الغرب وإيران: حين تتحول سياسة الاحتواء إلى مكسب استراتيجي لطهران : منى سالم الجبوري

لم تكن التحولات التي شهدها الشرق الأوسط منذ عام 2003 مجرد نتائج للحروب وتبدل الأنظمة، بل كانت أيضا حصيلة قراراتسياسية واستراتيجية اتخذتها القوى الغربية، بعضها بدافعالمصالح الآنية، وبعضها الآخر استنادا إلى حسابات ثبتتمحدوديتها. وفي الحالة الإيرانية، يبرز سؤال يستحق المراجعة: هل أسهمت بعض السياسات الغربية، التي استهدفت احتواءطهران أو تحسين العلاقات معها، في تعزيز نفوذها الإقليميوإضعاف خصومها، بدلا من الحد من قدرتها على التدخل؟

في تحليل نشرته صحيفة “واشنطن إكزامينر“ في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تناول المحلل السياسي حميد عنايت هذه المسألة من زاوية التعامل الغربي مع منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، مستندا إلى تصريحات القاضي الفرنسي السابق ماركتريفيديك بشأن التحقيقات التي طالت المنظمة في فرنسا عام2003. ويطرح التحليل فرضية مفادها أن الاعتبارات الدبلوماسية،إلى جانب حسابات مكافحة الإرهاب، أسهمت في إضعاف أحدأطراف المعارضة الإيرانية المنظمة، في وقت كانت فيه طهرانتسعى إلى تقليص التهديدات الموجهة إلى نظامها.

من الحسابات الدبلوماسية إلى النتائج الاستراتيجية

شكل إدراج مجاهدي خلق على القائمة الأمريكية للمنظماتالإرهابية الأجنبية عام 1997، ثم الإجراءات الأوروبية اللاحقة،جزءا من سياق سياسي أوسع اتسم بمحاولات اختبار إمكانتحسين العلاقات مع إيران. وقد أزيل اسم المنظمة من القائمةالأوروبية عام 2009، ومن القائمة الأمريكية عام 2012. وتكشفهذه المحطات عن تقلبات في تقدير الحكومات الغربية لطبيعةالمنظمة ودورها، وعن التداخل بين الاعتبارات الأمنية والحساباتالسياسية .

أما في فرنسا، فقد شهد عام 2003 حملة اعتقالات وتحقيقات بحق أعضاء ومؤيدين للمنظمة، على خلفية شبهات تتعلق بتمويل أنشطة إرهابية. وانتهت الإجراءات القضائية اللاحقة إلى إسقاط التهم الأساسية في القضية. لكن من الضروري التمييز بين النتيجة القضائية وبين الادعاء بأن التحقيقات كانت، منذ البداية، أداة لتنفيذ صفقة سياسية مع طهران؛ فهذا تفسير يحتاج إلىأدلة مستقلة، ولا يكفي فيه مجرد تزامن التحقيقات مع المصالحالاقتصادية والدبلوماسية الفرنسية.

 

ومع ذلك، فإن القضية الأوسع تظل قائمة: عندما تُتخذ قراراتتتعلق بالمعارضة الإيرانية في سياق مفاوضات مع النظام، ينبغيإخضاعها لتقييم دقيق يوازن بين متطلبات الأمن والعدالة وبينآثارها السياسية بعيدة المدى.

العراق عام 2003: نقطة تحول في ميزان القوى

كان الغزو الأمريكي للعراق أحد أهم التحولات الجيوسياسية في المنطقة. فقد أسقط نظام صدام حسين، الذي كان يشكل خصماإقليميا رئيسيا لإيران، وأعاد تشكيل البيئة السياسية والأمنيةالعراقية. وفي السياق نفسه، جرى نزع سلاح قوات مجاهديخلق الموجودة في معسكر أشرف، بعد مواجهات واتفاقات معالقوات الأمريكية عام 2003.

وبغض النظر عن الموقف من المنظمة أو تقييم تاريخها السياسي والعسكري، فإن النتيجة الإقليمية الأوسع تستحق التأمل: اختفى النظام العراقي الذي خاض حربا طويلة مع إيران، بينما توسعتقدرة طهران على بناء علاقات ونفوذ داخل العراق الجديد عبر قوىسياسية وشبكات مسلحة متحالفة معها.

ليس من الدقة رد هذا التحول كله إلى قرار واحد، أو الجزم بأنالغرب تعمد تسليم المنطقة إلى إيران. فقد أسهمت عوامل عراقيةداخلية، وانهيار مؤسسات الدولة، والقرارات الأمريكية اللاحقة،في صناعة هذا الواقع. لكن المحصلة أظهرت أن إسقاط خصملإيران من دون استراتيجية متكاملة لمرحلة ما بعد الحرب قد يفتحالمجال أمام توسع نفوذها، حتى إن لم يكن ذلك هدفا معلناللسياسة الأمريكية.

وهم الاحتواء وحدود استرضاء الأنظمة

تقوم إحدى المعضلات المزمنة في السياسة الغربية على الاعتقاد بأن تقديم تنازلات محدودة قد يدفع طهران إلى تعديل سلوكها. وقد يكون التفاوض ضروريا لتجنب الحرب، والحد من المخاطرالنووية، وحماية المصالح الدولية؛ لكن المشكلة تبدأ حين يتحولالحوار إلى غاية في حد ذاته، من دون تقييم مستمر لنتائجه علىسلوك النظام الإقليمي والداخلي.

فالسياسة الفعالة تجاه إيران لا ينبغي أن تقتصر على الاتفاقات النووية أو الترتيبات الأمنية، بل يتعين أن تأخذ في الحسبان تدخلاتها الإقليمية، وبرامجها العسكرية، وسجل حقوق الإنسان، وطبيعة تعاملها مع المعارضة. وفي المقابل، فإن تصنيف القوى المعارضة أو دعمها لا يجوز أن يخضع لمعادلة مبسطة تفترض أن كل خصم للنظام يمثل بالضرورة بديلا ديمقراطيا موثوقا؛فالمعارضة الإيرانية متعددة الاتجاهات، ولكل تيار تاريخهوبرنامجه ومشكلاته التي تستحق التقييم المستقل.

المراجعة المطلوبة: سياسة تستند إلى النتائج لا الأوهام

إن الدرس الأبرز من العقدين الماضيين هو أن السياسات الغربية تجاه إيران تحتاج إلى مراجعة تتجاوز ثنائية الحرب والاسترضاء. فلا الضربات العسكرية وحدها تضمن تغيير السلوك، ولا التنازلات الدبلوماسية تضمن الاعتدال، ولا إضعاف طرف معارض يثبت تلقائيا أنه يخدم الاستقرار.

المطلوب استراتيجية متماسكة تجمع بين الدبلوماسية والردع، وتمنع استخدام المفاوضات غطاء لتوسيع النفوذ الإقليمي، وتدعمحقوق الإيرانيين في التعبير والتنظيم والمشاركة السياسية، مندون منح أي فصيل معارض شيكا على بياض.

لقد أظهرت التجربة العراقية أن القرارات الكبرى قد تنتج عواقب تتجاوز بكثير أهداف واضعيها. ولذلك، فإن أي سياسة مستقبلية تجاه طهران ينبغي أن تُقاس بقدرتها على تقليص مصادرالتوتر، وحماية أمن المنطقة، واحترام تطلعات الشعوب، لا بمجردتحقيق تفاهم دبلوماسي مؤقت.

فالخطأ الاستراتيجي لا يكمن فقط في تقدير الخصم تقديراخاطئا، بل في الاستمرار بسياسة لا تراجع نتائجها، حتى عندماتكشف الوقائع أن المكاسب التي تحققت على طاولة المفاوضاتقد تتحول إلى خسائر على أرض الواقع.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت