تُشكل المسألة الإثنية والعرقية في المشرق العربي، وفي العقدين الأخيرين على وجه الخصوص داخل الجغرافيا السورية، إحدى أكثر القضايا تعقيداً على مستوى التفكير السياسي وسوسيولوجيا التعدد. ولطالما شكلت الخطابات الأيديولوجية المرفوعة، على اختلاف مرجعياتها النظرية ومشاربها الفكرية، مادة للاختبار العملي الذي أثبت في مراحل متعددة وجود فجوة عميقة بين التنظير الشفاهي والتطبيق الواقعي، لتستمر الدائرة المغلقة في إنتاج ذات النتائج الإقصائية مهما اختلفت الشعارات.
فمن جهة، حين جرى الانتقال نحو شعارات “الأخوة في الوطن والديمقراطية” والكونفدرالية الديمقراطية والتضامن الأخوي، طُرحت مشروعية الإدارة الذاتية والمؤسسات المرتبطة بها بوصفها نموذجاً سياسياً حافلاً بمقولات الإدماج الوطني والتعددية الثقافية. إلا أن الممارسة الميدانية والتوازنات السلطوية الصارمة كشفت عن حدود هذه الأيديولوجيا وهشاشتها عند الاصطدام بالواقع الاجتماعي المعقد والتدافع على النفوذ، مما جعل التجربة تبدو في نظر قطاع واسع من المراقبين والمجتمعات المحلية مجرد غطاء شكلي ينطوي على ممارسات هيمنة فئوية لا تختلف جوهرياً عن النماذج الإقصائية التقليدية. وقد تعمق هذا المأزق بفعل المصالح الجيوسياسية والحسابات المعقدة للدول المهيمنة والفاعلة في الملف السوري، والتي فرضت معادلات ميدانية وصيغ تفاهم قاسية، مما أجبر قيادة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والإدارة الذاتية على تقبّل هذه الحالة المريرة والتكيف مع موازين القوى القائمة، حتى لو كان ذلك على حساب جوهر الشعارات البراقة التي رفعتها.
ومن جهة أخرى، وعند الرجوع إلى مظلة “الأخوة في الدين”، يبدو التساؤل مشروعاً وأساسياً حول قدرة الأيديولوجيا السياسية ذات الصبغة الدينية على تجاوز هذه الإشكالية وهل تملك بالضرورة بديلاً نجاحياً يسهم في صهر المكونات المتعددة، ولا سيما المكون الكردي. إن الفكر السياسي القائم على الاستدعاء الديني يطرح “الرابطة الإيمانية” بوصفها الهوية المحددة والمظلة الكبرى التي تذوب فيها الفروق القومية والإثنية تحت مفهوم “الأخوة في الدين”، إلا أن القراءة التاريخية والتحليل السياسي المقارن يشيران إلى أن تغليف العروق بلبوس ديني لا يلغي التحيزات البنيوية والنظرة الدونية المركبة في وعي الثقافة السياسية السائدة. فكما فشلت اللافتات الوطنية والمشاريع الموصوفة بالديمقراطية في بناء مساحة مواطنة متساوية وموثوقة تخلو من الاستعلاء القومي، فإن المظلة الدينية تظل عرضة للوقوع في الفخ ذاته، حيث تُستغل المفاهيم العقائدية لإعادة إنتاج تراتبية سلطوية تُبقي على المكونات القومية الأخرى في مرتبة أدنى وطئاً وسياسياً واجتماعياً.
إن أزمة الثقة التي يعاني منها الفرد والمجتمع الكردي في هذا السياق تتجاوز التسميات والشعارات، سواء كانت علمانية ديمقراطية أو إسلامية جامعة، إذ تكمن المشكلة الأساسية في بنيوية الثقافة السياسية التي لم تتشكل بعد على أرضية الاعتراف المتبادل والتكافؤ الناجز. فالخطاب الديني القومي المتداخل غالباً ما يتعامل مع الخصوصية الكردية كتهديد للوحدة المتخيلة أو يتناولها بمنظور مشروط بالتبعية والامتثال السياسي، مما يكرس انطباعاً لدى الشارع الكردي بأن أوهام المساواة تتبدد بمجرد المحك الفعلي لتوزيع السلطة واستحقاق الحقوق الثقافية والسياسية.
وبناءً على ذلك، يتضح أن المخرج لا يكمن في استبدال أيديولوجيا بأخرى، ولا في الدوران في هذه الحلقة المفرغة بين الشعار الديني والشعار الديمقراطي العماني طالما أن “المشهد هو هو”، بل يتطلب تحولاً بنيوياً شاملاً ينقل مفهوم الاجتماع السياسي من الشفاهيات الأيديولوجية والاستعلاء الضمني إلى أفق الدولة المواطنية القائمة على سيادة القانون، والاعتراف التام بالآخر بوصفه شريكاً أصيلاً ومساوياً بقطع النظر عن انتماءاته الإثنية أو عقائده الدينية.

