Homeمقالاتتوحيد البيشمركة.. التأثير الموضوعي وليس الذاتي...!: جهور سليمان

توحيد البيشمركة.. التأثير الموضوعي وليس الذاتي…!: جهور سليمان

لا يُمكن لأي منصف إلا أن يُبارك ويشيد بقرار خطوة توحيد قوات البيشمركة ودمج قوات السبعين والثمانين تحت مظلة وزارة رسمية واحدة؛ فهي بلا شك خطوة بالغة الأهمية، ومستحقّة، وتصب في مصلحة حماية كيان الإقليم واستقراره المستقبلي. غير أن المأساة الحقيقية ألا تأتي هذه الخطوة التاريخية إلا متأخرة عقوداً من الزمن، وبعد أن أُهدرت سنوات طويلة في الانقسام!
إننا في هذه الرقعة من الجغرافيا أتقنّا فنّاً فريداً: بناء الأوطان بكتالوجات تشغيل تُكتب في الخارج، ولا نفتح غلافها إلا حين يهددنا المورّد بقطع غيار الوجود. أخيرًا، وبعد طول انتظار يُقاس بالقرون السياسية، اكتشف القادة العظام أن وجود جيشين برأسين، وعلمين مستترين، وعقيدتين مسلحتين تتبادلان الريبة عند كل خط تماس، ليس الاستراتيجية المثلى لبناء كيان ذي سيادة! يا لها من صحوة متأخرة، ويا لها من عبقرية مجردة أن نكتشف في أواخر الزمان أن الجسد الواحد لا يستقيم بقدمين تسيران في اتجاهين متعاكسين.
لقد أثبتت التجربة الممتدة منذ تسعينيات القرن الماضي أن “الإرادة الذاتية” لدينا مجرد أسطورة إغريقية نسمع بها ولا نراها؛ شيء نلتقط معه الصور التذكارية في المؤتمرات الصحفية، ثم نلقي به في أقرب سلة مهملات فور إغلاق الكاميرات. ينظر الحزبان إلى بعضهما بعضاً لا كشريكين في مصير واحد، بل كخصمين يتقاسمان الغنيمة في استراحة محارب طويلة؛ إذ يتربص كل طرف بالآخر، ويحسب خطواته بميزان الذهب، خاشياً أن يبادر بالخير لئلا يُفسَّر ذلك ضعفاً. وهكذا، أصبحت الحكمة السياسية المعتمدة هي ألا نتحرك خطوة واحدة إلى الأمام، إلا إذا جاء الغريب يحمل عصاه ليحثنا على السير.
إذا استحضرنا شريط التاريخ، نجد أن هذا الشقاق لم يتوقف إلا عندما قررت مادلين أولبرايت في أواخر التسعينيات جمع القادة في واشنطن وتلقينهم قواعد السلوك القويم، ولم تُكتب “الاتفاقية الاستراتيجية” الشهيرة لاحقاً إلا لتكون ورقة تهدئة تحولت سريعاً إلى حبر على ورق، يُقرأ في المآتم السياسية ولا يُطبّق في ميدان الواقع. لنصل اليوم إلى ذروة المأساة الساخرة: يُعاد توحيد قوات السبعين والثمانين تحت مظلة واحدة، لا لأن العقل السياسي وصل فجأة إلى القناعة الوطنية والرشد المؤسساتي، بل لأن العم سام نفد صبره، ولوّح بقطع الدعم المالي والعسكري وتفكيك منظومة الحماية إذا استمر هذا العبث.
إنها لكوميديا سوداء أن تُقاد الأمة نحو خيارها المصيري وهي ترتعد خوفاً من عقوبات الحليف، لا إيماناً بحق المواطن. نتوحد لأن الخارج يضغط، ونبتسم للعدسات لأن الإدارة الأمريكية تريد هذه الصورة، وكأننا أطفال في مدرسة ابتدائية لا يتصافحون إلا حين يمسك المعلم بأيديهم ويجبرهم على الصلح. وهنا يبرز السؤال الأكثر مرارة: إلى متى سنظل رهائن لهذا العجز الذاتي؟ ومتى يدرك السياسيون أن التاريخ لا ينتظر المنقسمين، وأن بغداد والإقليم والجوار يقرؤون جميعاً هذا الضعف المغلّف بالكبرياء الحزبي الضيق؟
إن لم ينبع التوحيد من إيمان راسخ بضرورة قبول الآخر وإسقاط عقيدة “اللعبة الصفرية”، ستظل هذه الخطوة المباركة مجرد إعادة ديكور لهيكل آيل للانهيار، وسيظل السلاح حزبيًا في القلوب، حتى لو ارتدى زياً موحداً أمام كاميرات التحالف الدولي.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular