في عالم السياسة المكتض هنالك قرارات لا تموت حين تصدر بل تبدأ حياتها الحقيقية بعد صدورها ، حين تتسلل من الأوراق إلى حياة البشر ، ومن غرف السلطة إلى الأماكن التي لا يعرف أهلها شيئا عن لغة الموازنات ولا عن صراع المؤسسات ، وفي واشنطن لم يكن الرقم هذه المرة مجرد رقم ، حيث ان ” 810 ملايين دولار ” أصبحت عنوانا لمعركة أوسع من المال ذاته بعدما تحركت إدارة ” دونالد ترامب ” لإلغاء أموال سبق أن أقرها الكونغرس وكان من بينها ” 567 مليون دولار ” لبرامج مرتبطة باللاجئين وطالبي اللجوء وغير المواطنين ، ويأتي ذلك في الأيام الأخيرة من السنة المالية الأمريكية عبر آلية تعرف باسم ” الإلغاء المالي الرئاسي ” النادر الاستخدام ، بينما يرى منتقدو الخطوة أنها تثير سؤالا دستوريا حول حدود سلطة الرئيس أمام سلطة الكونغرس على الإنفاق
الا أن خلف هذا الرقم يقف سؤال أكثر قسوة مما هو معلن ، وهو : متى يتحول المال من وسيلة لإدارة الدولة إلى وسيلة لإعادة تعريف من يستحق أن يكون داخلها؟ ، فاللاجئ في نهاية المطاف لا يرى الموازنة ولا يعرف كيف تتصارع المؤسسات حول بند مالي ، هو يرى بابا قد يفتح أو يغلق وطريقا قد يقوده إلى الأمان أو يعيده إلى المجهول ، ومن هنا تصبح السياسة أكثر تعقيدا من خطابها ، فالحدود ليست دائما أسلاكا وحواجز وجنودا بل أحيانا تكون الحدود رقما في ميزانية أو منحة تتوقف أو مركزا يغلق أبوابه أو مؤسسة لم يعد بإمكانها تقديم يد المساعدة ، ومن هذه الزاوية يبدو القرار وكأنه يعيد رسم الحدود الأمريكية بطريقة أخرى ، حدود لا تُرى على الخريطة لكنها تظهر في حياة الذين ينتظرون الاعتراف بهم كأشخاص قبل أن يكونوا ملفات هجرة
ان الإدارة الأمريكية تقدم القرار باعتباره جزءا من سياسة تهدف إلى خفض الإنفاق الذي تعتبره غير ضروري وتربطه بتراجع أعداد العابرين إلى الحدود ، أما معارضو الإجراء فيرونه مسألة تتجاوز الهجرة ذاتها لأنها تمس العلاقة بين ” البيت الأبيض والكونغرس ” ومن يملك الكلمة الأخيرة عندما يتعلق الأمر بالمال الذي خصصه القانون ، وهنا تحديدا يقف القانون أمام السياسة وقوف شخص أمام مرآة ، حيث أن كل سلطة تبحث بطبيعتها عن المساحة التي تستطيع أن تتحرك فيها وكل مؤسسة تحاول أن تحرس حدود اختصاصها ، لكن الديمقراطية لا تختبر قوتها حين تتفق المؤسسات بل حين تختلف ، وحين يصبح السؤال : من يملك الحق في أن يفعل؟
فالطالما كان المال دائما لغة صامتة للسلطة ، ومن يملك توزيعه يستطيع أن يغير اتجاه المؤسسات ، ومن يستطيع حجبه يستطيع أن يغير مصائر البرامج والأشخاص ، ومن يستطيع تحويله من يد إلى أخرى يستطيع أحيانا أن يعيد تشكيل السياسة دون أن يصدر قانونا جديدا ، ولذلك فإن المعركة حول ال ” 810 ملايين دولار ” ليست في جوهرها معركة بين رقمين وإنما بين مفهومين للسلطة ، مفهوم يرى أن الرئيس المنتخب يجب أن يمتلك مساحة واسعة لإعادة توجيه الإنفاق بما يتوافق مع سياساته ، ومفهوم آخر يرى أن المال الذي خصصه المشرعون بقانون لا يمكن أن يصبح رهينة لتفسير السلطة التنفيذية ، لأن سلطة الإنفاق نفسها جزء من التوازن الذي يمنع مؤسسة واحدة من امتلاك مفاتيح الدولة كلها
وبين هذين المفهومين يبقى الإنسان الغائب الأكبر عن الطاولة ، فالذين يناقشون الأرقام يجلسون في غرف مكيفة ، بينما الذين يتأثرون يكونون في غرف انتظار يحملون أوراقا مترجمة أو أطفالا لا يفهمون لماذا أصبح مستقبلهم معلقا بجملة في قرار مالي ، ولهذا تبدو صورة ” اللاجئون مرحب بهم ” أكثر عمقا من مجرد لافتة احتجاجية ، إنها تقف في الجهة الأخرى من لغة الميزانية ، حيث هناك من يقول : هذه أموال يجب أن تتوقف ، وهناك من يقول : خلف هذه الأموال بشر ، وبين الجملتين تتسع المسافة التي تقف فيها السياسة الأمريكية اليوم
فالمسألة في النهاية ليست هل يستطيع المال أن يغير حياة الإنسان ، فهذا أمر يعرفه التاريخ منذ أن عرف الإنسان معنى السلطة ، المسألة هي : هل تستطيع دولة أن تعيد رسم مفهوم الرحمة بالقلم نفسه الذي ترسم به موازنتها؟ ، لأن أخطر الحدود ليست تلك التي تمنع الجسد من العبور بل تلك التي تجعل الإنسان يشعر أن قيمته يمكن أن تنخفض أو ترتفع وفقا لخانة في جدول مالي ، وعندما يصبح التمويل أداة لتحديد من يبقى ومن يرحل، فإن السؤال لم يعد عن المال وحده بل عن الوجه الذي تريد الدولة أن تراه حين تنظر إلى المرآة .


