Homeمقالاتكوردستان والانسحاب الامريكي: صدمة الواقع ومرارة الاوهام : جهور سليمان

كوردستان والانسحاب الامريكي: صدمة الواقع ومرارة الاوهام : جهور سليمان

إن إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في العراق يضع إقليم كوردستان أمام مرآة الواقع دون أقنعة أو تبريرات؛ فلم يكن هذا الانسحاب حدثاً مفاجئاً، بل مساراً محتوماً رسمته التحولات السياسية في واشنطن وإعادة ترتيب الأولويات الدولية. غير أن خطورة المشهد اليوم تكشف عن فجوة عميقة تركها الارتهان المفرط للحماية الخارجية، حيث تجد التجربة الكوردية نفسها أمام اختبار وجودي حرج في بيئة إقليمية شديدة التلاطم. لقد كان حرياً بالقيادات السياسية في الإقليم أن تضع نصب أعينها منذ سنوات طويلة احتمال حلول هذا اليوم، مدركةً أن الحليف الأجنبي يحكمه منطق المصالح المتغيرة لا الالتزامات الأخلاقية أو العاطفية الدائمة، وهو الدرس البليغ الذي قدمته تجربة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال وشرق سوريا، حين وجد الكورد هناك أنفسهم مراراً وجهةً لوجه أمام الانكشاف الأمني والتفاهمات بين القوى الكبرى بعيداً عن حجم التضحيات الميدانية المُقدمة.

إن الاعتماد الحقيقي كان يجب أن يُبنى على الذات وتمتين الجبهة الداخلية؛ بدءاً من بناء مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة وعابرة للحزبية الضيقة، وصولاً إلى إقامة دولة المؤسسات والقانون. لقد كان يفترض بالإقليم تشكيل هيئات منظمة وخاضعة لرقابة صارمة لمكافحة الفساد، وربطها بشراكات وثيقة مع المنظمات الهيكلية الدولية لتعزيز الشفافية والحوكمة، بالتوازي مع الاستثمار الأمثل للموارد الطبيعية الهائلة في إعمار المدن، وتوفير الخدمات الأساسية، وتصفية الخلافات الحزبية بروح المسؤولية الوطنية. كما كان يتوجب تبني سياسة اقتصادية متينة قائمة على نموذج هجين يوازن بين الرعاية الاجتماعية الملتزمة والحرية الاقتصادية، بما يحفز القطاع الخاص ويستوعب جيشاً من الشباب وخريجي الجامعات الذين يرزحون تحت وطأة البطالة. وعلى الصعيد السياسي، كان ينبغي الانطلاق نحو صياغة حلول واقعية ومستدامة مع الحكومة الاتحادية في بغداد تسندها الأطر الدستورية والمصالح المشتركة، بدلاً من الارتهان لسياسة الأزمات المتكررة وترحيل المشاكل.

وتتجلى الأزمة الأعمق اليوم في الواقع النفسي والفكري الذي صنعته الأحزاب الحاكمة على مدى عقود؛ إذ غسلت أذهان الشارع الكوردستاني—ولا سيما فئات الشباب لجيلين متعاقبين—بتصورات وأحلام تُصوّر الإقليم ككيان مستقل تماماً عن العراق وكأنه دولة قائمة بذاتها. هذا الشحن الوجداني خلّف لدى أجيال كاملة نفوراً تاماً من فكرة الانتماء الوطني العراقي، لتأتي اللحظة الراهنة محملة بصدمة سياسية ونفسية عنيفة مع اضطرار الإقليم إلى العودة للتكامل والتفاهم مع بغداد. إن الشارع الكوردي بات يشعر بالاشمئزاز وفقدان الثقة المطلق تجاه أحزاب غلّفت فشلها الإداري والاقتصادي بوعود الانفصال، ثم تنكفئ اليوم لتطالب الجماهير بالعودة إلى الحضن الوطني. إن الدروس القاسية في التاريخ الكوردي تؤكد حقيقة واحدة: المظلات الخارجية مهما بلغت قوتها تبقى مؤقتة، والضمانة الوحيدة لأي كيان إنما تنبع من صلابته الداخلية، ومؤسساته العادلة، واقتصاده الحيوي، وحكمة قيادته في مصارحة شعبها وبناء واقعها بالاعتماد على الذات لا على أوهام الحماية الأجنبية.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular