من ادب الرحلات : بدل رفو

من ذكريات الهند.. حين يلتقي أدب الرحلات بموس الحلاقة على قارعةالطريق

 

​تترك صالونات أوروبا المكيفة، بعطورها “الباريسية” الفاخرة ومقاعدهاالجلدية الفارهة، وتنسى هدوء صالونات الحلاقة المعتادة كصالون “هشيار” في دهوك، لتجد نفسك جائلاً في أقصى أطراف الأرض، وتحديداً في أحدقرى  الهند المليئة بالحياة والألوان والبهارات .

​تحت مظلة صفراء بسيطة تشبه خيمة سيرك صغيرة أقيمت على شاطئالطريق، يجلس حلاق هندي مبتسم بثقة لا تضاهى. يمسك بأدواته البسيطةوكأنه بروفيسور خبير   في الجراحة الدقيقة ولأسنانه حكاية من الخيالالعلمي ، بينما زبونه المسكين يغمض عينيه مستسلماً لموسٍ حاد ولا يشبهموس الحلاق عبوسي و ربما شهد الموس  أهوال الحرب العالمية الثانيةوعاصر أجيالاً متعاقبة!

​في هذه اللقطة، تقف أنت بفضول الرحالة والشغوف بتوثيق تفاصيل الإنسانأينما كان، تلوّح بيدك وتشرح له بكامل الحماس الثقافي والفكري، وكأنكتضع لمساتك الأخيرة على لوحة تاريخية رسمها ليوناردو دا فينشي، أوتجري مناقشة أكاديمية حول أحدث صيحات التجميل والعناية بالبشرة اومحاضرة ثقافية  في جامعة دهوك ! وفي المقابل، ترد عليك ابتسامة الحلاقالعريضة الهادئة لتقول لك دون كلام: “يا أخي، أنا هنا أمارس الحلاقة، والمساج والجراحة العامة، وميكانيك السيارات بذات الموس وبنفس الثقة!”.

​أما هذا الزبون المسكين، فيبدو وكأنه سلّم أمره بالكامل للسماء،  يغمضعينيه في حالة سكون تام وينتظر مصيره المحتوم، متسائلاً بينه وبين نفسهإن كان سيخرج من هذا الكرسي الخشبي العتيق بلحية مهذبة وأنيقة، أمبقطعة أذن مفقودة ستصبح جزءاً من تاريخ هذه المغامرة!

​أنت تظن في تلك اللحظة أنك تسجل مشهداً فريداً من أدب الرحلات يوثقحكايات الشعوب والبساطة اليومية، بينما يعتقد الحلاق المبتسم أنك مبعوثٌخاص من وكالة “ناسا” جئت لمعاينة معداته الفضائية المبتكرة والاطلاع علىتقنياته في الهواء الطلق…

​والنتيجة.. حلاقة استثنائية على الهواء مباشرة، بلا ماء دافئ، ولا كريماتمعطرة، ولا أي ضمانات للسلامة، ولكن مع كمية لا تُقدّر بثمن من المغامرة،والتواصل الإنساني، والضحك الصادق الذي يختصر جوهر الرحالالحقيقي في بلاد العجائب. وهناك تذكرت المطرب الهندي الاسطورة محمدرافي وجريت للبحث عن اسطواناته في القرية!!

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت