أزمة الهوية الإيزيدية: بين شتات الخيام، صدمة المهجر، وصعود اليمين
تتجسد الأزمة العميقة التي يخوضها المجتمع الإيزيدي اليوم في ذلك الشرخ العميق بين مرارة الشتات الداخلي وضغوط المغترب الإجباري، ليشكل تحولاً اجتماعياً ونفسياً هو الأكثر قسوة في تاريخه المعاصر. ففي أرض الوطن، وتحت أغطية الخيام المهلهلة التي تجردت من أسباب الحماية، يرزح الجيل الجديد تحت وطأة واقع سياسي واقتصادي مأزوم؛ يرافقه على الصعيد الداخلي انسداد شامل للأفق، في ظل غياب أي رؤية لدى القيادات، وغياب المبادرات الإصلاحية والتنظيمية، ليمضي الوضع الميداني والمجتمعي من سيئ إلى أسوأ. وفي خضم هذا الانسداد، جاءت الطفرة الرقمية العارمة ووسائل التواصل الاجتماعي لتفتح نوافذ كاشفة على عوالم شتى؛ حيث يرى الشباب والفتيات القابعون في المخيمات صوراً لأقرانهم في المهجر وهم يستمتعون باستقلالية ورفاهية ومساحات واسعة من الحرية. إن هذه المقارنة اليومية القاسية بين بؤس الواقع وسراب الضفة الأخرى لا تمضي دون أثر، بل تولّد احتقاناً ونفوراً حاداً من الوضع القائم، مما يدفع الكثيرين—ولاسيما الفتيات اللاتي يقع عليهن الثقل الأكبر من القيود والمأساة—إلى الانجراف نحو ردود أفعال دراماتيكية غير محسوبة، كنوع من الاحتجاج الصارخ والتمرد على واقع لم يعد يتسع لآمالهم.
وعلى الجانب الآخر، لا تبدو تجربة المهجر أقل تعقيداً وإن اختلفت أدواتها وسياقاتها؛ إذ اصطدمت الحرية المطلقة والمنظومة القانونية الحامية للأفراد ببنية أسرية محمّلة بتراكمات نفسية وتجارب كبت طويلة. إن تلاشي أدوات الضغط التقليدية وتراجع الفوارق السلطوية القائمة على النوع الاجتماعي قد يؤديان إلى انفجار متأخر لتلك التراكمات، لتتحول الحرية من مسار للبناء الذاتي إلى صدمة تخل بأطر التربية المستقرة. وفي هذا التباين الشديد بين قيم المنشأ ومتطلبات بيئة المغترب، تغدو الأساليب القسرية غير ذات جدوى، بل قد تسهم في تعميق التفكك الأسري. وهنا تتبدى المسؤولية الكبرى المناطة برب الأسرة، الذي يجد نفسه في مواجهة اختبار معقد يتطلب موازنة حكيمة بين صون الجذور واستيعاب المنظومة الجديدة. إن تجاوز هذه المرحلة المفصلية يستوجب نضجاً استثنائياً يُستبدل فيه منطق الفرض بالاحتواء والحوار، لتغدو الأسرة هي الملاذ الآمن والدرع الواقي للأبناء في مواجهة أزمة الهوية وضياع الذات.
وبين مرارة الواقع في الداخل والتحديات التربوية في الخارج، يبرز خطرٌ إضافي يحيط بالمغتربين؛ حيث يمتد نفوذ اليمين المتطرف في دول اللجوء ليعصف بالأخضر واليابس، مستهدفاً المهاجرين بناءً على الاختلاف في لون البشرة والعينين والشعر، والتباين في الثقافة المتوارثة، مما يضاعف من حالة العزلة والضغط النفسي الواقع على هذا المجتمع المجهد أساساً.

