دراسة في البنية والدلالة في قصيدة «في الليلوالكتاب» لعبد الستار نور علي
مقدمة
يحوّل عبد الستار نور علي في قصيدة «في الليلوالكتاب» سؤالًا معرفيًا عن العلاقة بين القراءة واليقينإلى أحداث وصور: كتاب ينادي، وفصول تتوالى،ومصباح يمنح مفاتيح، ورأس يسكب ماء العين فيكؤوس الكلمات. وتتيح هذه الحركة قراءة القصيدةبوصفها تأملًا في أثر المعرفة على الذات، وفي نشأةالكتابة من المعارف التي تختزنها الذات خلال القراءة. فالفكرة التي يمكن عرضها في مقالة بصيغة استدلاليةتتشكل هنا بالتشخيص والاستعارة والتناص، وتظلدلالتها مرتبطة بما تقوله الصور وما تتركه مفتوحًاللتأويل.
تندرج القصيدة في منحى تأملي يجعل المشهد والصورةمجالًا للتفكير في المعرفة. وتعتمد هذه الدراسة قراءةنصية دلالية تتتبع تعاقب الأفعال والصور، وتستعينبالتحليل البلاغي والتناص لبيان وظيفة الإشاراتالثقافية في سياقها الشعري. كما تقف عند حدود مايسنده النص، فتميّز بين دلالة العبارة وما يتيحه تأويلها. وتنطلق من فرضية أن تعذّر العثور على «فصل الخطاب»لا ينتهي بالذات إلى العجز عن القول، بل يفتح طريقًاتتشكل فيه الكتابة من أثر القراءة والحيرة والانفعال
نص القصيدة (1)
في الليلِ
ناداني الكتابُ
وفتَّحَ الأبواب، قالَ:
«هيتَ لكْ»!
أسرعْتُ..
ملهوفاً إليهِ،
دخلْتُ فصلاً….
بعدَ فصلٍ….
بعدَ فصلٍ….
بعد…..
لم أجدْ..
«فصلَ الخطابِ»؛
حتى أضعْتُ
وفي غيابي
بينَ طيَّاتِ الحسابِ
رقمَ السُّؤالِ،
رقم الجوابِ،
لكنَّ «مصباحَ ديوجينوسَ»
أهداني القرارَ،
وسلَّمَ
عنْ طيبِ خاطرِهِ
مفاتيحَ الجوابِ،
فنمْتُ….
والأبوابُ مُشرعَةٌ،
وفي أيدي الليالي..
كانَ رأسي (جَرَّةً)،
تسكبُ ماءَ العينِ
في كؤوسِ جُلَّاسي:
منَ الأقلامِ
والأوراقِ
والكلماتِ
عشّاقِ الشَّرابِ….
أولًا: العنوان وعتبة الدخول إلى التجربة
يجمع عنوان «في الليل والكتاب» بين زمن القراءةوموضوعها، لكنه لا يكتفي بتعيينهما. فحرف الجر «في»يربط الليل بالكتاب في علاقة احتواء: توجد الذات فيزمن الليل، وتدخل مجازًا في عالم الكتاب. ويسند النصهذا الانتقال المكاني حين يقول الشاعر: «دخلت فصلاً»،فيغدو الفصل حيزًا يُعبر، لا مجرد وحدة من وحداتالتأليف.
ويتوزع طرفا العنوان في المطلع على وظيفتين واضحتين: الليل ظرف اللقاء، والكتاب فاعل النداء. ثم تتبدل دلالتهمامع تقدم القصيدة؛ فالكتاب يفتح أبوابه لكنه لا يمنحالذات «فصل الخطاب»، والليل لا يظل إطارًا ساكنًا، بليعود في صورة «الليالي» ذات الأيدي. ويشير الانتقالمن المفرد إلى الجمع إلى امتداد التجربة وآثارها، فيمايهيئ اقتران الليل بمصباح ديوجينوس توترًا بين الحيرةوإمكان الاهتداء.
وهكذا لا يقوم العنوان على مقابلة جاهزة بين ظلام الليلونور الكتاب. إنه يضع الذات عند ملتقى زمن التأملوعالم المقروء، ثم تتيح القصيدة تتبع ما يحدث لها بينالدخول إلى الفصول وتحول أثر القراءة إلى مادة للكتابة. ويغدو العنوان، بهذا المعنى، عتبة لحركة النص لا خلاصةمسبقة لنتيجتها.
ثانيًا: تشخيص الكتاب وفتنة الدعوة
تتجسد العلاقة التي يقترحها العنوان منذ المطلع؛ إذيحتضن الليل اللقاء بين الذات والكتاب، بينما يتقدمالكتاب بوصفه الطرف المبادر إلى إنشائه:
«في الليلِ
ناداني الكتابُ
وفتَّحَ الأبواب، قالَ:
“هيتَ لكْ“!»
يتقدم الكتاب في هذا المشهد بوصفه فاعلًا؛ فهو الذيينادي ويفتح ويتكلم، بينما تظهر الذات أولًا في موقعالمتلقي. ويؤدي التشخيص هنا وظيفة تتجاوز الزينةالبلاغية، إذ يعيد توزيع المبادرة بين القارئ والمقروء: ليست الذات وحدها من يختار الكتاب، بل يبدو الكتابكأنه يختار قارئه ويستدعيه إلى عالمه. وهكذا تتحولالقراءة من فعل تمارسه الذات على موضوع صامت إلىعلاقة تفاعلية يكون فيها للمقروء حضور مؤثر.
وتنسجم صيغة «فتَّح» مع جمع «الأبواب»، بما توحي بهمن تعدد المداخل واتساع حركة الفتح. وتحوّل هذهالصورة الكتاب إلى فضاء قابل للدخول والاستكشاف،ممهدةً لقول الشاعر لاحقًا: «دخلت فصلاً». غير أن تعددالأبواب لا يثبت بمفرده موقفًا فلسفيًا من الحقيقة، وإنمايكتسب دلالته من مسار القصيدة، حيث تتكاثر الفصولويصعب الوصول إلى القول الحاسم.
ويبلغ تشخيص الكتاب ذروته حين يُمنح صوتًا يقول«هيت لك»؛ فتكتسب دعوته طاقة الانجذاب التي تكشفعنها استجابة الذات. أما تحول العبارة من سياقهاالقرآني إلى سياق القراءة فيُبحث في مبحث التناص.
وتأتي استجابة الذات متوافقة مع قوة النداء:
«أسرعْتُ..
ملهوفاً إليهِ،»
يجمع الفعل «أسرعت» والحال «ملهوفًا» بين الحركةوالانفعال، فتخرج القراءة من صورتها الإجرائية إلىتجربة يحكمها الشغف. ويؤسس هذا الاندفاع للتوترالذي ستطوره القصيدة بين الرغبة في بلوغ المعرفةوصعوبة الوصول إلى جواب حاسم؛ فما يبدأ بانفتاحالأبواب لا يفضي بالضرورة إلى وضوح الطريق، بل قديكون بدايةً لمغامرة تتداخل فيها لذة الاكتشاف بقلقالسؤال.
ثالثًا: من تتابع الفصول إلى أزمة السؤال والجواب
يتجسد الدخول إلى عالم الكتاب في قول الشاعر:
«دخلْتُ فصلاً….
بعدَ فصلٍ….
بعدَ فصلٍ….
بعد…..»
تحوّل الاستعارة المكانية الفصلَ من وحدة كتابية إلىحيز تعبره الذات. ويسهم تكرار «بعد فصل» في تمثيلتتابع القراءة وامتدادها، بينما يترك انقطاع العبارة عند«بعد» الحركة معلّقة من دون تعيين محطة تالية. وتشاركالوقفات والنقاط المتتابعة في تشكيل هذا الأثر؛ فهيتمنح التتابع زمنًا محسوسًا، وتتيح قراءة الانقطاعبوصفه علامة على الاستغراق أو الإنهاك أو استمرارالمسار خارج حدود العبارة.
ولا يقتضي هذا التكرار حركة دائرية بالضرورة؛ فالأقربأنه يصوّر تعاقبًا تتأخر نهايته. وتنشأ الأزمة حين لايفضي تراكم الفصول إلى ما تنتظره الذات:
«لم أجدْ..
“فصلَ الخطابِ“»
تنبني المفارقة على إعادة توظيف لفظ «الفصل»: فهو أولًاجزء من الكتاب، ثم يصبح في تركيب «فصل الخطاب»دالًا على التمييز والحسم. وبين الاستعمالين تتكشفالمسافة بين كثرة المقروء والقدرة على بلوغ قول يفصل فيالسؤال. ويمنح الصدى القرآني للعبارة هذا الطلب ثقلًاإضافيًا، من غير أن يحصرها في معنى واحد.
ومن المهم التمييز بين حدود التجربة ونتيجة فلسفية عامة؛فقول الذات «لم أجد» يثبت تعذّر العثور في رحلتها، ولايثبت بذاته استحالة الحقيقة أو انتفاء اليقين على نحومطلق. وتنبع قوة المقطع من إبقاء هذا التوتر مفتوحًا، لامن تحويله إلى تقرير نظري محسوم.
ثم يتعمق الاضطراب في قول الشاعر:
«حتى أضعْتُ
وفي غيابي
بينَ طيَّاتِ الحسابِ
رقمَ السُّؤالِ،
رقم الجوابِ،»
لا تعود المشكلة غياب الجواب وحده، بل فقدان العلاماتالتي تنظّم العلاقة بين السؤال والجواب. ويمكن فهم«الرقم» هنا بوصفه وسيلة للتعيين والترتيب، يصبحضياعها دليلًا على تعثر الاهتداء داخل المقروء. أما«طيّات الحساب» فتجمع بين صورة الانثناء والاحتجابوبين مجال يوحي بالضبط والتقدير؛ وبذلك ينشأ توتر بيننظام مفترض وتجربة لا تتمكن الذات من السيطرة عليها.
ولا يلزم من هذا التصوير أن تكون القصيدة إدانة للرقمأو للعقل الحسابي؛ فالأوضح نصيًا أنها تمثل أزمة الذاتفي متابعة مسارها. ويضاعف تعبير «في غيابي» هذهالأزمة، إذ يحتمل الاستغراق في القراءة بقدر ما يحتملانحسار الوعي بما يحيط بها. هكذا تنتقل اللهفة الأولىإلى تجربة تفقد فيها الذات وضوح الطريق، وربما وضوحالغاية التي انطلقت نحوها.
رابعًا: التناص الديني والفلسفي وإعادة توجيه الدلالة
تنتظم الإشارات الثقافية في القصيدة داخل شبكةتناصية تؤثر في حركة المعنى. فعبارة «هيت لك»تستدعي قول امرأة العزيز في قصة يوسف، حيث تردفي سياق تغليق الأبواب؛ أما في القصيدة فينطق بهاكتاب «فتّح الأبواب».(2) تستدعي العبارة نبرة الدعوةوالإغراء في مرجعها القرآني، ثم يعيد السياق الشعريتوجيهها نحو الانجذاب إلى الكتاب والقراءة. ويقلب النصصورة الأبواب المغلقة في الآية إلى أبواب يفتّحها الكتاب؛فتتغير وظيفة العبارة بتغير المتكلم والمخاطَب وفضاءالدعوة.
وتستدعي عبارة «فصل الخطاب» ورودَها في القرآن،في قوله: «وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَاب ».(3) ويمنحها تجاورها مع فصول الكتاب في القصيدةازدواجًا دلاليًا بين الجزء المقروء والقول الحاسم، كما بيّنتحليل حركة الفصول.
أما «مصباح ديوجينوس» فيحيل إلى الحكاية التيتروي إيقاد ديوجينوس قنديلًا في النهار بحثًا عن إنسان.(4) وتتحدد وظيفة هذه الإحالة في القصيدة حين يتدخلالمصباح في مسار الذات من الضياع إلى «القرار».
خامسًا: مصباح ديوجينوس وحدود الاستبصار
تدخل القصيدة منعطفها التالي بأداة الاستدراك:
«لكنَّ “مصباحَ ديوجينوسَ“
أهداني القرارَ،
وسلَّمَ
عنْ طيبِ خاطرِهِ
مفاتيحَ الجوابِ،»
تكتسب الحكاية، بعد انتقالها إلى ليل القصيدة، وظيفةجديدة: فالقنديل الذي ارتبط بالبحث عن الإنسان فيوضح النهار يغدو علامةً تساعد الذات على فحصحيرتها وطلب وجهة للسؤال. وهذا توجيه شعري للإحالة،لا تقرير عن فلسفة ديوجينوس بمجملها.
ولا تكمن فاعلية الإحالة في التعريف بشخصيةالفيلسوف، بل في إدخال نمط آخر من البحث إلىالتجربة. فبعد تعاقب الفصول واضطراب السؤالوالجواب، يظهر المصباح بوصفه وسيطًا يمنح الذات«القرار». وتحتمل الكلمة معنى الاستقرار والطمأنينة،كما تحتمل معنى الحسم واتخاذ الموقف، ويظل السياقمتسعًا لهذه الدلالات من دون ضرورة لاختزالها فيواحدة.
ويستمر التشخيص في الأفعال والصفات المسندة إلىالمصباح؛ فهو يهدي ويسلّم «عن طيب خاطره». وبذلكينتظم مع الكتاب داخل عالم تتبادل فيه الأشياء أدوارالمخاطبة والعطاء.
أما «مفاتيح الجواب» فتستعيد شبكة الأبواب التيتأسست في المطلع. والمفتاح ليس مطابقًا لما يفتحه؛ لذلكتتيح الصورة التمييز بين امتلاك جواب مصوغ وامتلاكوسيلة للوصول إليه. لكنها لا تلغي دلالة الانفراج التييحملها المقطع؛ فالذات تنال ما يعينها على التعامل معالسؤال، من غير أن يكشف النص عن مضمون جوابنهائي.
ومن الناحية البنائية يأتي المصباح في موضع التحول: تسبق ظهوره فصول متوالية وضياع علامتَي السؤالوالجواب، وتليه «مفاتيح الجواب» والنوم ثم فيض الصورةالختامية. لذلك يتجاوز دوره الإحالة الفلسفية إلى وصلتجربة القراءة المتعثرة بإمكان التعبير عنها. ويمكن فهم«القرار» بوصفه استعادة اتجاه أو قدرة على اتخاذموقف، لكن القصيدة لا تحدد مضمون هذا القرار، ولاتثبت أن الذات امتلكت جوابًا نهائيًا أو أعادت تنظيمأسئلتها بصورة مكتملة.
سادسًا: النوم والأبواب المشرعة
يعقب هذا الانفراج قول الشاعر:
«فنمْتُ….
والأبوابُ مُشرعَةٌ،»
تربط الفاء النوم بما سبقه، فتجعله نتيجة محتملة للقرارالذي نالته الذات. وعلى هذا المستوى، يمكن قراءتهبوصفه استراحة بعد لهفة وتيه. لكن الجملة الحالية«والأبواب مشرعة» تمنع الاستراحة من أن تتطابق معالإغلاق؛ فالعالم الذي فتحه الكتاب يظل مفتوحًا حتىحين تتوقف الذات عن فعل القراءة الواعي.
وتحقق عودة الأبواب تماسكًا بين المطلع وهذا الموضعالمتأخر من القصيدة. ففي البداية كان الفتح فعلًا أحدثهالكتاب، أما هنا فقد صار حالة مستمرة. وهذه العودة لاتعني تكرار الوضع الأول؛ إذ تغيرت الذات خلال الرحلة،وانتقلت من انتظار المعرفة إلى الاستعداد لتحول آخريتجسد في الصورة الختامية.
كما يتيح النوم قراءة المشهد التالي على تخوم الحلم، منغير الجزم بأنه وصف لحلم فعلي. وتكمن أهميته البنائيةفي أنه يصل بين مسار القراءة ومشهد الكتابة عبر انتقاللا يخضع تمامًا للمنطق الواقعي.
سابعًا: الرأس جرّةً وانتقال المعرفة إلى الكتابة
تتجمع صور القصيدة في ختامها حول مشهد مغاير:
«وفي أيدي الليالي..
كانَ رأسي (جَرَّةً)،
تسكبُ ماءَ العينِ
في كؤوسِ جُلَّاسي:
منَ الأقلامِ
والأوراقِ
والكلماتِ
عشّاقِ الشَّرابِ….»
تبدأ الصورة بتشخيص الليالي، إذ يمنحها الشاعر أيديًايصبح الرأس بينها. وينقل جمع «الليالي» التجربة منلحظة القراءة في «الليل» إلى زمن يمتد فيه تلقي المقروءواختزانه، قبل أن يظهر أثره في الكتابة.
يقوم تصوير الرأس جرّةً على جعل موضع التفكير وعاءً لماتراكم فيه من معلومات وثقافة عبر قراءة الكتب وفصولها. ليست الجرّة هنا وعاءً فارغًا ينتظر الجواب الحاسم، بلمخزنًا لما اكتسبته الذات خلال رحلتها، حتى حين لم تجد«فصل الخطاب». وهكذا تميّز الصورة بين تعذّر العثورعلى جواب نهائي وبين المعرفة التي أثمرتها القراءةبالفعل.
وفي هذا السياق يغدو «الماء» معادلًا محسوسًا للمعارفالمختزنة. وتحدد إضافته إلى «العين» طريقَ اكتسابها: فالعين هي الأداة الحسية التي تلقت المكتوب، ثم استقرما قرأته في الذاكرة والتفكير. وتسكب الجرّة، أي الرأسبما اختزنه، «ماء العين» في كؤوس الجلّاس. وبناءً علىهذا المسار، لا تُفسَّر العبارة في الدراسة على أنها سكبللدمع، بل نقلٌ لما دخل الذات عبر النظر والقراءة.
وتتكشف وجهة العطاء حين يسمّي النص «الجُلّاس»: الأقلام والأوراق والكلمات. يشخّصها الشاعر في صورةعشّاق للشراب، فتتلقى ما امتلأت به الجرّة. ويحوّل القلموالكلمات هذه المادة إلى كتابة تستقر على الورق، الذييحملها بدوره إلى القراء. بذلك تتجاوز الصورة الخبرةالفردية: ما اكتسبته الذات من الكتب يعود إلى التداولفي نص يمكن للآخرين قراءته.
ويكتمل هنا المسار الذي بدأ بنداء الكتاب: تدخل الذاتفصوله بعينيها، وتختزن من قراءتها معرفة في «جرّة»الرأس، ثم تمنحها لأدوات الكتابة. وتقدّم القصيدة هذاالانتقال بلغة الماء والشرب والفيض، من غير أن تجعلالنص الناتج جوابًا نهائيًا لكل الأسئلة التي أثارتها رحلةالقراءةثامنًا: البنية والمعنى الفلسفي للتجربة
تنتظم القصيدة في مشاهد تتغير معها علاقة الذاتبالكتاب: يبدأ الكتاب بالنداء وفتح الأبواب، فتستجيب لهالذات وتنتقل بين الفصول بحثًا عن «فصل الخطاب». وحين تفقد رقم السؤال ورقم الجواب، يظهر مصباحديوجينوس في موضع انعطاف يمنحها «القرار»و«مفاتيح الجواب». ثم يأتي النوم، قبل أن تتشكل صورةالرأس جرّةً تسكب «ماء العين» للأقلام والأوراقوالكلمات. ويصل هذا التتابع بين تجربة القراءة ومشهدالكتابة، لكنه يترك طبيعة الصلة بينهما مفتوحة؛ فلا يحددالنص ما فعله المصباح بالذات على وجه الدقة، ولا يجعلفيض الكلمات نتيجة له وحده.
ومن خلال هذا المسار يثير النص سؤالًا معرفيًا عنالعلاقة بين البحث والجواب. فكثرة الفصول لا توصلالذات إلى القول الحاسم الذي طلبته، لكن «المفاتيح»تشير إلى إمكان متابعة البحث، بينما تُبقي الأبوابالمشرعة المعنى قابلًا للاتساع. ويتصل بهذا الانفتاحالمشهدُ الأخير، حيث تتحول آثار التجربة الفكريةوالوجدانية إلى مادة تتلقاها أدوات الكتابة. لا تقدمالقصيدة حكمًا عامًا باستحالة اليقين، ولا تصوغ جوابًافلسفيًا نهائيًا؛ إنها تجعل الحيرة وما تتركه في الذاتجزءًا من نشوء التعبير الشعري. وبهذا يتجسد التأمل فيالمعرفة في حركة الصور والأفعال، من نداء الكتاب إلىفيض الكلمات.
خاتمة
تكشف «في الليل والكتاب» عن رحلة تبدأ بنداء الكتاب،وتتوالى فيها الفصول من غير أن تعثر الذات على «فصلالخطاب». غير أن تعذّر الوصول إلى جواب حاسم لايجعل القراءة بلا أثر؛ فالعين تتلقى من الكتب معارفَوثقافةً تختزنهما الذات في «جرّة» الرأس. وفي موضعالتحول يفتح مصباح ديوجينوس إمكان الاهتداء، فيماتظل الأبواب مشرعة على استمرار البحث.
وفي الصورة الختامية تصير المعارف المختزنة «ماءَالعين» الذي يُسكب في كؤوس الأقلام والأوراقوالكلمات. وهكذا تتخذ المعرفة التي اكتسبتها الذات منالقراءة شكلَ كتابة تنتقل عبر الورق إلى القراء. ومن هذاالمسار يتحدد معنى عنوان الدراسة «من فتنة القراءة إلىفيض الكتابة»: فالقارئ لا يكتفي بتلقي ما في الكتاب،بل يعيد صياغة ما اختزنه منه ويمنحه حياةً جديدة فينص يقرؤه الآخرون. (1) – عبد الستار نور علي، «فيالليل والكتاب»، صحيفة المثقف، نُشر في 25 أيلول/سبتمبر 2026؛
(2)- القرآن، سورة يوسف، الآية 23.
(3) – القرآن، سورة ص، الآية 20.
(4)- ديو جينيس اللائرتي، حياة مشاهير الفلاسفة،ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مراجعة محمد حمديإبراهيم، المجلد الثاني، القاهرة: المركز القومي للترجمة،الطبعة الأولى، 2007، الكتاب السادس، فقرة 41، ص43. وتورد هذه الترجمة الرواية المتداولة عن ديوجينيسالكلبي وقنديله في رابعة النهار؛ وتُذكر هنا بوصفهاحكاية منقولة، لا واقعة مثبتة على نحو مستقل.

