الاستثمار لا تصنعه الدعوات… بل دولة تحمي المستثمر من الابتزاز والنفوذ
دولة رئيس مجلس الوزراء السيد علي فالح الزيدي المحترم،
تحية طيبة…
تابعت باهتمام حديثكم أمام رجال الأعمال وممثلي الشركات الألمانية الكبرى خلال ملتقى حوار الأعمال الألماني–العراقي الذي انعقد في برلين تحت عنوان «جسور اقتصادية لمستقبل مشترك»، ودعوتكم الشركات الألمانية إلى الاستثمار في العراق، وتأكيدكم استعداد الحكومة لتوفير البيئة الاستثمارية المناسبة وتذليل العقبات أمام المستثمرين.
ولا خلاف على أن العراق يحتاج إلى ألمانيا، كما تحتاج عملية إعادة بناء الاقتصاد العراقي إلى التكنولوجيا والخبرة ورأس المال والمعرفة الصناعية التي تمتلكها الشركات الألمانية والأوروبية.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق دعوة المستثمر الألماني إلى بغداد هو:
هل البيئة الاستثمارية العراقية، بصورتها الحالية، مهيأة فعلاً لاستقبال استثمارات ألمانية وأوروبية طويلة الأمد؟
ومن خلال معرفتي بالشأن العراقي وتجربتي المهنية والقانونية، أعتقد أن الإجابة الصريحة هي: ليس بالقدر الكافي حتى الآن.
المشكلة ليست في غياب الفرص الاستثمارية. العراق يمتلك فرصاً هائلة في الطاقة والصناعة والزراعة والإسكان والسياحة والنقل والبنية التحتية والتكنولوجيا والصناعات البتروكيمياوية والدوائية.
المشكلة الحقيقية تكمن في البيئة التي يجب أن يعمل فيها المستثمر.
دولة الرئيس… المستثمر يحتاج إلى دولة قبل أن يحتاج إلى فرصة استثمارية
الشركة الألمانية لا تتخذ قراراً باستثمار عشرات أو مئات الملايين من اليوروهات لمجرد وجود فرصة اقتصادية مربحة.
قبل أن تدخل السوق تسأل:
من يحميني إذا تعرض مشروعي للابتزاز؟
هل العقد الذي أوقعه اليوم سيبقى محترماً غداً؟
هل تستطيع جهة سياسية أو إدارية نافذة تعطيل مشروعي؟
هل القضاء قادر على حمايتي واسترداد حقوقي ضمن وقت معقول؟
هل سأحصل على الإجازة الاستثمارية والأرض والتراخيص والموافقات وفق القانون، أم سأحتاج إلى وسطاء وأصحاب نفوذ؟
وهل سأستطيع العمل من دون أن يظهر من يطالب بحصة في المشروع أو عمولة أو منفعة مقابل السماح للمشروع بالاستمرار؟
هذه الأسئلة قد تكون أهم بالنسبة للمستثمر الألماني من الإعفاءات الضريبية نفسها.
فالمستثمر يستطيع احتساب الضرائب وكلفة الكهرباء والأجور والنقل ضمن دراسة الجدوى، لكنه لا يستطيع أن يضع في ميزانيته بنداً اسمه «كلفة النفوذ السياسي والابتزاز غير القانوني».
المشكلة التي يجب الاعتراف بها
دولة الرئيس،
هناك شكاوى متكررة منذ سنوات بشأن الفساد والبيروقراطية وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية في قطاعات من الدولة العراقية.
والأخطر من الفساد الإداري التقليدي هو أن يشعر المستثمر بأن الوصول إلى بعض الفرص أو حماية بعض المشاريع قد يتطلب المرور عبر شبكات من الوسطاء وأصحاب النفوذ السياسي أو الإداري.
وحين تتحول العلاقة بين رأس المال والسلطة من علاقة ينظمها القانون إلى علاقة تحكمها الوساطة والنفوذ، فإن المنافسة الاقتصادية تتشوه.
وفي مثل هذه البيئة لا تكون المنافسة بين أفضل مشروع وأسوأ مشروع، وإنما قد تصبح بين من يمتلك التكنولوجيا ورأس المال والخبرة، وبين من يمتلك الوصول إلى مراكز القرار.
وهنا يخسر المستثمر الحقيقي، ويخسر معه العراق.
كما أن أي شبهات بشأن استخدام شركات أو وسطاء لاستثمار أموال ذات مصادر غير مشروعة أو للحصول على فرص استثمارية بوسائل غير تنافسية تستوجب تحقيقاً مؤسسياً وقضائياً جدياً، لا تعميماً أو اتهاماً بلا دليل.
تجربة ألمانية ما زالت في ذاكرتي
وأسمح لنفسي، دولة الرئيس، أن أضع أمامكم تجربة عايشت جزءاً منها شخصياً أثناء عملي سابقاً في القسم القانوني بالسفارة العراقية في برلين.
كان هناك مستثمر ألماني دخل العراق واستثمر ملايين الدولارات في مشروع كان يفترض أن يكون نموذجاً للتعاون الاقتصادي العراقي–الألماني.
وبحسب ما عرضه ممثلو الشركة علينا آنذاك، تعرض المشروع لإجراءات ووقائع قالوا إنها تضمنت تلاعباً وتزويراً في مستندات وتدخلاً من جهات عراقية ذات نفوذ، وانتهى الأمر بخسارة المستثمر أموالاً كبيرة.
وقد راجعني ممثل الشركة الألمانية عدة مرات.
ومن جانبنا، وجهنا كتباً ومخاطبات إلى جهات عراقية ذات علاقة سعياً للوصول إلى حل ومعرفة حقيقة ما جرى.
لكن القضية، بحسب ما عايشته آنذاك، لم تجد الاستجابة التي كان المستثمر ينتظرها.
أنا أذكر هذه الواقعة ليس لتوجيه اتهام إلى شخص أو جهة بعينها، وإنما لأنها تكشف مشكلة أكبر:
ماذا ستكون صورة العراق في ذهن رجل أعمال ألماني يخسر ملايين الدولارات ثم يشعر أن المؤسسات لا تستطيع إنصافه؟
إن مستثمراً واحداً يعود إلى ألمانيا بتجربة سيئة قد يكون تأثيره في مجتمع الأعمال الألماني أكبر من عشرات المؤتمرات والوفود والخطب الرسمية.
المستثمر الألماني مختلف
الشركات الألمانية الكبرى تعمل ضمن منظومة قانونية ورقابية صارمة.
إدارات هذه الشركات لا تستطيع ببساطة دفع عمولات غير مشروعة أو إدخال شريك سياسي صوري أو منح نسبة من المشروع لشخص مقابل النفوذ.
ولهذا فإن البيئة التي يستطيع بعض المستثمرين المحليين أو الإقليميين التكيف معها قد تكون بيئة يستحيل على شركة ألمانية محترمة أن تعمل داخلها.
ومن هنا فإن دعوة الشركات الألمانية إلى العراق يجب أن يسبقها مشروع حكومي حقيقي عنوانه:
حماية المستثمر من النفوذ السياسي والإداري قبل منحه الإعفاءات الاستثمارية.
ماذا نحتاج من حكومتكم؟
دولة الرئيس،
إذا كانت الحكومة جادة في تحويل زيارتكم إلى برلين من زيارة دبلوماسية ناجحة إلى بداية شراكة اقتصادية استراتيجية، فإن العراق يحتاج إلى إجراءات عملية يمكن للمستثمر الألماني قياسها، وليس إلى ضمانات لفظية فقط.
يحتاج العراق إلى نافذة اتحادية مستقلة للاستثمارات الألمانية والأوروبية الكبرى ترتبط بأعلى مستوى تنفيذي، بحيث لا يضطر المستثمر إلى الدوران بين عشرات المؤسسات والمحافظات والوزارات.
ويحتاج إلى آلية سرية وآمنة يستطيع المستثمر من خلالها الإبلاغ مباشرة عن أي مسؤول أو وسيط أو جهة تطلب منه مالاً أو نسبة في المشروع أو شراكة أو منفعة مقابل إصدار موافقة أو توفير حماية أو عدم تعطيل المشروع.
كما يحتاج إلى شفافية كاملة في تخصيص الأراضي والإجازات الاستثمارية والعقود الحكومية، وإلى إعلان المستفيد الحقيقي من الشركات التي تدخل في المشاريع الكبرى.
والأهم هو أن يعرف المستثمر أن المسؤول، مهما كان منصبه أو انتماؤه، سيخضع للتحقيق إذا حاول ابتزازه.
أقترح عليكم خطوة مختلفة
بدلاً من الاكتفاء بدعوة المستثمرين الألمان إلى العراق، أدعوكم إلى تشكيل مجلس عراقي–ألماني لحماية وتشجيع الاستثمار، تشارك فيه الحكومة العراقية وممثلون عن مجتمع الأعمال الألماني والجهات الاقتصادية المختصة، وتكون إحدى مهماته استقبال مشكلات الشركات الألمانية ومتابعتها بصورة مباشرة.
وأقترح كذلك فتح ملفات الاستثمارات الألمانية السابقة التي تعثرت في العراق خلال السنوات الماضية، ودراسة أسباب فشلها حالةً بحالة.
اسألوا الشركات التي غادرت العراق:
لماذا غادرتم؟
واسألوا الشركات التي امتنعت عن الاستثمار:
ما الذي يمنعكم من الدخول؟
قد تكون الإجابات أكثر فائدة لصناعة سياسة استثمارية ناجحة من عشرات الدراسات النظرية.
دولة الرئيس…
العراق لا تنقصه الفرص.
ولا تنقصه الأموال.
ولا تنقصه الموارد الطبيعية.
ولا الموقع الجغرافي.
ما يحتاجه المستثمر قبل كل ذلك هو الثقة.
والثقة لا يصنعها قانون جميل مكتوب على الورق إذا كان المستثمر يخشى عند التطبيق من النفوذ والفساد والابتزاز.
الثقة تنشأ عندما يعلم المستثمر الألماني أنه يستطيع أن يدخل العراق برأسماله وتكنولوجيته فقط، من دون أن يحتاج إلى مظلة سياسية أو وسيط نافذ أو شريك مفروض عليه.
وتنشأ عندما يعرف أن عقده تحميه الدولة، وأن قاضيه مستقل، وأن الموظف الذي يبتزه سيحاسب، وأن المشروع الناجح لن يتحول إلى غنيمة يتقاسمها أصحاب النفوذ.
عندها، دولة الرئيس، لن تكونوا بحاجة إلى إقناع الشركات الألمانية كثيراً بالقدوم إلى العراق.
رأس المال سيأتي عندما يثق بأن القانون يسبقه إلى العراق ويحميه بعد وصوله.
إن بناء الجسور الاقتصادية بين بغداد وبرلين، وهو العنوان الجميل الذي حمله ملتقاكم، يحتاج أولاً إلى بناء جسر أكثر أهمية:
جسر الثقة بين المستثمر والدولة العراقية.
وإذا نجحت حكومتكم في بناء هذا الجسر، فإن الشركات الألمانية والأوروبية لن ترى في العراق سوقاً لبيع منتجاتها فقط، وإنما بلداً يمكن أن تبني فيه مصانعها، وتنقل إليه التكنولوجيا، وتخلق فيه آلاف فرص العمل، وتصبح شريكاً حقيقياً في تنميته.
أما إذا بقي المستثمر معرضاً لخطر النفوذ والابتزاز والفساد، فإن أجمل الفرص الاستثمارية ستبقى على الورق، وستبقى المؤتمرات تعلن عن مليارات الدولارات بينما يتردد رأس المال الحقيقي في الوصول.
دولة الرئيس،
دعوتكم للشركات الألمانية خطوة مهمة.
لكن الخطوة الأهم الآن هي:
اجعلوا العراق مكاناً تستطيع فيه الشركة الألمانية أن تستثمر من دون أن تبحث أولاً عمّن يحميها من داخل الدولة أو خارجها.
عندها فقط يمكن أن تتحول عبارة «جسور اقتصادية لمستقبل مشترك» من شعار مؤتمر في برلين إلى واقع اقتصادي في بغداد والبصرة والموصل وأربيل، ومن الفاو إلى زاخو.
مع التقدير والاحترام،
د. سعيد بير مراد
دبلوماسي عراقي سابق
باحث في القانون الدولي

