في رحاب لالش النوراني (Lalişa Nûranî) وجماعية شيخ آدي (Cemaya Şêx Adî)
في أيام جماعية شيخ آدي (Cemaya Şêx Adî)، حين تتجه القلوب والخطوات نحو لالش النوراني (Lalişa Nûranî)، يبدو الطريق وكأنه لا يقود إلى مكان فقط، بل يعيدنا إلى شيء من جذورنا. هناك تلتقي الذاكرة بالإيمان، ويلتقي الماضي بالحاضر، ويلتقي الناس بعد أن فرّقت بينهم المسافات. وفي هذا المشهد يبرز سؤال قديم: ما الذي يبقى في الإنسان من جذوره، مهما ابتعد عنها؟
نحن لا نبدأ حياتنا من فراغ. نأتي إلى عالم سبقنا إليه آخرون، فنجد لغة نتعلم بها أسماء الأشياء، وعائلة ننتمي إليها، وحكايات سُمعت قبل ولادتنا، وذاكرة تمتد إلى ما هو أبعد من أعمارنا. نحمل شيئًا من أرضنا وإيماننا وثقافتنا وتجارب الذين سبقونا. بعض ما نحمله نعرفه، وبعضه يسكن فينا قبل أن ننتبه إليه. ولعل صورة الجذور تعبّر عن ذلك بعمق؛ فنحن لا نرى جذور الشجرة وهي ممتدة في باطن الأرض، لكننا نرى أثرها في ثباتها ونموها. والإنسان أيضًا يحمل جذورًا لا تُرى، تظهر في لغته وحنينه وذاكرته، وفي الأماكن التي يشعر فيها أنه عاد إلى شيء من نفسه.
وفي هذا المعنى يحضر لالش النوراني؛ مكانًا مقدسًا تلتقي فيه معاني الإيمان والذاكرة والانتماء. وفي أيام الجماعية يصبح هذا الحضور أكثر وضوحًا؛ يأتي الناس من أماكن مختلفة، وأحيانًا من بلاد بعيدة، ويلتقون في مكان واحد. وكأن الطريق إلى لالش ليس طريقًا في الجغرافيا وحدها، بل عودة إلى ذاكرة مشتركة وإلى شيء يتجاوز حياة الفرد ويمتد عبر الأجيال.
ومن أجمل ما يميّز أجواء الجماعية حضور الرقص والألحان والموسيقى في طقوسها ومشاهدها. فالإيمان والانتماء لا يُعبَّر عنهما بالكلمات وحدها؛ هناك ما تقوله الحركة، وما تحمله الألحان، وما يصل إلينا عبر الإيقاع والصوت. وفي ذلك معنى جميل: أن الحركة والفرح يمكن أن يحملا بُعدًا روحيًا أيضًا، وأن ما نشعر به لا يحتاج دائمًا إلى أن يتحول إلى كلمات.
فالحياة في جوهرها تدفّق وحركة. لا شيء فيها يبقى على حاله، ونحن أيضًا نتغيّر ونتحرك معها. وربما لهذا يلامسنا الرقص بطريقة خاصة؛ يتحرك الجسد، ويستمر الإيقاع، وتلتقي الأصوات والألحان والناس في لحظة واحدة، وكأن شيئًا من الذاكرة الجماعية يصبح حيًّا من جديد. فليس كل ما هو مقدّس يحتاج إلى كلمات؛ بعض المعاني نقولها بالحركة، وبعضها نسمعها في الألحان، وبعضها لا يحتاج إلا أن نشعر به ونعيشه معًا.
وفي الوقت نفسه، تبقى للكلمة مكانتها الخاصة. وحين نتأمل القول – Qewl – ندرك كيف تستطيع كلمات قيلت منذ أجيال أن تبقى حيّة حتى اليوم. يمضي الإنسان، لكن شيئًا من صوته قد يبقى بعده. فالكلمة تستطيع أن تحمل معرفة وإيمانًا وحكمة وذاكرة عبر الأجيال. وهكذا لا تُحفظ الذاكرة بطريقة واحدة؛ قد تحفظها كلمة، وقد يحملها لحن، وقد تعيدها حركة، وقد يوقظها مكان. وربما تكمن قوة الموروث في أنه لا يعيش في الماضي فقط، بل يصبح حيًّا من جديد كلما عشناه وحاولنا أن نفهم معناه.
لكن العودة إلى الجذور لا تعني البقاء فيها. وهذا ما يجعل صورة الشجرة عميقة في معناها: فالشجرة لا تتمسك بجذورها لكي تبقى تحت الأرض؛ إنها تستمد منها القوة لكي ترتفع نحو السماء. وكذلك نحن؛ لا نحمل جذورنا لكي تعيدنا إلى الوراء، بل لكي تمنحنا الثبات ونحن ننمو ونتغيّر. فنحن لا نختار من أين نبدأ، لكننا نستطيع أن نسأل أنفسنا ماذا سنفعل بما حملناه معنا: ماذا نحافظ عليه؟ ماذا نحتاج إلى أن نفهمه من جديد؟ وماذا نريد أن ننقل إلى من يأتي بعدنا؟
وربما لهذا يحمل اسم لالش النوراني في ذاته صورة جميلة للتأمل. فالنور يفتح أمامنا سؤالًا يتجاوز المكان: ما الذي ينير طريق الإنسان؟ نحن لا نحتاج دائمًا إلى رؤية الطريق كله؛ أحيانًا يكفي نور صغير لكي نرى الخطوة التالية. وقد يكون ذلك النور كلمة، أو ذكرى، أو إنسانًا، أو أملًا، أو لحظة نرى فيها أنفسنا بوضوح أكبر.
فالضوء لا يخلق الأشياء الموجودة أمامنا؛ إنه يكشف ما كان موجودًا ولم نكن نراه. وربما تفعل العودة إلى الجذور شيئًا مشابهًا؛ فهي لا تخبرنا فقط من أين أتينا، بل تساعدنا أحيانًا على أن نرى من نحن، ومن نريد أن نكون.
وهكذا يمكن أن نرى في جماعية شيخ آدي، في رحاب لالش النوراني، لقاءً بين الإنسان وجذوره، وبين الأجيال وذاكرتها، وبين الكلمة والصوت والحركة، وبين ما وصل إلينا من الماضي وما سنحمله إلى المستقبل. فنحن لا نرث الماضي لكي نعيش فيه، ولا نحمل جذورنا لكي نبقى في المكان نفسه؛ نحمله معنا لنعرف من أين أتينا، ثم نواصل الطريق.
فالإنسان، مثل الشجرة، يبدأ من جذوره، لكنه لا ينمو إلى الأسفل. يستمد منها قوته، ثم يمتد نحو النور.
وفي أيام جماعية شيخ آدي، في رحاب لالش النوراني، ربما يكون السؤال الذي يستحق أن نحمله معنا:
كيف نحمل جذورنا، ونبقى أوفياء لما ننتمي إليه، دون أن نتوقف عن النمو والتطور، ونحن نواصل طريقنا نحو النور؟



