تقاعس اليزيديين ومخازي التطور : حاجي علو

 هكذا إعتاد اللاــأُباليون اليزيديون أن يُسموا تغيراتهم العبثية للطقوس والمراسيم الدينية المعتادة في الأعياد وغير الأعياد سواء في لالش أو في غير لالش, إنها تطور, رغم أن الدين وطقوسه إعتقاد بشري قد ترسّخ في القوم على مدى عشرات الأجيال وأصبحت مسلمات في إيمان القوم به وبتراثه الأدبي المجتمعي لا تستند معظمها على أرضية علمية, لكنها مسلّمات ترسم معتقد القوم وهويته الفكرية المميزة عن غيرهم لهم فيها تفسيرات وإعتقادات خاصة بهم وهي محل إعتزاز وتبجيل أفراد القوم كلهم توحد صفوفهم يشتركون في نفس الفكر والمعتقد, يتمسكون بها بشدة بحيث يُفضلون الموت الجماعي على تبديلها أو التخلي عنها والتاريخ اليزيدي الدامي أفضل مثال على ذلك, تجسّد هذا فعليّاً في سنجار في القرن الحادي والعشرين .

كما قلنا في البداية الأديان كلها إعتقاد فكري للمجتمع البشري تتشكل في الظروف المحيطة بكل مجتمع فلا بد أنها تختلف كثيراً بإختلاف المجتمعات وتفكيرها, وهكذا فلا دين أفضل من دين ولا طقوس أفضل أو أسوأ من غيرها إطلاقاً, أبناء القوم هم الذين يعلون شأن دينهم ولغتهم أو ترديهما ويتفنون في طقوسهم ولا علاقة للغيب بهذا او ذاك أبداً.

كلامنا اليوم هو على اليزيديين بمناسبة عيد الجما, جميع طقوسنا في الظروف السلبية جداً في الماضي كانت معلومة ومثبتة بمراسيم مقررة لا إجتهاد فيها ولا تغير, في الزمن الذي لم تكن فيه ساعات ولا تقاويم كانت الطقوس الدينية دقيقة جداً في مواقيتها وما أن دخلنا عصر التطور حتى بدأ التخلخل وزحف المواقيت وتغيير التواريخ على قدم وساق والكارثة هي أنهم يعتبرونها تطوراً وضرورة, وما كان في الماضي يعتبرونه خطأً وأنا أسألهم: ما هو الصحيح الذي هو أفضل من الماضي؟ وهي في جميع الحالات إعتقاد صرف لما يرتأيه المجتمع وتطبّع عليه, نحن قد خلقنا بهذا الإعتقاد الذي أتقنه أجدادنا في ظروفهم الصعبة فلماذا نحن عاجزون على الإحتفاظ به كما كانوا يفعلون؟

بالنسبة إلى عيد الجما هو عيد بري شباك قبل اختفاء الشيخ عدي الثاني وينسب إليه تمثيلاً, بري شباكي أو واجهة الشباك, هو أهم الرموز الدينية التي تمكَّن الداسنيون الختاريون من إنقاذه من يد الغزاة العرب في 637 ميلادية مع عدد من النياشين مثل الخواتم والكؤوس وتماثيل برونزية إعتبرت مقدسة فهربوا بها من وجه الغزاة العرب من مدينتهم ختار (الحضر) جنوب الموصل واستقروا في الجبال فكانوا في لالش يوم نهضة الداسنيين في أواخر القرن السادس الهجري فتمخضت النهضة الكبرى في ظل الدولة الأيوبية عن تغيير الإسم الداسني المكفّر إلى اليزيدي والممارسات الدينية المعروفة حالياً, والعيد هو تعميد للشباك وغسله وزيارته سنوياً من قبل اليزيديين كأهم رمز مقدس كان قبل الإسلام ونجا منه, مع أن هذا لم يكن ممكناً إلاّ مرة لكل عدة سنين قبل التحرير البريطاني الفرنسي المشكور لليزيديين وبعد الحرب العالمية الأولى . كانت قافلة بري شباكي تتحرك من بحزاني وفي سرية تامة, كانت البغال من الكنيسة يتقدمهم رجل مسلم من بيت رحو (المسلم الوحيد في بحزاني لهذا الغرض) فالقافلة هي قافلة المسيحيين وحاديها رجل مسلم تقية وتغطية لحمولة القافلة , لكن بعد التحرير والإعتراف الرسمي بالدين اليزيدي في الدستور بسعي المرحوم إسماعيل جول بعد 1931 تم الإستغناء عن بغال القس واستخدمت بغال بيت عبوزيد الماموسي البحزاني وبعد فترة غير قصيرة إستخدمت السيارة .

إعتادت القافلة أن تخرج من بحزاني في الصباح الباكر ثم تستريح فترة وجيزة في كندالة ثم في عين سفني فتستقبل القافلة بحفاوة وقدسية بالغة قبل أن تتحرك فيكون الوصول في لالش في نفس اليوم في 6 تشرين أول فينظّف ويُغسل بماء السماق على مدى ستة أيام والتشييع يكون يوم العيد 12 تشرين قبل الظهر ثم يُزار في الهندروو حتى الساعة الرابعة عصراً ثم ينقل إلى عين سفني في نفس اليوم حيث يُبات في عين سفني فيُزار من قبل سكانها وفي الصباح يُسفّر إلى بحزاني بدون توقف كي يصل إلى مكان خزنه قبل غروب شمس أيلول الشرقي أي 13 تشرين غربي . هذه هي الطقوس والمراسيم الرسمية وتوقيتاتها أتقنها آباؤنا الأمّيون بدقةٍ متناهية لمئات السنين وتحت الظروف الخطرة جداً, وما أن تسلم المثقفون أمور الدين حتى بدأوا الحفر في أسس التقاليد الإيمانية وعن جهل مطبق, حتى إستخدام السيارة وسرعة النقل لا يعني التخلي عن المراسيم التقليدية التي تمسّك بها الملة ولا يزال يعتز بها, بل يُوفر وقتاً أطول لممارسة الطقوس, لكن يبدو أن هذا لا يكفي ففي العام الماضي تم تأخير نقل بري شباكي إلى المغرب وأنا إنسحبت قبل وصوله فقد كنا في إنتظاره منذ الساعة الثالثة بهدف الوصول في الرابعة لكن تم تأخيره لساعتين لجمع المزيد من الفتو , والأسوأ حدث هذا العام فقد مُدِّد يوما كاملاً لغرض جمع الفتو وليس لشيء آخر, كنا في إنتظاره منذ الساعة الثانية, وما وصل حتى الرابعة لإداء المراسيم في عين سفني التي تستغرق أكثر من ساعة, هذا عدا إلغاء المبيت, لكنهم إختصروها إلى نصف ساعة ولا أظن أنهم وصلوا بحزاني وخزنوه قبل فوات الأوان أي التخزين قبل نزول وغروب شمس أيلول وهو الساعة الرابعة عصراً على أقل تقدير, وهذا إنتهاك ديني خطير كان يجب أن لا يحدث, لكن الحبل على الجرار وسنرى المزيد .

 

حاجي علو 1 تشرين شرقي2754 ميدي/ كوردي

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت