Homeمقالاتإيران... حين تتحول الأزمة من ملف إقليمي إلى قضية دولية : منى...

إيران… حين تتحول الأزمة من ملف إقليمي إلى قضية دولية : منى سالم الجبوري

لم تعد الأزمة الإيرانية مجرد فصل جديد من فصول الصراع المزمن في الشرق الأوسط، ولا مجرد مواجهة بين طهران وواشنطن أو بينها وبين إسرائيل. التطورات التي شهدها عام 2026 دفعت القضية الإيرانية إلى مساحة أوسع بكثير، بحيث باتت تداعياتها تمس الأمن الإقليمي، وأسواق الطاقة، والملاحة الدولية، ومسار الدبلوماسية العالمية في آن واحد.

وتكفي نظرة إلى ما جرى خلال الأشهر الماضية لفهم حجم التحول. فقد بدأت الحرب في أواخر فبراير/شباط، وانتهت إلى مقتل المرشد علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين والقادة العسكريين، قبل أن تعلن إيران في مارس/آذار اختيار نجله مجتبى خامنئي مرشدا جديدا. وبحسب رويترز، حافظتمؤسسات النظام على قدرتها على العمل رغم الخسائر القياديةالكبيرة، فيما ازدادت مكانة الحرس الثوري داخل منظومة القرار.

لكن المسألة لم تتوقف عند حدود تغيير رأس النظام. فالحرب امتدت إلى المجال البحري والطاقة والتجارة العالمية. إغلاق أو اضطراب الملاحة في مضيق هرمز انعكس مباشرة على أسواق النفط، فيما أدى استمرار التوتر في البحر الأحمر وباب المندب إلى زيادة المخاوف بشأن حركة التجارة الدولية. وفي 29 سبتمبر/أيلول، كانت أسعار النفط لا تزال متأثرة بمخاوف اضطراب الإمدادات، مع بلوغ خام برنت نحو 105 دولارات للبرميل.

وهنا تحديدا تتغير طبيعة السؤال. فعندما تؤثر أزمة دولة واحدةفي حركة الطاقة والتجارة والملاحة الدولية، فإنها لم تعد شأنايمكن حصره في إطار ثنائي أو إقليمي. وهذا ما جعل الملفالإيراني حاضرا بقوة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدةفي سبتمبر/أيلول 2026. وقد عقدت الجمعية العامة دورتها العامةبين 22 و28 سبتمبر، وسط اتصالات دبلوماسية مكثفة حولالحرب الإيرانية.

واللافت أن المسار الدبلوماسي نفسه يعكس حجم المأزق. فقد استؤنفت الاتصالات غير المباشرة بين واشنطن وطهران بوساطة قطرية على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، وتركزت المحادثات على وقف القتال، ورفع أو تخفيف العقوبات، وإعادة فتح مضيق هرمز، والملف النووي. لكن المواقف بقيت متباعدة، ولم يتحول الاتصال الدبلوماسي حتى الآن إلى تسوية نهائية.

وهذا يقود إلى السؤال الأكثر إلحاحا: هل ما زالت الأدواتالتقليدية كافية للتعامل مع الأزمة الإيرانية؟

خلال العقود الماضية تعاقبت محاولات الحوار والضغط والعقوبات والاتفاقات والتهديدات العسكرية، من دون أن تنجح في إنتاج تسوية مستقرة ونهائية. واليوم تبدو المعادلة أكثر تعقيدا: الحرب لمتنه الأزمة، والدبلوماسية لم تنجح حتى الآن في إغلاقها،والعقوبات لم تمنع استمرار المواجهة، فيما يدفع الاقتصادالإيراني والمجتمع الإيراني ثمنا بالغا.

ولذلك فإن أهمية اللحظة الراهنة لا تكمن فقط في السؤال عن مصير المواجهة العسكرية أو المفاوضات، وإنما في البحث عن تصور سياسي للمستقبل الإيراني نفسه.

في هذا السياق، تطرح قوى المعارضة الإيرانية، ومنها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، تصورا تعتبره “الحل الثالث“، يقوم ـبحسب خطابها ـ على انتقال سياسي تقوده قوى المعارضة داخلإيران، بدلا من الاقتصار على خيار الحرب الخارجية أو الإبقاءعلى الوضع القائم. وقد رافق اجتماعات الأمم المتحدة في نيويوركيومي 22 و23 سبتمبر تجمعات لمؤيدي المجلس الوطني للمقاومة،حملت مطالب تتعلق بتغيير النظام وإقامة جمهورية ديمقراطية.

هذا الطرح، بطبيعة الحال، هو موقف سياسي لقوة معارضة وليس حلا حسمه المجتمع الدولي. لكنه يكتسب أهمية تحليلية لأنه يطرحسؤالا ظل حاضرا بصورة أقل وضوحا طوال السنوات الماضية: إذا كانت الحرب لا تنهي الأزمة، وإذا كانت المفاوضات وحدها لاتنتج تحولا مستقرا، فما طبيعة البديل السياسي الممكن؟

هنا تصبح القضية الإيرانية أبعد من مجرد مواجهة عسكرية أو نووية. إنها قضية تتعلق بمستقبل الدولة الإيرانية، وبالعلاقة بين الداخل والخارج، وبكيفية انتقال البلاد من حالة الصراع المستمر إلى صيغة سياسية قابلة للاستمرار.

وفي نهاية المطاف، فإن التطور الأهم في عام 2026 قد لا يكون مجرد تغير اسم المرشد أو نتائج الحرب، بل انتقال السؤال نفسه من “كيف نحتوي إيران؟“ إلى “كيف يمكن إنهاء دورة الصراع التي جعلت إيران والمنطقة والعالم يعيشون في حالة مواجهة مفتوحة؟“.

وهذا سؤال لن تجيب عنه الصواريخ وحدها، كما لن تجيب عنه طاولة المفاوضات وحدها.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular