المبدأ قبل المنصب : جهور سليمان

يؤكد الطرح الأخلاقي العميق للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط
(Immanuel Kant, 1724–1804)
أن الواجب لا يكون خالصاً إلا إذا أُنجز لذاته دون طمع في منفعة، وأن التعامل مع القضايا العادلة كوسائل لتحقيق غايات فردية ينزع عنها قيمتها الأخلاقية.
وتتجلى هذه الفكرة بوضوح حين تتشابك المبادئ بالدوافع الشخصية في قضايا المجتمعات المصيرية؛ إذ يُقاس الإيمان الحقيقي بقضية عادلة — كالقضية الأيزيدية بما تحمله من ثقل إنساني ووجودي — بمدى التجرد من المصلحة الذاتية، وجعل كرامة المجتمع وحقوقه هي الغاية الأسمى والأخيرة.
وحين يتحول المنصب السياسي أو الاجتماعي من أداة لخدمة المظلومين إلى غاية في حد ذاته، يُسلب العمل القومي جوهره الأخلاقي، وتتحول القضية على أيدي المتكالبين عليها إلى مجرد ذريعة للتسلق ونيل الامتيازات.
إن تقديم الطموح الفردي والمكاسب الشخصية على حساب آلام مجتمع بأكمله يكشف عن انفصال عميق عن روح القضية؛ إذ لا يمكن لمن يعامل أوجاع قومه كجسر للوصول أن يكون مؤمناً بحقهم في العدالة والوجود. فالقضايا العادلة لا تحيا بالتسويات التي تطال المبادئ، ولا يدافع عنها إلا من يرى في الواجب الأخلاقي خياراً مطلقاً يتسامى فوق المغريات والمناصب.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت