الرسالة الثانية
من وإلى جعفر جوقي
دخلت عليه غرفته في (القسم الداخلي للطلبة)، العنكبة التي تشاركه السكن كانت غائبة بأمر دوستويفسكي، صحون عشاء يوم أمس ما تزال متسخة، ويفوح من جواربه رائحة أسهال محروق. سألته:
لماذا تزوجت؟
ـ جااف: كنت بحاجة لمن يطعمني، ويغسل جواربي الصيفية، فأنت تعرفني، كسول بطبعي.
ـ أنا: هل استنتجت إن الحياة في أساسها غير مأمونة بل غير مجدية، ولا فائدة من التفكير فيها. أو بعبارة قريبة منك، أو أظنها كذلك، إن (الديكارتية) غلطة وزلة مضللة.
ـ جااف: أوافق على هذا الاستنتاج الذي يشبه معناه، رغم أني لا أحب قراءة (كولن ويلسن).
ـ أنا: هل هو شعور الأرنب الذي يواجه حيّة سامة.
ـ نعم، فأنا أتأمل الحية السامة كثيرا، وأظنه أفعوانا ومن فرط دهشتي أهذي بمخاطبته (أفعوان زرادشت) لصاحبهما نيتشه المقاول.
ـ أنا: أعرف الدهشة حين يرافقها السأم، فهما يولدان ذلك الشعور الذي يقول: لا شيء يمكن فعله. هل لذلك السبب قمت بترجمة (الأرض الخراب).
ـ جااف: إنه (خراب) حتى لو ترجمته إلى لغة العصافير، وهو أفضل من (صديقي القديم).
ـ أنا: لنجمله ونقول: إنه يباب! هل تعاني من أزمة إيمان؟
ـ جااف: أنا لا أتعمق مثلك في قراءة فردريك نيتشه.
ـ أنا: ولكنك تقرأ كثيرا.
ـ جااف: إنما هي قرقرة معدتي الفارغة أغطي بها رائحة جواربي التي انشرها على (صخرة سيزيف) وما أزال أراقب صعوده بها أعلى الجبل كل صباح.
ـ أنا: وهل تسخر منه في المساء حين تفلت منه الصخرة وتنحدر إلى الأسفل وهو يركض خلفها؟
ـ جااف: يبتسم بطريقة موناليزية ويقول: الأمر لا يتحمل أن يتأجل للمساء، يحدث ذلك في نفس الصباح؟
خرجت من الغرفة قبل مجيء العنكبوت من سهرتها، فأنا لا أحب ثرثرتها وكأنها تقرأ لشوبنهاور الذي يطرب لكلماته جعفر وينام عليها.



