الأبعاد السياسية لصفقة الديزل الروسية بين واشنطن وموسكو : قاسم مرزا الجندي

 

شكّل الاتفاق الروسي الأمريكي بشأن الديزل، الذي جرى الإعلان عنه في 9 أكتوبر 2026، صفعة سياسية لأوروبا، إلا أنه لا يمكن أن يغيّر بشكل جذري نمط إمدادات الطاقة في القارة الأوروبية. وربما جوهر الأمر أنه مناورة سياسية داخلية قصيرة الأجل، وليس انفراجاً استراتيجياً حقيقياً في العلاقات الأمريكية الروسية.
إن الدافع الأساسي لهذه الصفقة هو السياسة الداخلية الأمريكية، وليس السياسة الخارجية. فقد ارتفعت أسعار الديزل في الولايات المتحدة ووصلت إلى مستويات قياسية تاريخية، مما أثر بشكل مباشر على المزارعين وسائقي الشاحنات. وكشفت وسائل إعلام متعددة أن توقيت هذه الصفقة يهدف بشكل مباشر إلى الانتخابات النصفية الأمريكية في 3 نوفمبر 2026، ووصفها خبراء ألمان بأنها عمل رمزي ومحاولة يائسة نوعاً ما لخفض التضخم قبل الانتخابات.
تستهلك الولايات المتحدة يومياً حوالي 500 ألف طن من الديزل، بينما 300 ألف طن فورية لا تكفي سوى لأكثر من 14 ساعة فقط من الاستهلاك الأمريكي. وحتى الكمية الإضافية التي تبلغ 3 ملايين طن في سوق الديزل العالمي تعتبر مجرد قطرة في محيط. وقد أشار أحد المسؤولين في أمريكا إلى أن هذه الكمية لا شيء، لأن روسيا في الظروف الطبيعية تصدر كميات أكبر بكثير من الديزل.
الضرر الحقيقي لأوروبا من الاتفاقية هو تآكل الجبهة الموحدة للعقوبات، التي كانت الدول الأوروبية تلتزم بفرضها على واردات الديزل الروسي منذ فبراير 2023. والآن الولايات المتحدة تخرق تلك الاتفاقات. وصرّح أحد القادة الأوروبيين بأن هذه الصفقة تكشف سذاجة القيادة السياسية للاتحاد الأوروبي.
كما عبّرت دول شمال أوروبا مثل السويد وفنلندا وإستونيا عن خيبة أمل شديدة واعتبرتها خطأً جسيماً، لأن الولايات المتحدة لم تنسّق مسبقاً مع الدول الأوروبية، وضربت الاتفاق والأمن الأوروبي بصفقة أحادية الجانب مع روسيا. والحقيقة أن سياسة الولايات المتحدة يمكنها بيع أوكرانيا ومصالح أوروبا. وهذا يعني أن أولويات ترامب الانتخابية أهم من مصالح أوروبا وأوكرانيا.
أم هل يُعتبر اتفاق ترامب تكتيكاً آخر مع روسيا؟ فقد وقّع ترامب في سبتمبر على قانون عقوبات صارمة على روسيا، وبعد أسابيع أجرى اتفاقاً مع روسيا. هل الحرب مع إيران دفعته لتهدئة العلاقات مع بوتين؟ حتى إن ترامب صرّح في اقتراح بأن زيلينسكي يجب أن يُستبدل، طالما يمكن أن يساعد في تهدئة أسعار النفط المحلية. ربما تكون هذه المحاولات الصادرة من القيادة الأمريكية لعدم الشك في الاتفاق الروسي، وربما تكون الاتفاقية في حقيقتها مناورة تكتيكية من الجانب الأمريكي.
لقد وصل الاتفاق الروسي الأمريكي بشأن الديزل إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، حيث أصدرت روسيا قراراً برفع الحظر جزئياً، وأصدرت الولايات المتحدة ترخيصاً عاماً يسمح باستيراد الديزل الروسي لمدة تمتد حتى أبريل 2027.
تم الاتفاق بين الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين في اتصال هاتفي جرى في 9 أكتوبر 2026. بموجب الاتفاق، تعهدت روسيا بتوريد كميات من الديزل إلى السوق الأمريكية والعالمية وفق الجدول الزمني التالي: في البداية يتم تصدير أكثر من 300,000 طن متري (ما يعادل حوالي 2.25 مليون برميل).
وفي نوفمبر 2026 يتم تصدير 500,000 طن متري إضافية. بعد ذلك مليون طن متري، مع إمكانية ضخ 3 ملايين طن أخرى لاحقاً.
واتخذ الطرفان خطوات وإجراءات تنفيذية. من الجانب الروسي أصدرت الحكومة الروسية قراراً برفع الحظر المؤقت عن تصدير الديزل جزئياً، بهدف استقرار السوق المحلية.
ومن الجانب الأمريكي أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة ترخيصاً عاماً يسمح بالتعاملات المتعلقة بالديزل الروسي، بما في ذلك الشراء والتسليم والاستيراد. الترخيص ساري المفعول حتى 7 أبريل 2027، مما يمنح الاتفاق إطاراً قانونياً يمتد لعدة أشهر.
أثار الاتفاق جدلاً واسعاً، لا سيما داخل أروقة السياسة الأمريكية. واجه الاتفاق معارضة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس، وطالبوا الإدارة بالتراجع الفوري.
وأدان الرئيس الأوكراني زيلينسكي الاتفاق، واصفاً إياه بأنه قرار غير عادل وغير نزيه، بينما اعتبره بعض المحللين بمثابة وضع واشنطن في موقف يتعارض مع حلفائها.
يبقى السؤال مطروحاً: هل هذا الاتفاق مناورة تكتيكية قصيرة الأجل لخدمة الأهداف الانتخابية، أم خطوة استراتيجية حقيقية نحو إعادة تشكيل العلاقات الأمريكية الروسية؟ المؤشرات الأولية ترجّح كفة التفسير الأول، خاصة في ظل غياب التنسيق مع الحلفاء الأوروبيين، والأيام ستكشف ماهية الاتفاقية بين الطرفين.

 

قاسم مرزا الجندي
12 / 10 / 2026

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت