ثلاثون مترًا من الخوف : كفاح الزهاوي

  “ثلاثون مترًا معلّقة بين الأرض والمجهول“

   في الأحلام قد ترتدي عباءة البطل أو قناع الجبان، لكن اليقظة لا تفتحسوى درب واحد، كأنه خط محفور على صخرة، يقودك إلى مصيرك دونالتفات.

   خطوة واحدة على الحصيرة الهزّازة تكفي لتذكّرك أن الأحلام لا تملكدرابزين، وأن النهر تحتك ليس ماءً فقط، بل مارد عطشان ينتظر أن يبتلع أولارتجافة في قدميك.

   ابتلع الصمت كل شيء، فلم يبقَ سوى هدير النهر يتردّد كطبول خفية، يرسم لوحة مخيفة تخترق القلوب وتزرع في النفس إحباطًا وخوفًا، كأنالطبيعة نسجت مكيدة تجعل كل ارتجافة على الجسر مواجهة مع النفس قبلأن تكون مواجهة مع الماء.

   اندفع النهر بجموح، أشبه بفرسانٍ ينطلقون في مضمار السباق، يتسابقون بشراسة نحو الهدف، والزمن يلهث خلفهم ليحسم النصر ويزرعالقلق في نفوس المراهنين وهم يترقبون لحظات النهاية. وكنا نحن نجرّ خطواتنا كأننا نطارد ظلًا يبتسم على الضفة الأخرى، سرابًا يستدرجنا إلىلعبة الخوف.

   خطوتُ خطوتي الأولى نحو الجسر، فاهتز الهيكل كله معلنًا بدء طقسالرعب. لم يكن جسرًا، بل حصيرة ضيقة تتأرجح كخيط مشدود بين ضفتين، بلا درابزين ولا سياج. ومع كل وقعٍ لقدمي، كان الجسر يترجح بعنف تحتثقلي، كأنه كائن حي يتألم أو يتآمر ليلفظني.

   كان الصرير المتقطع للخشب يتجاوب مع هدير الماء، فيتردد صداه فيالوادي كصرخة مكتومة. خلفي، أصوات الأنصار تتعالى:

   ــ ثبّت نظرك للأمام!

   ــ لا تفكر… واصل!

   كانت كلماتهم كأجراس صغيرة تقطع عزلة الصوت الوحشي للنهر، تمنحني لحظة طمأنينة وسط العاصفة السمعية.

   نظرتُ للأسفل، فبدت مياه النهر أسفل الحصيرة المهتزة كأنها في سباقمحموم مع الزمن، يتدفق الموج بقوة هائلة وعنفوان أعمى، كأن السيول قدتأخرت عن موعدٍ قدريّ، وهي الآن تكرس كل طاقتها لتصل في الوقتالمناسب، حتى لو كان ثمن ذلك ابتلاعنا. في تلك المساحة الضيقة، تلاشتالخيارات، وأصبح كل ارجاحة للجسر هي لحظة المصير التي تفصل بينالحياة والموت، حيث المشي فوق الحصيرة أشبه بالسير على حد شفرة، والأقدام ترتجف خوفًا من أن تخون صاحبها في الخطوة التالية.

   وصلت إلى الضفة الأخرى، وأقدامي تلامس الأرض الصلبة، فشعرت أنالأصوات انكسرت فجأة، كأن سيمفونية الرعب توقفت عند هذه النقطة. هديرالماء ظل يتردد في الخلفية، لكنه لم يعد يملك السيطرة عليّ. كان الصمت بعدالعبور أثقل من الضجيج، لكنه حمل معه معنى الانتصار على لحظة مرعبة، لحظة لا تُنسى.

   ذلك الجسر لم يكن خشبًا مهتزًا فحسب، بل مرآة علّقت خوفنا في الهواء، وأجبرت كل واحد منا أن يرى نفسه في ارتجافاته. في تلك اللحظة بداالخوف كوحشٍ يلوّح بمخالبه، ثم ينكمش ليصير طاقةً نُمسك بها ونوجّهها. عبرنا الجسر، لكننا عبرنا أيضًا إلى مستوى آخر من الوعي، حيث تتحولالرهبة إلى قوة، والصوت إلى معنى، والخوف إلى انتصار داخلي.

 

 

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت