليها بدعم الدولة، ثم تحولهاإلى قروض لتمويل الطرق والسكك الحديدية والطاقة والمياهوالمناطق الصناعية والتحديث التكنولوجي وغيرها من المشروعاتطويلة الأجل.
وقد أعلن بنك التنمية الصيني أنه قدم خلال سنة 2024 قروضًاللبنية التحتية بلغت 1.53 تريليون يوان، وشملت التحديثالصناعي والتنمية الحضرية والمشروعات المرتبطة بالأمن القومي. كما أسهم في تمويل مشروعات مدرجة ضمن الخطة الخمسيةالرابعة عشرة، ودعم البنية التحتية للمعلومات والابتكار. (72)
وتكتسب هذه الوظيفة أهميةً متزايدة في الاقتصاد الرقمي؛ لأنبناء مراكز البيانات وشبكات الحوسبة والاتصالات وتطويرالرقائق والذكاء الاصطناعي يحتاج إلى تمويل طويل الأجلوتنسيق بين قطاعات متعددة. ويتيح وجود مصارف عامة توجيهالمدخرات نحو هذه المجالات بدل تركها خاضعة بالكامل للعائدالمالي القصير.
لكن التمويل التنموي لا يضمن نجاح المشروع تلقائيًا. فقد تكونالأولوية العامة صحيحة، بينما يؤدي ضعف دراسة الجدوى أوتضارب مصالح المؤسسات المحلية أو المبالغة في تقدير الطلبإلى تمويل مشروعات لا تحقق العائد الاقتصادي أو الاجتماعيالمتوقع. ولهذا لا تكفي صفة «المشروع الاستراتيجي» لإعفائه منالتقويم والمساءلة.
بين الأولوية السياسية والحساب المصرفي
تتحرك قرارات الائتمان داخل توتر مستمر بين الأولويات التيتحددها الدولة وبين الحسابات التجارية للمصرف. فمن جهة،يُطلب من المصارف دعم التنمية والصناعات الاستراتيجيةوالاستقرار الاقتصادي. ومن جهة أخرى، يتعين عليها المحافظةعلى أصولها، وتجنب القروض المتعثرة، وتقويم قدرة المقترضينعلى السداد.
وقد بحثت دراسة لصندوق النقد الدولي، استنادًا إلى بيانات137 مصرفًا تجاريًا صينيًا خلال المدة 2004–2021، أثرالسياسة الصناعية في توزيع الائتمان. ولم تجد دليلًا حاسمًاعلى أن المصارف التجارية تخصص، في المتوسط، مزيدًا منالقروض لجميع القطاعات التي تدعمها الحكومة المركزية. لكنهاوجدت تفاوتًا في استجابة أنواع المصارف المختلفة، وأظهرت أنالقطاعات التي تهيمن عليها الشركات المملوكة للدولة تستفيدبدرجة أكبر عندما تعلن سياسة صناعية خاصة بها، وهو ما قديزاحم التمويل المتاح لقطاعات أخرى. (73)
وتبين هذه النتيجة أن ملكية الدولة للمصارف توفر قدرة فعلية علىتوجيه الائتمان، لكنها لا تعني انتقال التمويل بصورة آليةومتجانسة إلى جميع القطاعات التي تحددها الخطة. فالمصارفتوازن بين التوجيه السياسي ومخاطر الإقراض والربحية، كما أنالمؤسسات العامة قد تستفيد من توقع تدخل الدولة لإنقاذها إذاواجهت صعوبات.
أفضلية المؤسسات العامة وتمويل الشركات الصغيرة
تستطيع الشركات المملوكة للدولة الحصول على التمويل بشروطأفضل في بعض الحالات؛ لأن المصارف تعدها أقل عرضةللإفلاس، أو تفترض أن الدولة ستضمن التزاماتها بصورةصريحة أو ضمنية. ويساعد ذلك على تنفيذ مشروعاتاستراتيجية كبيرة، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى استمرار تمويلمؤسسة ضعيفة أو أقل إنتاجية.
وفي المقابل، قد تواجه المؤسسات الخاصة الصغيرة والمتوسطةصعوبة أكبر في الحصول على قروض طويلة الأجل بسببمحدودية أصولها وضماناتها وارتفاع المخاطر التي تنسبهاالمصارف إليها. وقد يدفعها ذلك إلى الاعتماد على تمويل أعلىكلفة، رغم قدرتها المحتملة على الابتكار وتوفير فرص العمل.
ويكشف هذا التفاوت عن صعوبة الجمع بين الوظيفة التنمويةوالكفاءة في توزيع الائتمان. فإخضاع المصارف لمعيار الربحوحده قد يحرم البنية التحتية والخدمات العامة والبحث الأساسيوالمناطق الفقيرة من التمويل. لكن ضمان جميع المشروعات العامةبلا تمييز قد يؤدي إلى تراكم الديون، وإضعاف الانضباط المالي،واستمرار مؤسسات لا تحقق منفعة اقتصادية أو اجتماعية كافية.
الحكومات المحلية والديون
تستخدم الحكومات المحلية الائتمان لتمويل الطرق والنقلوالإسكان والمناطق الصناعية وغيرها من المشروعات. وقد أسهمذلك في تسريع التصنيع والتحضر وبناء البنية الأساسية، لكنهأدى كذلك إلى تراكم التزامات مالية، ولا سيما عندما اعتمدالسداد على استمرار ارتفاع أسعار العقارات وعائدات منححقوق استخدام الأرض.
ولا يمثل الدين مشكلة في ذاته إذا كان يمول أصلًا منتجًا أوخدمة عامة تحقق منفعة طويلة الأجل. وإنما تكمن المشكلة فينوعية المشروع، وواقعية العائد المتوقع، ووضوح الجهة التيتتحمل مخاطره، ومنع نقل الخسائر الناتجة عن قرارات ضعيفةإلى الموازنة العامة أو المجتمع.
وتستطيع الدولة والمصارف إعادة تمويل الديون وجدولتها لمنعانهيار المؤسسات أو الحكومات المحلية عند وقوع الأزمات. وتوفرهذه القدرة درجةً من الاستقرار لا يتيحها نظام يترك المؤسساتالمتعثرة للإفلاس الفوري. لكنها قد تؤجل معالجة أسباب التعثرإذا استمر تمويل المشروعات الضعيفة بدل إعادة هيكلتها أوإيقافها.
هل تمثل المصارف العامة ملكية اجتماعية؟
للإجابة عن هذا السؤال ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور واضحة:
من يملك المصرف؟ تملك الدولة المصارف الصينية الكبرى قانونيًا،وتستطيع التأثير في إداراتها واتجاهاتها العامة.
ما الوظيفة التي يؤديها الائتمان؟ تستطيع الدولة توجيه قسم منهإلى البنية التحتية والتصنيع والتكنولوجيا والزراعة والتنميةالإقليمية والخدمات، بدل إخضاعه بالكامل لأعلى ربح قصيرالأجل.
من يحدد أولويات الإقراض ويراقب نتائجها؟ تتخذ هذه القراراتأساسًا مؤسسات الحزب والدولة والبنك المركزي وإداراتالمصارف والهيئات التنظيمية والخبراء، بينما تظل مشاركةالعاملين والمواطنين المباشرة في وضع السياسة الائتمانيةمحدودة.
ويتحقق الأمران الأول والثاني بدرجة واضحة في الصين؛فالمصارف الكبرى مملوكة للدولة، وتؤدي وظيفة تنمويةواستراتيجية مهمة. أما الأمر الثالث، المتعلق بالسيطرةالاجتماعية، فلا يتحقق تلقائيًا من الملكية القانونية أو الوظيفةالتنموية. فالملكية الاجتماعية تقتضي أن تخضع الاتجاهاتالعامة للائتمان لمساءلة عامة فعالة، وأن تكون أولويات التمويلواضحة، وأن تتوافر آليات تمنع المحاباة والفساد وتحميل المجتمعخسائر مشروعات لم تحقق منفعة عامة.
ولا تعني الرقابة الاجتماعية أن يشارك المواطنون في اتخاذ كلقرار إقراض منفرد؛ فهذه القرارات تحتاج إلى خبرات مصرفيةوفنية متخصصة. وإنما تعني أن تعمل القرارات المهنية داخلأولويات معلنة، وأن تخضع إدارات المصارف للمحاسبة، وأنيجري تقويم المشروعات وفق منافعها وتكاليفها الاجتماعية، إلىجانب قدرتها على السداد وتحقيق العائد المالي.
وعليه، فإن الوصف الأدق هو أن المصارف الصينية الكبرىمملوكة للدولة وتؤدي وظيفة تنموية واجتماعية مهمة، لكنها لا تمثلملكية اجتماعية مكتملة بمجرد ملكيتها القانونية. فهي تقللخضوع الائتمان لأولويات رأس المال الخاص، وتمنح الدولة قدرةواسعة على توجيه الاستثمار، لكن انتقال هذه القدرة إلى سيطرةاجتماعية فعلية يتطلب توسيع الشفافية والمساءلة ومشاركةالعاملين والمجتمع في تحديد الاتجاهات العامة للتمويل.
ويتحدد المضمون الاجتماعي الفعلي للائتمان العام بنتائجه: هليرفع القدرة الإنتاجية، ويحسن مستوى المعيشة، ويوسع الخدماتالعامة، أم يتركز في مشروعات محدودة الجدوى أو يوسع أرباحفئات معينة بينما يتحمل المجتمع الخسائر؟ وتزداد أهمية هذاالسؤال في الاقتصاد الرقمي؛ لأن تمويل الرقائق ومراكز البياناتوالحوسبة والذكاء الاصطناعي لا يحدد اتجاه التطور التكنولوجيفحسب، بل يؤثر كذلك في الجهة التي تسيطر على بنيته وتستفيدمن ثماره.
سابعًا: التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي
أصبحت البيانات والخوارزميات والرقائق ومراكز الحوسبةوشبكات الاتصال عناصر أساسية في عملية الإنتاج المعاصرة. ولم تعد وظيفتها تقتصر على تسريع العمليات أو تحسين أداءالآلات؛ فهي تؤثر في تنظيم العمل، وتوجيه الاستثماروالاستهلاك، وإدارة المدن، وتقديم الخدمات العامة، واتخاذالقرارات الاقتصادية. ولذلك يدخل التحكم في البنية الرقميةضمن مسألة الملكية والسيطرة على وسائل الإنتاج، ولا يمكنالتعامل معه بوصفه مجالًا تقنيًا منفصلًا عن العلاقاتالاجتماعية.
وقد ميّز ماركس، في تحليله الآلة والصناعة الكبرى، بين الإمكانالذي توفره التكنولوجيا وبين الشكل الاجتماعي لاستخدامها،فكتب أن الآلة «في ذاتها تقصّر وقت العمل، لكنها حينيستخدمها رأس المال تطيل يوم العمل»، وأنها تستطيع تخفيفالجهد، لكنها قد تتحول في ظل سيطرة رأس المال إلى وسيلةلتكثيفه. (74)
وكان ماركس يتناول الآلة الصناعية في القرن التاسع عشر، لاالخوارزميات والذكاء الاصطناعي. لكن منهجه يظل صالحًالتحليل التكنولوجيا المعاصرة: فالتقنية لا تحدد أثرها الاجتماعيبصورة مستقلة؛ إذ يمكن استخدامها لتخفيف العمل وتحسينالخدمات، كما يمكن استخدامها لزيادة الرقابة وتكثيف العملوتركيز الأرباح. وتتحدد النتيجة بعلاقات الملكية والسلطة والغاياتالتي توجه استخدامها.
التكنولوجيا بوصفها مجالًا للتخطيط الاستراتيجي
وضعت الصين تطوير الذكاء الاصطناعي ضمن أولوياتهاالاستراتيجية منذ إصدار مجلس الدولة «خطة تطوير الجيلالجديد من الذكاء الاصطناعي» سنة 2017. وربطت الخطة بينالبحث العلمي والتطبيق الصناعي والتنمية الاقتصاديةوالخدمات العامة، وحددت هدفًا يتمثل في جعل الصين مركزًاعالميًا رئيسيًا للابتكار في هذا المجال بحلول سنة 2030. كماتبنت السلطات المركزية والمحلية سياسات لدعم البحث والتطويروبناء البنية التحتية الحاسوبية وتوسيع تطبيقات الذكاءالاصطناعي في الصناعة والزراعة والتعليم والصحة والنقلوالخدمات. (75)
ويكشف ذلك عن مضمون جديد للتخطيط يتجاوز تحديد كمياتالإنتاج بالمعنى التقليدي. فالتخطيط التكنولوجي يحدد المجالاتالتي تحظى بالأولوية، ويوجه التمويل نحو البحوث الأساسيةوالتقنيات المحورية، ويربط الجامعات ومراكز البحث بالشركات،ويوفر الطاقة والشبكات والقدرات الحاسوبية اللازمة للتطبيقالصناعي والتجاري.
ولا تنفذ الدولة هذه الاستراتيجية من خلال الشركات العامةوحدها؛ إذ تشارك فيها الجامعات والمختبرات الحكومية والشركاتالمملوكة للدولة والشركات الخاصة والمشروعات الناشئة. وتؤديالدولة أدوار الممول والمنظم والمنسق والمشتري، بينما تتولىمؤسسات متعددة الملكية تطوير النماذج والتطبيقات والمنتجاتوتسويقها.
ومن ثم لا يصح وصف الذكاء الاصطناعي الصيني بأنه قطاعتحتكره الدولة، كما لا يصح اعتباره نتاجًا مستقلًا للشركاتالخاصة. فهو يقوم على تفاعل التمويل العام والبحث العلميوالبنية التحتية التي تدعمها الدولة والمنافسة بين الشركاتواتساع السوق المحلية.
مبادرة «الذكاء الاصطناعي بلس»
مثلت مبادرة «الذكاء الاصطناعي بلس»، التي أُدرجت للمرةالأولى في تقرير عمل الحكومة سنة 2024، انتقالًا من التركيزعلى إنشاء صناعة متخصصة في الذكاء الاصطناعي إلى دمجهذه التكنولوجيا في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.
وفي آب/أغسطس 2025 صدرت مبادئ توجيهية لتوسيع تطبيقالمبادرة في ستة مجالات رئيسية: العلوم والتكنولوجيا، والصناعة،والاستهلاك، والرفاه العام، والحوكمة، والتعاون العالمي. كماتضمنت تعزيز البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي وتوفيرأدوات الدعم المالي والمؤسسي. (76)
ويعني هذا التوجه أن الذكاء الاصطناعي يُعامل بوصفه تقنيةعامة يمكن استخدامها في تحديث الصناعة التقليدية، وإدارةسلاسل التوريد، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتطويرالزراعة والنقل والطاقة، وليس بوصفه صناعة منفصلة فحسب.
وتؤدي الشركات المملوكة للدولة دورًا مهمًا في توفير الطاقةوشبكات الاتصال ومراكز البيانات والقدرات الحاسوبية، وفيتطبيق الأنظمة الذكية داخل قطاعات الإنتاج والبنية التحتية. وفيالمقابل، تحتفظ الشركات الخاصة بموقع بارز في تطوير المنصاتوالنماذج اللغوية والتجارة الإلكترونية والحوسبة السحابيةوالتطبيقات الاستهلاكية.
ويمنح هذا التداخل الدولة قدرة على توجيه التطور التكنولوجيمن دون أن تكون مالكة لجميع المؤسسات العاملة فيه. لكنهيجعلها، في الوقت نفسه، بحاجة إلى شركات خاصة تمتلك معرفةتقنية وبيانات ومنصات واسعة، فتتشكل علاقة تجمع بين التعاونوالمنافسة والتنظيم والاعتماد المتبادل.
البيانات بوصفها عنصرًا من عناصر الإنتاج
تُنتج البيانات من خلال نشاط الأفراد والعمال والمؤسساتواستخدامهم المنصات ووسائل الاتصال والخدمات العامة. ولاتتحول البيانات المتفرقة إلى قوة اقتصادية مؤثرة إلا بعد جمعهاوتصنيفها وربطها وتحليلها بواسطة الخوارزميات والقدراتالحاسوبية.
ولهذا لا ترجع قوة الشركات التي تدير المنصات الكبيرة إلى رأسمالها المالي وحده، بل إلى قدرتها على الوصول إلى كمياتواسعة من البيانات واستخدامها في تطوير النماذج والتسعيروتوجيه الإعلانات وتنظيم العمل والتنبؤ بسلوك المستهلكين. وقدتصبح السيطرة على البيانات أساسًا لتكوين احتكارات جديدة،حتى عندما لا تمتلك الشركة مصانع أو أراضي واسعة بالمعنىالتقليدي.
ويثير ذلك ثلاثة أسئلة مترابطة: من ينتج البيانات؟ ومن يمتلك حقالوصول إليها واستخدامها؟ ومن يحصل على القيمة الاقتصاديةالناتجة عن معالجتها؟ فالمستخدمون والعمال يساهمون فيإنتاج البيانات، بينما تستطيع الشركة أو المؤسسة التي تديرالمنصة تحويل هذه البيانات إلى أصل اقتصادي تحت سيطرتها.
وقد أنشأت الصين إطارًا قانونيًا لتنظيم هذا المجال، يتضمنقانون الأمن السيبراني الذي دخل حيز التنفيذ سنة 2017،وقانون أمن البيانات وقانون حماية المعلومات الشخصية اللذيناعتُمدا سنة 2021. وينظم هذا الإطار جمع البيانات ومعالجتهاونقلها، ويفرض التزامات على المنصات والشركات، ويحظر بعضصور الاستخدام غير المشروع أو التمييزي للمعلوماتالشخصية. (77)
لكن ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة: حماية خصوصيةالأفراد، والسيادة الوطنية على البيانات، والسيطرة الاجتماعيةعلى استخدامها. فقد تنجح الدولة في حماية البيانات منالتسريب إلى الخارج، أو في منع الشركة من إساءة استخدامها،من دون أن يمتلك العمال والمستخدمون حقًا مؤثرًا في تحديدالأغراض التي تجمع البيانات من أجلها أو في توزيع العائدالناتج منها.
وبذلك لا تكفي حماية البيانات قانونيًا لإثبات ملكيتها الاجتماعية. فالملكية الاجتماعية تتطلب، إضافةً إلى الحماية والأمن، وجودحقوق واضحة للمنتجين والمستخدمين، وشفافية في طرقالمعالجة، ومساءلة الجهات التي تدير البيانات، ومشاركة المجتمعفي تحديد الاستخدامات المقبولة لها.
الخوارزميات وتنظيم العمل
لا تقتصر الخوارزميات على اقتراح الأخبار والسلع للمستخدمين؛فقد أصبحت أداة لإدارة العمل. ففي شركات النقل والتوصيلوالتجارة الإلكترونية تستطيع الخوارزمية توزيع المهام، وتحديدالمسارات، وقياس الزمن، وتقويم الأداء، وحساب الأجر والمكافآت،وفرض العقوبات أو تقليل فرص حصول العامل على طلباتجديدة.
وقد ترفع هذه الأدوات الكفاءة وتقلل وقت الانتظار، لكنها قد تؤديكذلك إلى زيادة سرعة العمل والضغط على العامل وإخفاء القرارالإداري خلف نظام تقني يصعب فهمه أو الاعتراض عليه. فالعامل لا يتعامل في هذه الحالة مع مدير بشري فقط، بل معقواعد مبرمجة تحدد إيقاع عمله ودخله وتقويمه.
وفي نيسان/أبريل 2026 صدرت مبادئ توجيهية صينية لتعزيزحماية العاملين في أشكال التوظيف الجديدة، تضمنت الدعوةإلى تحسين شفافية خوارزميات المنصات، ومنح العمال الحق فيمعرفة القواعد الخوارزمية المتعلقة بعملهم والمشاركة فيمناقشتها، إلى جانب وضع معايير معقولة للأجور وتعزيزالإفصاح عن المعلومات. (78)
ويمثل الاعتراف بحق العامل في معرفة القواعد الخوارزميةوالمشاركة فيها خطوة مهمة. لكنه لا يكفي وحده لإثبات سيطرتهعلى تنظيم العمل؛ إذ ينبغي فحص مدى إلزام هذه القواعدللشركات، وقدرة العمال على الاعتراض الجماعي، وسلطتهم فيتعديل معايير توزيع المهام والأجور والعقوبات، وفاعلية آلياتتسوية النزاعات.
بين المنفعة الاجتماعية وتكثيف العمل
استُخدمت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الصين لرفع كفاءةالإنتاج والخدمات اللوجستية، وتقليل كثافة بعض الأعمالاليدوية، ومراقبة المنشآت والعمل في البيئات الخطرة بواسطةالروبوتات وأجهزة الاستشعار والإنذار المبكر. كما امتدتاستخداماته إلى البحث الطبي والخدمات الصحية والإدارةالعامة. وتظهر هذه التطبيقات وجود استخدامات ذات منفعةاجتماعية إلى جانب الاستخدامات الصناعية والتجارية. (79)
غير أن زيادة الإنتاجية لا تتحول تلقائيًا إلى تقليص وقت العملأو زيادة سلطة العامل على عملية الإنتاج. فلا يظهر في البياناتالمتاحة أن انتشار الذكاء الاصطناعي اقترن حتى الآنبانخفاض عام في ساعات العمل؛ إذ بلغ متوسط أسبوع العملللعاملين في المؤسسات 48.6 ساعة سنة 2025. كما تشيرالدراسات المتاحة إلى أن مشاركة العاملين في اختيار أنظمةالذكاء الاصطناعي وتصميمها وتحديد شروط استخدامها ماتزال محدودة، وأن زيادة الكفاءة لا تؤدي في جميع الحالات إلىتخفيف أعباء العمل أو تحسين نوعيته. (80)
وهنا تتضح أهمية معيار ماركس. فالتقدم التقني يستطيع تقليصالوقت اللازم لإنتاج السلع والخدمات، لكن تحوله إلى وقت حرللعاملين يتوقف على توزيع مكاسب الإنتاجية. فإذا استُخدمتالزيادة في الإنتاجية لزيادة الإنتاج والأرباح وحدهما، قد يقترنالذكاء الاصطناعي بتكثيف العمل. أما إذا انعكست في خفضساعات العمل، ورفع الأجور، وتحسين السلامة والخدمات العامة،فإن التكنولوجيا تكتسب مضمونًا اجتماعيًا مختلفًا.
ولا يعني ذلك أن كل تطبيق تجاري للذكاء الاصطناعي يناقضالوظيفة الاجتماعية، أو أن كل تطبيق حكومي يحققها. فالمعياريتعلق بالنتائج والعلاقات: من يحدد غرض النظام؟ ومن يملكالبيانات والبنية الحاسوبية؟ ومن يتحمل مخاطره؟ ومن يحصلعلى مكاسب ارتفاع الإنتاجية؟
بين ضبط رأس المال التكنولوجي والسيطرة الاجتماعية
أظهرت الدولة الصينية قدرة على تنظيم الشركات التكنولوجيةالخاصة وفرض قواعد تتعلق بالبيانات والمنافسة والخوارزمياتوحماية المستخدمين. ويحد ذلك من تحول الشركات الرقمية إلىمراكز مستقلة للسلطة السياسية والاقتصادية خارج رقابة الدولة.
غير أن إخضاع الشركة التكنولوجية لتنظيم الدولة لا يعني انتقالالسيطرة على منصاتها وبياناتها وخوارزمياتها إلى العمالوالمستخدمين. فقد تقيد الرقابة الحكومية رأس المال الخاصوتحمي الأمن الوطني أو المستهلكين، بينما تظل القراراتالأساسية المتعلقة بتصميم الأنظمة وتنظيم العمل واستخدامالبيانات مركزة في إدارة الشركة أو الجهاز الحكومي.
ولذلك ينبغي التمييز بين السيطرة الحكومية على التكنولوجياوالسيطرة الاجتماعية عليها. فالأولى تعني قدرة الدولة على تنظيمالشركات وتوجيه الاستثمار وحماية البنية الرقمية الوطنية، أماالثانية فتعني مشاركة العاملين والمستخدمين والمجتمع في تحديدأهداف التكنولوجيا وشروط استخدامها وتوزيع منافعها.
الاستقلال التكنولوجي والملكية الاجتماعية
تسعى الصين إلى تقليل اعتمادها على التقنيات الأجنبية، ولاسيما في الرقائق والبرمجيات والمعدات المتقدمة والقدراتالحاسوبية. ويمنح الاستقلال التكنولوجي الدولة قدرة أكبر علىحماية اقتصادها ومواصلة تطوير صناعاتها في مواجهة القيودوالعقوبات الخارجية.
لكن الاستقلال الوطني في التكنولوجيا لا يساوي تلقائيًا الملكيةالاجتماعية للتكنولوجيا. فقد تمتلك الدولة القدرة على إنتاجالرقائق والنماذج والمنصات محليًا، بينما يظل العاملونوالمستخدمون بعيدين عن القرارات المتعلقة بتصميمهاواستخدامها وتوزيع عوائدها.
ومن ثم ينبغي التمييز بين التحرر من التبعية التكنولوجيةالخارجية والتحرر الاجتماعي من احتكار المعرفة والبياناتوالقرار التقني في الداخل. ويمثل الأول شرطًا مهمًا للسيادةالاقتصادية، بينما يتعلق الثاني بتحويل التكنولوجيا إلى وسيلةلتوسيع قدرة المجتمع والمنتجين على التحكم في ظروف حياتهموعملهم.
وبذلك لا يتحدد المضمون الاشتراكي للذكاء الاصطناعيبمستوى التقدم التقني أو الاستقلال الوطني وحدهما، بل بالجهةالتي تسيطر على بنيته، والغايات التي يستخدم من أجلها،وكيفية توزيع مكاسب إنتاجيته، ومدى مشاركة العاملين والمجتمعفي قراراته. ومن هنا يقود تحليل التكنولوجيا إلى السؤالالمؤسسي الأوسع عن موقع العمال والفلاحين في إدارة الإنتاجوالرقابة على الدولة والسوق، وهو موضوع القسم التالي.
ثامنًا: موقع العمال والفلاحين والرقابة الاجتماعية
لا يكتمل تحليل البنية المؤسسية للنموذج الصيني من دون تحديدالموقع الذي يشغله العمال والفلاحون داخلها. فالدستور الصينييعرّف الدولة بأنها دولة اشتراكية تقودها الطبقة العاملة، وتقومعلى تحالف العمال والفلاحين، وينص على أن السلطة فيجمهورية الصين الشعبية ملك للشعب. وبذلك لا يظهر العمالوالفلاحون في النص الدستوري بوصفهم فئات تتلقى ثمارالتنمية فحسب، بل بوصفهم الأساس الاجتماعي والسياسيللدولة. (81)
غير أن التمييز الذي اعتمده هذا الفصل بين الملكية القانونيةوالسيطرة الفعلية ينطبق كذلك على موقع الطبقات الاجتماعية. فقيادة الطبقة العاملة مبدأ دستوري، وتحسين أحوال العمالوالفلاحين هدف معلن للسياسة العامة، أما مقدار سلطتهمالفعلية فيتوقف على قدرتهم على التأثير في القرارات المتعلقةبالإنتاج والعمل والاستثمار واستخدام الفائض. ولذلك ينبغيتقويم موقعهم على ثلاثة مستويات مترابطة: موقعهم في البناءالدستوري والسياسي، ونصيبهم من ثمار التنمية وإعادة توزيعالفائض، ومدى مشاركتهم الفعلية في إدارة المؤسسات والرقابةعلى الدولة والسوق.
ولا يجوز اختزال هذه المستويات في معيار واحد. فتحسن الأجوروالسكن والتعليم والصحة والضمان الاجتماعي يمثل مكسبًااجتماعيًا حقيقيًا، حتى إذا لم يقترن بسيطرة مباشرة للعاملينعلى وسائل الإنتاج. وفي المقابل، لا يكفي ارتفاع مستوىالمعيشة وحده لإثبات انتقال سلطة القرار الاقتصادي إلىالمنتجين. والمشكلة النظرية والعملية هي كيفية الجمع بين التقدمالمادي وتوسيع المشاركة الاجتماعية، بحيث لا يبقى العمالوالفلاحون مستفيدين من السياسة العامة فحسب، بل يصبحونمشاركين مؤثرين في تحديدها.
تحوّل البنية الاجتماعية للعمال والفلاحين
لم تعد الطبقة العاملة الصينية كتلةً متجانسة تتركز أساسًا فيالمؤسسات الحكومية والشركات المملوكة للدولة كما كانت فيمرحلة الاقتصاد المخطط. فهي تضم اليوم العاملين في الشركاتالعامة والخاصة والأجنبية، والعمال المهاجرين من الأرياف،والعاملين بعقود مؤقتة، والعاملين في البناء والخدمات، إلى جانبعمال المنصات الرقمية وأشكال العمل المرن والمهن الجديدة.
ويكشف حجم العمالة المهاجرة عن تداخل الموقعين العماليوالفلاحي. فقد بلغ عدد العمال المهاجرين من الريف نحو301.15 مليون عامل سنة 2025، وارتفع متوسط دخلهم الشهريإلى 5075 يوانًا، مع تحسن عدد من مؤشرات السكن وظروفالحياة الحضرية. وتعكس هذه الأرقام انتقال قسم واسع منالسكان الريفيين إلى العمل المأجور في الصناعة والبناءوالخدمات، مع احتفاظ كثير منهم بروابط قانونية واجتماعيةبالأرض والقرية. كما تدل على تحسن مادي فعلي، وإن ظلتفجوات في الدخل والسكن والتعليم والتأمين الاجتماعي مرتبطةبنظام التسجيل الأسري ومكان الإقامة والعمل. (82)
ومن ثم، لا يمكن تحديد موقع العمال في النموذج الصيني منخلال عمال الشركات العامة وحدهم، مثلما لا يمكن تحليلالفلاحين بوصفهم منتجين زراعيين مستقلين عن سوق العمل. فقدأصبح قسم كبير من السكان الريفيين يجمع بين حقوق الانتفاعبالأرض والعمل المأجور، بينما تتوزع الطبقة العاملة بين قطاعاتوأقاليم وأنماط توظيف تختلف فيها الأجور والضماناتوالاستقرار الوظيفي والقدرة على التنظيم والتفاوض.
ويفرض هذا التحول توسيع مفهوم السياسة العمالية ليشملالعمال المهاجرين والمؤقتين وعمال المنصات والعاملين فيالمؤسسات الخاصة والأجنبية. فإذا اقتصرت الضماناتوالمشاركة المؤسسية القوية على العاملين في القطاع العام أوعلى العمال ذوي العقود المستقرة، بقي قسم واسع من الطبقةالعاملة خارج نطاق الحماية والمشاركة الفعليتين، حتى إذا شملتهالسياسات العامة بصورة جزئية.
الحزب وتمثيل الفئات الاجتماعية
يعرّف دستور الحزب الشيوعي الصيني الحزب بأنه «طليعةالطبقة العاملة الصينية»، وفي الوقت نفسه طليعة الشعبالصيني والأمة الصينية، وممثلًا لمتطلبات تطور القوى المنتجةالمتقدمة وللمصالح الأساسية للغالبية الساحقة من الشعب. كمايتيح الانضمام إليه للعمال والفلاحين وأفراد الجيش والمثقفينوالعناصر المتقدمة من سائر الفئات الاجتماعية. (83)
وتعكس هذه الصيغة تحول الحزب من تنظيم استند اجتماعيًا،في مرحلة الثورة وبناء الدولة الجديدة، إلى العمال والفلاحينبصورة أساسية، إلى حزب حاكم يقود مجتمعًا أكثر تنوعًا منحيث الملكية والدخل والمهنة. وتفسر القيادة الصينية توسيعالقاعدة الاجتماعية للحزب بالحاجة إلى توحيد القوى المختلفةحول برنامج التحديث والتنمية والرخاء المشترك.
غير أن تنوع عضوية الحزب يجعل تمثيل مصالح العمالوالفلاحين عمليةً سياسيةً لا يمكن استنتاجها مباشرةً من التركيبالاجتماعي لأعضائه. فالانتماء المهني للعضو لا يحدد وحدهاتجاه السياسة التي ينفذها، كما أن تسمية الحزب طليعةً للطبقةالعاملة لا تثبت تلقائيًا مشاركة العمال الفعلية في صنع القرار. ولذلك ينبغي تقويم الطابع الاجتماعي لقيادة الحزب من خلالمضمون السياسات والمؤسسات: حماية حقوق العمل، وتوزيعالدخل والثروة، وتنظيم رأس المال الخاص، واستخدام أرباحالمؤسسات العامة والضرائب، وتوفير الخدمات الأساسية، وإتاحةقنوات يستطيع العمال والفلاحون من خلالها التأثير في القراراتومساءلة القائمين عليها.
وبهذا المعنى، لا يكمن السؤال في وجود عمال وفلاحين داخلالحزب فحسب، بل في كيفية انتقال مطالبهم من مواقع العملوالقرى إلى أجهزة اتخاذ القرار، وفي مقدار استقلال القنواتالتي تنقل هذه المطالب عن الإدارات المحلية وإدارات الشركات،وفي قدرة الفئات الأقل نفوذًا على عرض مصالحها عندماتتعارض مع متطلبات الربح أو سرعة النمو أو أهداف الإدارةالمحلية.
النقابات بين تمثيل العمال والاندماج المؤسسي
يعمل اتحاد نقابات العمال لعموم الصين بوصفه الإطار النقابيالوطني الموحد، وتقوم النقابات التابعة له بتمثيل مصالح العاملين،وتقديم الخدمات، والمشاركة في تسوية النزاعات، ومراقبة تطبيققوانين العمل، وإجراء التشاور والتفاوض بشأن الأجور وشروطالعمل. وقد أكدت القيادة الصينية ضرورة أن ينعكس الرخاءالمشترك على مئات الملايين من العاملين، وأن تشمل الحمايةالعاملين في المهن الجديدة وأشكال التوظيف المرنة، مع توفيرقنوات للتعبير عن مطالبهم وتعزيز الإدارة الديمقراطية داخلالمؤسسات. (84)
وتعمل النقابات، في الوقت نفسه، تحت قيادة الحزب وداخل البنيةالمؤسسية للدولة. ويمنحها هذا الموقع قدرةً على التواصل معالأجهزة الحكومية والمشاركة في التشريع وتنفيذ السياساتالاجتماعية على نطاق واسع، كما يتيح لها الوصول إلىالمؤسسات العامة والخاصة وتقديم الخدمات لعدد كبير منالعمال. لكنه يضعها أمام وظيفتين قد تنشأ بينهما توترات: تمثيلمطالب العمال والدفاع عن حقوقهم من جهة، والمساهمة فياستقرار الإنتاج وتنفيذ أهداف التنمية من جهة أخرى.
ولا ينبغي الحكم على فاعلية النقابات الصينية انطلاقًا من شكلهاالتنظيمي وحده، سواء بالمقارنة المباشرة مع نموذج التعددالنقابي في الدول الرأسمالية أو بافتراض أن قيادتها الحزبيةتضمن تلقائيًا تمثيل مصالح العمال. فالمعيار الأهم هو ماتستطيع النقابة القاعدية إنجازه عمليًا: هل تنقل مطالب العاملينإلى الإدارة؟ وهل تستطيع التفاوض بشأن الأجور وساعات العملوالسلامة المهنية؟ وهل تمثل العمال المهاجرين والمؤقتين وعمالالمنصات؟ وهل يملك العاملون وسائل لمساءلة ممثليهم واستبدالهمإذا لم يدافعوا عن مصالحهم؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة في المؤسسات الخاصة وشركاتالمنصات، حيث تكون سلطة صاحب العمل أو الإدارة المباشرةأقوى، وتكون علاقات العمل أكثر مرونة وتجزؤًا. ففي هذهالمجالات لا يكفي وجود تنظيم نقابي اسمي؛ بل يتطلب التمثيلالفعلي وصول النقابة إلى العاملين، وحصولها على المعلومات،وقدرتها على التفاوض، وحماية العمال من العقاب بسبب عرضشكاواهم أو مطالبهم.
مؤتمرات العاملين والإدارة الديمقراطية
توفر مؤتمرات ممثلي العاملين قناةً مؤسسية للمشاركة داخلالشركات والمؤسسات. وتلزم تدابير الإدارة الديمقراطيةالمؤسسات بعرض القواعد المهمة المتعلقة بالعمل والقراراتالإدارية التي تمس مصالح العاملين مباشرةً على هذه المؤتمراتللمناقشة والمراجعة. كما يستطيع العاملون التعبير عن آرائهم بيندورات المؤتمر من خلال لجان الإدارة الديمقراطية والحوارات بينالعمال والمديرين وغيرها من الآليات. (85)
ويمثل وجود هذه المؤسسات أساسًا قانونيًا وتنظيميًا يمكن البناءعليه، ولا يصح التعامل معه بوصفه شكلًا رمزيًا في جميعالحالات. لكن «المناقشة والمراجعة» لا تعنيان بالضرورة امتلاكالعاملين سلطةً ملزمة على اختيار الإدارة أو تحديد الاستثمار أوتوزيع الأرباح. ولذلك يتوقف مضمون الإدارة الديمقراطية علىالصلاحيات التي يمارسها المؤتمر عمليًا، وانتظام اجتماعاته،وطريقة انتخاب الممثلين، وإمكان حصولهم على المعلومات،وحريتهم في عرض المشكلات، وقدرتهم على متابعة تنفيذالقرارات ومساءلة الإدارة.
وكما بيّن تحليل تجربة كومونة باريس في القسم الأول، لا تتحققاجتماعية السلطة بمجرد نسبة المؤسسة إلى الشعب أو الدولة، بلتحتاج إلى آليات تجعل القائمين على الإدارة مسؤولين أمامالمجتمع والمنتجين. وينطبق هذا المعيار على الشركة العامةوالخاصة معًا: فالمشاركة الاستشارية تتيح للعامل التعبير عنالرأي، أما المشاركة المؤثرة فتمنحه قدرةً قابلةً للقياس على تعديلالقرار أو الاعتراض عليه أو مساءلة من اتخذه.
وتكتسب هذه المسألة أهميةً أكبر مع إدخال الذكاء الاصطناعيوالأتمتة والخوارزميات في الإدارة والإنتاج. فالإدارة الديمقراطيةلا ينبغي أن تقتصر على القضايا التقليدية المتعلقة بالأجوروالإجازات، بل ينبغي أن تشمل القرارات المتعلقة بإدخالالتكنولوجيا، وتحديد معايير الأداء، والمراقبة الرقمية، وإعادةتنظيم الوظائف، والتدريب، والسلامة، وتسريح العمال أو نقلهم،وتوزيع المكاسب الناتجة من ارتفاع الإنتاجية. ومن دون ذلك قدتتسع الإدارة التقنية من أعلى، بينما تضيق قدرة العاملين علىفهم القرارات التي تحدد شروط عملهم أو الاعتراض عليها.
الفلاحون والملكية الجماعية للأرض
تمنح الملكية الجماعية للأرض الريفية ونظام التعاقد الأسريالفلاحين وضعًا يختلف عن وضع العامل الذي لا يمتلك موردًاإنتاجيًا أو حقًا ثابتًا في الأرض. فالأرض تبقى، من حيث الأصلالقانوني، مملوكةً ملكية جماعية، بينما تحصل الأسر على حقوقالتعاقد والتشغيل والانتفاع. وقد أكدت المبادئ التوجيهية الصادرةسنة 2026 تمديد عقود الأراضي الريفية ثلاثين عامًا إضافية عندانتهاء الجولة الثانية من التعاقد، مع التشديد على حماية حقوقالمزارعين واستمرار الملكية الجماعية ونظام التشغيل الأسري. (86)
ويساعد هذا النظام على الحد من نزع الملكية الكامل عن السكانالريفيين، ويوفر موردًا إنتاجيًا وشكلًا من أشكال الضمانالاجتماعي، ولا سيما للعاملين الذين ينتقلون مؤقتًا أو جزئيًا إلىالمدن. كما يفسر استمرار التداخل بين هوية العامل المأجوروعضويته في الأسرة والقرية الريفيتين.
لكن بقاء الأرض في الملكية الجماعية لا يعني تلقائيًا تساويأعضاء الجماعة الريفية في إدارة أصولها. فالمضمون الاجتماعيلهذه الملكية يتوقف على مقدار مشاركة الفلاحين في قرارات نقلحقوق الانتفاع، واستخدام الأراضي والأصول الجماعية،والتعويض عن الأراضي، وتوزيع العوائد، واختيار الهيئات التيتدير الاقتصاد الجماعي ومساءلتها. وقد تتحول الملكية الجماعية،إذا ضعفت المشاركة والشفافية، إلى إدارة فعلية تمارسها قياداتمحلية أو مؤسسات اقتصادية من دون رقابة كافية من أعضاءالجماعة.
وفي الوقت نفسه، لا يصح تقويم موقع الفلاحين من زاوية سلطةالقرار وحدها وإغفال نتائج الاستثمار العام في الطرق والكهرباءوالمياه والتعليم والصحة والإسكان ومكافحة الفقر. فقد أسهمتوجيه الموارد العامة والسياسات الزراعية والريفية في رفعالدخول وتحسين شروط الحياة وتقليص الفقر. وتمثل هذه النتائججزءًا فعليًا من الوظيفة الاجتماعية للدولة، لكنها لا تلغي الحاجةإلى توسيع مشاركة المجتمعات الريفية في تقرير كيفية استخدامأراضيها ومواردها وعوائدها الجماعية.
الرقابة الإدارية والرقابة الاجتماعية
تملك الصين منظومة واسعة من الرقابة الحزبية والحكومية، تشملأجهزة فحص الانضباط والرقابة الإدارية والتدقيق والهيئاتالتنظيمية ومجالس نواب الشعب. وتستطيع هذه المنظومة محاسبةالمديرين والمسؤولين، ومواجهة الفساد، وضبط رأس المال الخاص،وإلزام المؤسسات بتنفيذ القوانين والسياسات العامة. وتمثل هذهالقدرة عاملًا مهمًا في الحد من تحول الملكية العامة إلى سيطرةفعلية غير خاضعة للمساءلة تمارسها الإدارات، وفي إخضاعنشاط الشركات الخاصة، بدرجات مختلفة، للأهداف الوطنية.
لكن الرقابة الإدارية من أعلى لا تؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديهاالرقابة الاجتماعية من أسفل. فالأولى تراقب مدى التزام المؤسسةبالقانون والخطة وقرارات الدولة، أما الثانية فتتيح للعاملينوالمواطنين التأثير في مضمون الأهداف نفسها، ومساءلة الإدارةبشأن الأجور وشروط العمل والاستثمار واستخدام الفائض. ويمكن أن تتكامل الرقابتان، لكن إحداهما لا تعوّض الأخرى؛ فقدتكون المؤسسة منضبطة إداريًا وتنفذ الخطة بكفاءة، بينما يظلالعاملون محدودي التأثير في القرارات التي تمس حياتهم.
وينبغي إدخال إعادة توزيع الفائض في هذا التقويم. فالدولةتحصل على موارد من أرباح الشركات العامة والضرائبوالاشتراكات المفروضة على النشاطين العام والخاص، ثم تعيدتوجيه قسم منها إلى البنية التحتية والتعليم والصحة والضمانالاجتماعي والتوظيف ومكافحة الفقر. وقد قاربت مخصصاتالتعليم والضمان الاجتماعي والتوظيف في موازنة سنة 2025 مقدار 4.5 تريليون يوان، بالتوازي مع توسيع الخدمات العامةودعم الفئات المنخفضة الدخل، مع استمرار فجوات تواجه بعضالعمال المهاجرين في التعليم والتأمين الاجتماعي والإسكان. (87)
ولا تمثل هذه النتائج مجرد تعويض اجتماعي خارجي عن علاقاتالإنتاج؛ فهي تكشف عن قدرة الدولة على تحويل قسم منالفائض الاقتصادي إلى منافع جماعية وتحسين ملموس فيحياة السكان. ومن ثم، يؤدي تجاهلها إلى قراءة ناقصة للنموذجالصيني. ومع ذلك، يظل من الضروري بحث مقدار الفائض الذييعاد توزيعه، ونسبته إلى ما يذهب إلى التراكم الخاص أوالإداري، والفئات والمناطق المستفيدة منه، وشفافية تحديدأولوياته، ومدى مشاركة العاملين والمجتمع في تقرير استخدامه.
معيار تقويم الاتجاه الاشتراكي
يقتضي التقويم المتوازن الجمع بين بُعدين. يتعلق الأول بالنتائجالمادية، مثل ارتفاع الأجور والدخول، وتوسيع الضمانالاجتماعي والخدمات العامة، وتقليص الفقر والفوارق، وتحسينالسلامة، وخفض وقت العمل. ويتعلق الثاني ببنية السلطة، مثلفاعلية النقابات، وصلاحيات مؤتمرات العاملين، ومشاركة العمالفي قرارات الإنتاج والتكنولوجيا، وسيطرة الفلاحين على أصولهمالجماعية، وشفافية استخدام فائض المؤسسات العامةوالضرائب.
وقد يتحقق تقدم واضح في البعد الأول من دون تقدم مماثل فيالثاني. وهذا لا يجعل التحسن المعيشي وهميًا، لكنه يعني أنالوظيفة الاجتماعية وإعادة التوزيع قد تتطوران بوتيرة أسرع منانتقال الإدارة والرقابة إلى المنتجين. وفي المقابل، لا تكفيالمشاركة المؤسسية الشكلية إذا لم تسندها موارد عامة وقدرةفعلية على تحسين الشروط المادية لحياة العمال والفلاحين. ولذلكلا يقوم المعيار الاشتراكي على الاختيار بين التنمية والمشاركة، بلعلى العلاقة التي تنشأ بينهما.
وتعرّف القيادة الصينية البلاد بأنها تمر في «المرحلة الأولية منالاشتراكية»، وتستخدم هذا التصور لتفسير استمرار السوقوالعمل المأجور والملكية الخاصة والفوارق الاجتماعية، مع إعطاءالأولوية لتطوير القوى المنتجة وتهيئة الشروط المادية للرخاءالمشترك. ووفق الوثائق الرسمية، يتمثل الهدف في تحقيقالتحديث الاشتراكي من حيث الأساس بحلول سنة 2035، ثمإنجاز بناء دولة اشتراكية حديثة قوية بحلول منتصف القرن. ولذلك لا يُقدَّم منتصف القرن بوصفه موعدًا لبدء الاشتراكية، بلبوصفه مرحلةً أعلى في تطوير نظام تصفه الدولة بأنه اشتراكيبالفعل. (88)
غير أن صلاحية مفهوم «المرحلة الأولية» لا يمكن اختبارها بمجردالإحالة إلى هدف مستقبلي بعيد. فهي تتوقف على الاتجاهالقابل للرصد في الحاضر: هل تتحول زيادة الإنتاجية والفائضوالتقدم التكنولوجي تدريجيًا إلى خدمات عامة أوسع، وفوارقأقل، وأجور أفضل، ووقت عمل أقصر، وأمن اجتماعي أشمل؟وهل يقترن ذلك بتوسيع سلطة العمال والفلاحين داخل المؤسساتوالقرى وأجهزة الرقابة؟ أم يظل نمو القدرات الإنتاجية وإعادةالتوزيع منفصلين عن انتقال سلطة القرار إلى المنتجين؟
وهكذا لا يُحسم الطابع الاشتراكي للنموذج الصيني باسمالحزب أو الشكل القانوني للملكية أو الإنجازات التنموية كلٌّ علىحدة، بل بالاتجاه الذي تنتظم ضمنه هذه العناصر: مقدارخضوع رأس المال العام والخاص للأهداف الاجتماعية، وكيفيةتوزيع الفائض، وموقع العمل داخل عملية الإنتاج، ومدى تحولالعمال والفلاحين من موضوع للسياسة الاجتماعية إلى قوة مؤثرةفي صنعها. ويقود ذلك مباشرةً إلى الفصل التالي، الذي يبحثعلاقات العمل وإنتاج فائض القيمة وتوزيعه، ومدى تحوّل النموالاقتصادي إلى تنمية اجتماعية ورخاء مشترك.
الهوامش
———-
(51) «مقالة خاصة: المجلس التشريعي الصيني يتبنى تعديلاتدستورية تاريخية»، وكالة أنباء شينخوا، 12 آذار/مارس 2018،ولا سيما الجزء المتعلق بإضافة عبارة «قيادة الحزب الشيوعيالصيني هي السمة المحددة للاشتراكية ذات الخصائصالصينية» إلى دستور جمهورية الصين الشعبية، النص العربي – وكالة أنباء شينخوا.
(52) كارل ماركس، الحرب الأهلية في فرنسا، ترجمة إلياسشاهين، موسكو: دار التقدم، 1979، القسم الثالث، ص72؛وفريدريك إنجلز، «مقدمة الطبعة الألمانية الثالثة»، ضمن الكتابنفسه، ص15 .
(53) فريدريك إنجلز، ضد دوهرنغ، مصدر سابق، القسم الثالث: «الاشتراكية»، الفصل الثاني: «مسائل نظرية»، ص327–332،النسخة العربية الكاملة بصيغة PDF.
(54) دستور جمهورية الصين الشعبية، المواد 6 و7 و10، المتعلقةبأساس الملكية العامة، والدور القيادي لاقتصاد الدولة، وملكيةالأرض في المدن والأرياف، النص الرسمي الكامل.
(55) المصدر نفسه، المواد 11 و13 و15، المتعلقة بمكانةالقطاعات الاقتصادية غير العامة، وحماية الملكية الخاصةالمشروعة، وتطبيق اقتصاد السوق الاشتراكي.
(56) «بيان الدورة الكاملة الثالثة للجنة المركزية العشرين للحزبالشيوعي الصيني»، 18 تموز/يوليو 2024، ولا سيما الجزءالمتعلق بتوطيد الاقتصاد العام وتطويره، وتشجيع الاقتصاد غيرالعام وحمايته وتنظيمه، النص العربي – صحيفة الشعب اليومية.
(57) فلاديمير إيليتش لينين، «الاقتصاد والسياسة في عهددكتاتورية البروليتاريا»، كُتب في 30 تشرين الأول/أكتوبر1919، إعداد عقيل صالح، القسم الأول، ص2–4، النسخةالعربية الكاملة بصيغة PDF.
(58) «النص الكامل لتقرير عمل الحكومة»، وكالة أنباء شينخوا،16 آذار/مارس 2017، ولا سيما القسم المتعلق بتعميق إصلاحالمؤسسات والأصول المملوكة للدولة، وتطوير الملكية المختلطةوآليات الإدارة المعتمدة على السوق، النص العربي.
(59) «شي جين بينغ يشدد على التمسك بالأصل مع الابتكاروالسعي الجاد للعمل الفعلي لكتابة فصل جديد في الإصلاحوالانفتاح في المسيرة الجديدة»، وكالة أنباء شينخوا، 22 نيسان/أبريل 2023، ولا سيما الجزء المتعلق بإدارة الاقتصاد المملوكللدولة وخدمة التنمية العالية الجودة والرخاء المشترك والأمنالقومي، النص العربي.
(60) دستور جمهورية الصين الشعبية، مصدر سابق، المادة 16،المتعلقة بممارسة الشركات المملوكة للدولة الإدارة الديمقراطية منخلال مؤتمرات العاملين وغيرها من الوسائل، النص الرسميالكامل.
(58) «النص الكامل لتقرير عمل الحكومة»، وكالة أنباء شينخوا،16 آذار/مارس 2017، ولا سيما القسم المتعلق بتعميق إصلاحالمؤسسات والأصول المملوكة للدولة، وتطوير الملكية المختلطةوآليات الإدارة المعتمدة على السوق، النص العربي.
(59) «شي جين بينغ يشدد على التمسك بالأصل مع الابتكاروالسعي الجاد للعمل الفعلي لكتابة فصل جديد في الإصلاحوالانفتاح في المسيرة الجديدة»، وكالة أنباء شينخوا، 22 نيسان/أبريل 2023، ولا سيما الجزء المتعلق بإدارة الاقتصاد المملوكللدولة وخدمة التنمية العالية الجودة والرخاء المشترك والأمنالقومي، النص العربي.
(60) دستور جمهورية الصين الشعبية، مصدر سابق، المادة 16،المتعلقة بممارسة الشركات المملوكة للدولة الإدارة الديمقراطية منخلال مؤتمرات العاملين وغيرها من الوسائل، النص الرسميالكامل.
(61) «دعم تطور الاقتصاد غير العام»، شبكة الصين، ضمن«الكلمات الرئيسية عن الصين»، ولا سيما الجزء المتعلق بتطورالمكانة القانونية والسياسية للقطاع الخاص منذ عامي 1987 و1988، وانتقاله من «مكمّل» إلى «مكوّن مهم» من الاقتصادالاشتراكي، النص العربي.
(62) «الصين تتبنى قانونًا مخصصًا لتعزيز القطاع الخاص»،وكالة أنباء شينخوا، 30 نيسان/أبريل 2025، ويتضمن تاريخنفاذ القانون ومجالاته الأساسية وبيانات عن مساهمة الشركاتالخاصة في الناتج المحلي الإجمالي والتشغيل وعدد المؤسساتالمسجلة، النص العربي.
(63) «شي جين بينغ يؤكد آفاقًا واعدة لتنمية القطاع الخاصخلال ندوة حول الشركات الخاصة»، وكالة أنباء شينخوا، 20 شباط/فبراير 2025، ولا سيما تأكيد استمرار المبادئوالسياسات الأساسية المتعلقة بتنمية القطاع الخاص، النصالعربي.
(64) دستور الحزب الشيوعي الصيني، الباب الخامس: «منظمات الحزب القاعدية»، المادة 33، بشأن وظائف منظماتالحزب في المؤسسات الاقتصادية ذات الملكية غير العامة، النصالعربي – وكالة أنباء شينخوا.
(65) فلاديمير إيليتش لينين، عن الضريبة العينية: دلالة السياسةالجديدة وشروطها، ترجمة إلياس شاهين، موسكو: دار التقدم،1973، ولا سيما المقطع المتعلق بتوجيه التطور الرأسماليوإخضاعه للرقابة والشروط الانتقالية؛ وقارن بالطبعة الإنجليزية: V. I. Lenin, “The Tax in Kind,” in Collected Works, Vol. 32, Moscow: Progress Publishers, 1965, pp. 329–365، النص الإنجليزي.
(66) «مقالة خاصة: شي جين بينغ، الرجل الذي يقود إصلاحالصين في العصر الجديد»، وكالة أنباء شينخوا، 18 كانونالأول/ديسمبر 2018، ولا سيما الجزء المتعلق بقرار سنة 2013 منح السوق دورًا «حاسمًا» بدلًا من «أساسي» في تخصيصالموارد، النص العربي.
(67) دستور الحزب الشيوعي الصيني، البرنامج العام، بشأنتنمية اقتصاد السوق الاشتراكي، وإظهار الدور الحاسم للسوقفي توزيع الموارد، وإظهار دور الحكومة بصورة أفضل،والتخطيط الشامل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والإقليمية،النص العربي – وكالة أنباء شينخوا.
(68) «النص الكامل: بيان الدورة الكاملة الرابعة للجنة المركزيةالعشرين للحزب الشيوعي الصيني»، وكالة أنباء شينخوا، 24 تشرين الأول/أكتوبر 2025، ولا سيما الفقرات المتعلقة بالجمعبين السوق الفعالة والحكومة الكفؤة، وبناء منظومة الصناعاتالحديثة، وتعزيز الابتكار المستقل، وبناء اقتصاد سوق اشتراكيعالي المستوى، النص العربي.
(69) فريدريك إنجلز، ضد دوهرنغ، مصدر سابق، القسم الثالث: «الاشتراكية»، الفصل الثاني: «مسائل نظرية»، ص330،النسخة العربية الكاملة بصيغة PDF. PDF.
(70) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، البيان الشيوعي، ترجمةالعفيف الأخضر، ط1، بيروت–بغداد: منشورات الجمل، ص101. الإلكتروني.
(71) «النص الكامل لتقرير عمل الحكومة»، وكالة أنباء شينخوا،18 آذار/مارس 2016، ولا سيما الجزء المتعلق بإصلاح المصارفالتجارية المملوكة للدولة والمؤسسات المالية الإنمائية والسياسيةواستخدام السياسة النقدية لدعم الاقتصاد الحقيقي، النصالعربي.
(72) «1.53 تريليون يوان.. قروض بنك التنمية الصيني للبنيةالتحتية خلال 2024»، وكالة أنباء شينخوا، 11 شباط/فبراير2025، بشأن تمويل البنية التحتية والتحديث الصناعيوالمشروعات المدرجة في الخطة الخمسية الرابعة عشرة والبنيةالتحتية للمعلومات والابتكار،
(73) Ying Xu, “Industrial Policy and State Ownership: How Do Commercial Banks AllocateCredit in China?”, IMF Working Paper، رقمWP/24/262، صندوق النقد الدولي، 23 كانون الأول/ديسمبر2024، ولا سيما نتائج الدراسة المتعلقة بتفاوت استجابةالمصارف للسياسة الصناعية وأفضلية القطاعات التي تهيمنعليها الشركات المملوكة للدولة، صفحة الدراسة والنص الكامل. ولاتتوافر، في حدود البحث، نسخة عربية موثوقة من الدراسة.
(74) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلدالأول، الجزء الرابع: «إنتاج فائض القيمة النسبي»، فصل«الآلات والصناعة الكبرى»، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دارالفارابي، ص465 وما بعدها، ولا سيما المبحث السادس،النسخة العربية الإلكترونية.
(75) «مقالة خاصة: الصين تكثف جهودها لبناء مركز ابتكارعالمي للذكاء الاصطناعي»، وكالة أنباء شينخوا، 30 آذار/مارس2024، ولا سيما الجزء المتعلق بخطة مجلس الدولة لتطوير الجيلالجديد من الذكاء الاصطناعي والهدف المحدد لسنة 2030،النص العربي.
(76) «مسؤول: الصين تهدف إلى تحقيق اختراقات في تطبيقاتالذكاء الاصطناعي في القطاعات الرئيسية خلال العامينالمقبلين»، وكالة أنباء شينخوا، 30 آب/أغسطس 2025، بشأنالمبادئ التوجيهية للتنفيذ المعمق لمبادرة «الذكاء الاصطناعيبلس» ومجالاتها وأهدافها المرحلية، النص العربي.
(77) «الصين تدرس تحديث قانون الأمن السيبراني»، وكالةأنباء شينخوا، 15 أيلول/سبتمبر 2022، النص العربي؛ وانظرأيضًا: «قانون حماية المعلومات الشخصية الصيني يدخل حيزالتنفيذ»، وكالة أنباء شينخوا، 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2021،النص العربي.
(78) «الصين تعزز حماية الحقوق والمصالح في المهن الجديدة»،وكالة أنباء شينخوا، 27 نيسان/أبريل 2026، ولا سيما الجزءالمتعلق بحوكمة خوارزميات المنصات وحقوق العاملين في معرفتهاوالمشاركة فيها، النص العربي.
(79) «مقالة خاصة: الذكاء الاصطناعي يعزز التحول فيمختلف القطاعات بالصين»، وكالة أنباء شينخوا، 11 حزيران/يونيو 2026، ولا سيما التطبيقات المتعلقة برفع كفاءة الإنتاجوالخدمات اللوجستية وتقليل كثافة العمل وتعزيز السلامةالصناعية والبحث الطبي، النص العربي.
(80) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، «الاقتصاد الوطنييتقدم بالابتكار والتنمية العالية الجودة وتتحقق الأهداف المتوقعةبنجاح في عام 2025»، 19 كانون الثاني/يناير 2026، ولا سيمابيانات متوسط ساعات العمل الأسبوعية، النص الرسميالإنجليزي؛ وانظر أيضًا: Nikki Sun, Workplace AI in China: The Changing Profile of Work and Labour, Chatham House, 18 July 2024، ولا سيما النتائج المتعلقةبنوعية العمل ومشاركة العاملين في قرارات إدخال الذكاءالاصطناعي، النص الكامل. ولا تتوافر، في حدود البحث، نسخةعربية موثوقة من هذين المصدرين.
(81) دستور جمهورية الصين الشعبية، مصدر سابق، المادتان 1 و2، بشأن قيادة الطبقة العاملة وتحالف العمال والفلاحين وملكيةالشعب للسلطة؛ وانظر كذلك: «النص الكامل لتقرير شي جينبينغ في المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعيالصيني»، وكالة أنباء شينخوا، 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2017،النص العربي المباشر.
(82) «تواصل ارتفاع دخل العمال المهاجرين في الصين في عام2025»، وكالة أنباء شينخوا، 1 أيار/مايو 2026، ولا سيماالبيانات المتعلقة بعدد العمال المهاجرين ودخولهم وظروف سكنهم،النص العربي المباشر.
(83) دستور الحزب الشيوعي الصيني، الصيغة المعتمدة فيالمؤتمر الوطني العشرين، 22 تشرين الأول/أكتوبر 2022،المبادئ العامة والمادتان الأولى والثانية، النص العربي الكامل – الصين النظرية.
(84) «شي جين بينغ يلقي كلمة مهمة خلال حواره مع أعضاءالقيادة الجديدة لاتحاد نقابات العمال لعموم الصين»، وكالة أنباءشينخوا، 25 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ولا سيما الفقراتالمتعلقة بقيادة الحزب للنقابات وحماية حقوق العاملين والإدارةالديمقراطية، النص العربي المباشر؛ وانظر كذلك: قانون نقاباتالعمال لجمهورية الصين الشعبية، الصيغة المعدلة سنة 2021،المادتان 2 و3، النص الرسمي بالإنجليزية.
(85) «النص الكامل: تقرير تقييم أحوال تطبيق خطة العملالوطنية لحقوق الإنسان بين عامي 2012 و2015»، وكالة أنباءشينخوا، 14 حزيران/يونيو 2016، ولا سيما الجزء المتعلقبمؤتمرات ممثلي العاملين وتدابير الإدارة الديمقراطية، النصالعربي المباشر.
(86) «الصين تصدر مبادئ توجيهية بشأن العمل التجريبيلتمديد عقود استئجار الأراضي الريفية»، صحيفة الشعباليومية أونلاين نقلًا عن شينخوا، 19 آذار/مارس 2026، النصالعربي المباشر.
(87) «الصين تعزز جهودها لتحسين الرفاه العام لمعالجةالشواغل الملحة لمواطنيها»، صحيفة الشعب اليومية أونلاين نقلًاعن شينخوا، 12 حزيران/يونيو 2025، ولا سيما البيانات المتعلقةبالخدمات العامة والضمان الاجتماعي ومخصصات التعليموالتوظيف والتحديات التي يواجهها العمال المهاجرون، النصالعربي المباشر.
(88) «النص الكامل لدستور الحزب الشيوعي الصيني»، وكالةأنباء شينخوا، 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2017، ولا سيما النصالمتعلق ببقاء الصين فترةً طويلة في «المرحلة الأولية منالاشتراكية»، النص العربي المباشر؛ وانظر أيضًا: «النصالكامل لقرار المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصينيحول تقرير اللجنة المركزية التاسعة عشرة»، صحيفة الشعباليومية أونلاين، 23 تشرين الأول/أكتوبر 2022، بشأن هدفيعام 2035 ومنتصف القرن الحالي، النص العربي المبا
الهوامش
________________
(34) تيسير الرداوي، «الدولة واقتصاد السوق: قراءات فيسياسات الخصخصة وتجاربها العالمية والعربية»، عرض لكتابطاهر حمدي كنعان وحازم تيسير رحاحلة، عمران للعلومالاجتماعية والإنسانية، مج 6، العدد 21، صيف 2017، ص213–217.
الدراسة بصيغة PDF
(35) أميرة الطاهر إسماعيل أحمد وسمير محمد عبد الوهاب،«إعادة الهيكلة كمدخل لإصلاح قطاع الأعمال العام في الخبراتالدولية»، المجلة العربية للإدارة، مج 45، العدد 4، أغسطس/آب2025، ص 141–142.
صفحة الدراسة
(36) تيسير الرداوي، «الدولة واقتصاد السوق»، مصدر سابق،ص 215–217. ويُعتمد رابط المصدر رقم (34) نفسه، ولا حاجةإلى تكراره.
(37) «مقالة خاصة: المجلس التشريعي الصيني يتبنى تعديلاتدستورية تاريخية»، وكالة أنباء شينخوا، 12 آذار/مارس 2018.
النص العربي – وكالة شينخوا
(38) «انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية يعود بزخمتنموي وفرص مواتية على العالم أجمع»، وكالة أنباء شينخوا، 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2021.
النص العربي
(39) «تقرير إخباري: الصين شهدت طفرات اقتصادية كبرىخلال الـ70 عامًا الماضية وتحولت لنموذج تنموي يتعلمه العالم»،وكالة أنباء شينخوا، 31 تشرين الأول/أكتوبر 2019، ولا سيماالجزء المتعلق بمرحلة 2001–2012 والانضمام إلى منظمةالتجارة العالمية والانفتاح الشامل، النص العربي.
(40) اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، «قرار اللجنةالمركزية للحزب الشيوعي الصيني حول المنجزات المهمة والتجاربالتاريخية في كفاح الحزب الممتد لمائة عام»، مصدر سابق،الجزء المتعلق بتبلور «مفهوم التنمية العلمية» والتنمية الشاملةوالمتناسقة والمستدامة ووضع الإنسان في المقام الأول، النصالعربي الكامل – وكالة شينخوا.
(41) المصدر نفسه، الجزء المتعلق بدفع تنمية غرب الصينومساعدة المناطق الوسطى، وإلغاء ضرائب الزراعة، وتوسيعالتعليم والرعاية الطبية والعناية بالشيخوخة، النص العربيالكامل – وكالة شينخوا.
(42) محمد فاوي، «تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني والرؤيةالجديدة للنهوض»، مركز الجزيرة للدراسات، 22 تموز/يوليو2013، ولا سيما الجزء المتعلق بحزمة التحفيز البالغة أربعةتريليونات يوان وآثارها الائتمانية والعقارية، النص العربي.
(43) اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، «قرار اللجنةالمركزية للحزب الشيوعي الصيني حول المنجزات المهمة والتجاربالتاريخية في كفاح الحزب الممتد لمائة عام»، أُجيز في الدورةالكاملة السادسة للجنة المركزية التاسعة عشرة في 11 تشرينالثاني/نوفمبر 2021، القسم المتعلق بتعميق الإصلاح والانفتاحعلى نحو شامل وقرارات الدورة الكاملة الثالثة للجنة المركزيةالثامنة عشرة، النص العربي الكامل – وكالة أنباء شينخوا.
(44) «شي يدعو إلى وضع الجودة في المقام الأول في التنميةالاقتصادية»، وكالة أنباء شينخوا، 18 تشرين الأول/أكتوبر2017، ويتضمن عرضًا للجزء الاقتصادي من تقرير المؤتمرالوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني، ولا سيماالانتقال من النمو السريع إلى التنمية العالية الجودة واتخاذالإصلاح الهيكلي لجانب العرض خطًا رئيسيًا، النص العربي – وكالة أنباء شينخوا.
(46) «النص الكامل لقرار المؤتمر الوطني العشرين للحزبالشيوعي الصيني حول تقرير لجنة الحزب المركزية التاسعةعشرة»، أُجيز في 22 تشرين الأول/أكتوبر 2022، ولا سيماالجزء المتعلق بالتنمية العالية الجودة، وتحسين منظومة الابتكارالعلمي والتكنولوجي، وتنفيذ استراتيجية التنمية المدفوعةبالابتكار، وتعزيز الاعتماد على النفس في العلوم والتكنولوجيا،النص العربي – الشعب أونلاين.
(47) «توحيد السوق في الصين يوفّر دفعة حيوية للتداولالاقتصادي»، وكالة أنباء شينخوا، 18 أيار/مايو 2022، ولا سيماالجزء المتعلق بطرح سياسة «التداول المزدوج» سنة 2020،واتخاذ السوق المحلية دعامةً أساسية، وتعزيز التفاعل بينالسوقين المحلية والدولية، وبناء سوق وطنية موحدة، النص العربي– وكالة أنباء شينخوا.
(48) «شي يشدد على تعزيز الرخاء المشترك ودرء المخاطر الماليةالكبرى»، الشعب أونلاين، 18 آب/أغسطس 2021، نقلًا عن وكالةأنباء شينخوا، ولا سيما ما يتعلق باعتبار الرخاء المشترك مطلبًاأساسيًا للاشتراكية، وزيادة دخول الفئات منخفضة الدخل،وتوسيع الفئات متوسطة الدخل، وتعديل الدخول المفرطة وتحسينالخدمات العامة، النص العربي.
(49) «شي يشدد على التنمية الصحية لرأس المال في الصين»،وكالة أنباء شينخوا، 1 أيار/مايو 2022، ولا سيما ما يتعلقبتنظيم رأس المال وتوجيهه، ومكافحة الاحتكار والمنافسة غيرالعادلة، والتحقيق في التوسع غير المنضبط لرأس المال واحتكارالمنصات، النص العربي – وكالة أنباء شينخوا.
(50) الحزب الشيوعي الصيني، دستور الحزب الشيوعيالصيني، الصيغة التي أقرّها المؤتمر الوطني التاسع عشر سنة2017، الباب الخامس: «منظمات الحزب القاعدية»، ولا سيماالمادة الثالثة والثلاثون المتعلقة بدور اللجان الحزبية فيالمؤسسات المملوكة للدولة والمنظمات الحزبية في المؤسسات ذاتالملكية غير العامة، النص العربي الكامل – وكالة أنباء شينخوا.
يتبع

